ثمة مفارقة لافتة في تاريخ العلم: إن الكلمة التى تحكم اليوم أغلب القرارات الرقمية في العالم - من تصنيف الائتمان إلى إدارة الحدود - مشتقة من اسم رجل لم يكن يقصد بعمله سوى تحقيق العدل. فمحمد بن موسى الخوارزمي، الذي وضع في القرن التاسع الميلادي كتابه الشهير “الجبر والمقابلة”، لم يطرح خطوات إجرائية منظمة لغرض نظري، بل لغرض أخلاقي بامتياز: ضمان توزيع عادل للميراث، ومنع الغموض الذي يُفضي إلى الظلم.
كانت «الخوارزمية» في مفهومها الأصيل تعني الشفافية الإجرائية الكاملة؛ خطوات متتابعة ومعلنة يستطيع أي طرف تتبعها والتحقق من نتيجتها. وهذا ما يجعل المفارقة أكثر حدةً اليوم: فالأنظمة التي تحمل هذا الاسم باتت في معظمها بالغة التعتيم، تُصدر أحكاماً بشأن حياة البشر دون أن تُتيح لهم فهم المعايير التي أُخضعوا لها.
في القرن الثاني عشر، نُقلت أعمال الخوارزمي إلى اللاتينية، وتحول اسمه إلى مصطلح تقني مجرد. غير أن ما ضاع مع الاسم لم يكن مجرد نسب علمي، بل ضاع السياق الأخلاقي بأكمله: الفكرة القائلة بأن الأداة الحسابية يجب أن تخدم العدالة، لا أن تكون أداةً في يد من يمتلكونها.
● الخوارزمية ليست محايدة - القراءة النقدية
من أكثر الأوهام رسوخاً في ثقافتنا الرقمية المعاصرة أن الخوارزميات كيانات موضوعية، لأنها مبنية على الرياضيات، والرياضيات لا تنحاز. وهذه المعادلة تحديداً هي ما تفككه الباحثة شوشانا زوبوف في عملها المرجعي الصادر عام 2019.
ما تصفه زوبوف ليس انحرافاً استثنائياً، بل نموذج اقتصادي قائم بذاته. الخوارزمية هنا ليست أداةً تعمل على البيانات، بل آليةٌ لتحويل السلوك الإنساني إلى سلعة قابلة للبيع والتوقع والتوجيه. وهذا ما يجعل السؤال عن “حياد الخوارزمية” سؤالاً ساذجاً من الناحية التحليلية.
أما على صعيد التحيز البنيوي المضمَّن في أنظمة الذكاء الاصطناعي، فقد وثّقت الباحثة تيمنيت غيبرو - قبل إقالتها المثيرة للجدل من مختبرات جوجل عام 2020 - كيف أن النماذج اللغوية الكبرى تُعيد إنتاج التحيزات العرقية والجندرية الموجودة في بيانات تدريبها، وتُقدمها بثقة كاذبة باعتبارها استنتاجات موضوعية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، ينبه عالم السياسة بنيديكت إيفانز في تقاريره السنوية حول مستقبل التقنية إلى أن السيطرة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي باتت تُشكّل ما يسميه “هندسة القوة الخفية”؛ إذ إن من يملك مراكز البيانات والنماذج اللغوية الكبرى يمتلك قدرة غير مسبوقة على تشكيل المعرفة المتاحة وتوجيه القرار الجمعي.
● مستويان في البنية الرقمية - التمييز الضروري
لفهم طبيعة الإشكالية بدقة، يجدر التمييز بين مستويين مختلفين في البنية الرقمية، كثيراً ما يتم الخلط بينهما في النقاشات العامة
المستوى الأول: الطبقة المادية والفيزيائية
وتشمل البروتوكولات الشبكية والترددات اللاسلكية والكابلات البحرية والمعايير المفتوحة لنقل البيانات. هذا المستوى تطور إلى حد بعيد نحو الانفتاح والمشاركة؛ إذ قامت منظمات دولية كاتحاد الاتصالات الدولي وهيئة معايير الإنترنت (IETF) على مبدأ توحيد المعايير وإتاحتها للجميع. وقد أتاح هذا التوجه إمكانية الاتصال الشامل على المستوى العالمي.
المستوى الثاني: الطبقة البرمجية والخوارزمية
وهي الطبقة التي تُقرر ما يراه المستخدم، وما يُصنَّف، وما يُزال، وما يُرفع. هنا يتركز الاحتكار الفعلي. وعلى النقيض من الطبقة الأولى، تعمل هذه الطبقة وفق قواعد مغلقة تحددها شركات قليلة العدد، كثيرة النفوذ، خاضعة لاعتبارات إعلانية وجيوسياسية معقدة.
هذا التمييز جوهري لأنه يحدد أين يقع الخلل بالضبط. ليست المشكلة في الشبكة بوصفها بنية تقنية، بل في الطبقة التي تتحكم في ما يجري عليها. وهذا ما يجعل الدعوة إلى “الانفصال عن التكنولوجيا” حلاً غير دقيق؛ المطلوب ليس الابتعاد عن الشبكة، بل استعادة السيطرة على الطبقة البرمجية.
● الاستعمار المعرفي وسيلة لتحليل الهيمنة الرقمية
أتاح مفهوم “الاستعمار المعرفي” الذي طوره المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في “الاستشراق” (1978) أداةً تحليلية لا تزال حاضرة بقوة في قراءة واقع الهيمنة الرقمية. حين تُنتج بيانات مجتمعاتنا وثقافاتنا ولغاتنا بصورة رئيسية وقوداً لنماذج مدرَّبة في مراكز خارج حدودنا، ثم تُعاد إلينا مُصفّاةً وفق معايير لم نُشارك في صياغتها، فإن هذه العملية تستعيد بنية الهيمنة المعرفية في ثوب رقمي جديد.
الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي يذهب أبعد من ذلك في مفهومه “نيكروبوليتيكس” (سياسة الموت)؛ إذ يرى أن التحكم في المعلومات وتحديد ما يُرى وما يبقى غير مرئي هو شكل من أشكال ممارسة السلطة على الحياة والوجود. وفي السياق الرقمي، يعني ذلك أن من يملك خوارزميات التصنيف والإظهار والإخفاء يملك سلطةً حقيقية على ما يصبح جديراً بالاعتبار العام وما لا يصبح.
وعلى صعيد التداعيات الاقتصادية تحديداً، تُطوّر الاقتصادية ماريانا ماتسكايا في كتابها “الدولة الريادية” (2013) تحليلاً يُظهر أن كثيراً من التقنيات الأساسية التي تقوم عليها شركات التكنولوجيا الكبرى - من الإنترنت إلى GPS إلى الشاشات اللمسية - وُلدت في مختبرات ممولة من المال العام الأمريكي. غير أن عائدات هذا الاستثمار الجماعي تتركز في النهاية في يد عدد محدود من الشركات الخاصة. وهذه الملاحظة مدخل مهم لفهم لماذا السيادة الرقمية ليست ترفاً سياسياً، بل مسألة عدالة اقتصادية.
● ملاحظات على الأمن السيبراني والبنية التحتية الوطنية
ثمة صلة مباشرة بين غياب السيادة الرقمية ومخاطر الأمن السيبراني، لكنها تحتاج إلى صياغة دقيقة. الاعتماد على أنظمة مغلقة المصدر لإدارة البنية التحتية الحيوية لا يعني بالضرورة أن هذه الأنظمة هشة تقنياً، بل يعني أن مسؤولية الأمن تنتقل بالكامل إلى طرف خارجي لا يمكن محاسبته وفق الأطر القانونية الوطنية.
وهذا ما رصده تقرير معهد بروكينجز عام 2022 المعنون “حوكمة الذكاء الاصطناعي في العالم النامي”، حين أشار إلى أن غياب الرقابة على الأنظمة الرقمية المستوردة لا يُهدد الأمن التقني وحده، بل يُهدد قدرة الدولة على تطبيق قوانينها وحماية بيانات مواطنيها، وهو ما يُعدّ في حد ذاته تآكلاً في السيادة.
ولا يخفى أن النقاشات الدائرة حول شركات مثل هواوي في الغرب، أو حول تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة، تعكس بجلاء أن هذا القلق ليس حكراً على دول الجنوب العالمي؛ بل إن الدول الأكثر تقدماً تقنياً هي ذاتها التي تعترف بهشاشة التبعية الرقمية حين يتعلق الأمر بأطراف منافسة.
● خارطة طريق عملية نحو سيادة رقمية مدروسة
إن الاستجابة لهذه الإشكاليات لا تقتضي الانسحاب من المنظومة الرقمية العالمية، ولا المطالبة بإغلاق الحدود التقنية. بل تقتضي إستراتيجية مدروسة ومتدرجة، تنطلق من تشخيص دقيق لنقاط التبعية الفعلية في كل سياق وطني.
-1 الاستثمار في البنية التحتية السحابية الإقليمية
يُتيح إنشاء مراكز بيانات إقليمية مشتركة بين دول متعددة الفصلَ بين طبقة البنية التحتية وطبقة الخدمات؛ بحيث تُدار الأولى محلياً، ويبقى التنافس مفتوحاً على مستوى الثانية. وقد بدأت تجارب أوروبية في هذا الاتجاه ضمن مبادرة GAIA-X، وإن واجهت تعقيدات في التنفيذ.
-2 دعم البرمجيات مفتوحة المصدر والذكاء الاصطناعي المحلي
البرمجيات مفتوحة المصدر لا تعني بالضرورة أنها أكثر أماناً أو أداءً، لكنها تعني إمكانية الفحص والتدقيق والتعديل. وهذه الإمكانية هي بحد ذاتها قيمة سياسية وتنظيمية مهمة. وفي سياق الذكاء الاصطناعي، بات تدريب نماذج لغوية بلغات غير إنجليزية على بيانات محلية مُنظَّمة خياراً تقنياً متاحاً، وإن كان يستلزم استثماراً مؤسسياً جاداً.
-3 بناء كفاءات تنظيمية وقانونية متخصصة
ربما كان أهم ما أنجزه الاتحاد الأوروبي في هذا الملف ليس قانون حماية البيانات GDPR وحده، بل المنظومة الكاملة من المختصين القانونيين والتقنيين القادرين على تفسيره وتطبيقه. السيادة الرقمية تحتاج إلى كوادر بشرية متخصصة قبل أن تحتاج إلى خوادم وبرمجيات.
-4 ميثاق أخلاقي للخوارزميات المستخدمة في الخدمات العامة
تتبنى عدد من الدول الأوروبية الآن مبدأ “قابلية التفسير” (Explainability)
كشرط أساسي لاستخدام الأنظمة الآلية في القرارات المؤثرة على المواطنين. هذا المبدأ في جوهره عودة إلى روح الخوارزمي الأصلية: لا ينبغي أن يصدر حكم بحق إنسان دون أن يكون بمقدوره فهم أساس هذا الحكم والطعن فيه.
● الخوارزمية مرآة للخيارات التي نتخذها
الخوارزمية في نهاية المطاف ليست كياناً مستقلاً يعمل خارج السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي أنتجه.
بلهي تجسيد لقرارات بشرية: الذي يُدرَّب عليه النموذج؟ من يمتلك البيانات؟ من يُراجع المخرجات؟ من يتحمل المسؤولية حين تحدث أخطاء؟
إن الفجوة بين الخوارزمية كما تصورها الخوارزمي - أداة شفافة لخدمة العدل - وبين الأنظمة الخوارزمية كما هي راهناً في معظمها، ليست حتمية تقنية. إنها نتاج خيارات محددة، وهذا يعني أنها قابلة للتغيير عبر خيارات أخرى: في السياسات التنظيمية، في الاستثمارات البحثية، في المناهج التعليمية، وفي مستوى الوعي العام بما هو على المحك.
السؤال المطروح أمام صانعي السياسات والمهندسين والباحثين في منطقتنا ليس: “هل نستطيع بناء بديل؟” - الجواب التقني متاح إلى حد بعيد. السؤال الأجدى هو: “هل لدينا الإرادة المؤسسية والقانونية والاقتصادية لترجمة هذا الأفق إلى واقع تشغيلي؟” وهذا سؤال سياسي قبل أن يكون تقنياً.
* مخترع الواى فاي السريع وخبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني