أشعل بنك إنتيسا سان باولو موجة جديدة من المنافسة داخل القطاع المصرفي الإيطالي، بعدما تقدَّم بعرض استحواذ غير ودي بقيمة 30 مليار يورو (نحو 35 مليار دولار) للاستحواذ على بنك مونتي دي باشي دي سيينا، في خطوةٍ قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة البنوك في ثالث أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.
تأتي الصفقة في وقت يشهد القطاع المصرفي الإيطالي نشاطًا مكثفًا في عمليات الاندماج والاستحواذ، وسط سعي المؤسسات المالية الكبرى لتعزيز أحجامها وقدرتها التنافسية في بيئة مصرفية تتسم بارتفاع التكاليف وازدياد المتطلبات التنظيمية، وفقًا لرويترز.
أقدم بنك في العالم
يعد بنك مونتي دي باشي دي سيينا، الذي تعود جذوره إلى عام 1472، أقدم بنك لا يزال يعمل في العالم، وقد تحوّل، خلال الأشهر الأخيرة، إلى محور رئيسي لمعركة استحواذ بين كبار اللاعبين في السوق الإيطالية.
وجاء تحرك إنتيسا سان باولو سريعًا بعد دخول بنك بانكو بي بي إم في محادثات لبحث اندماج محتمل مع مونتي دي باشي، ما دفع أكبر بنك إيطالي إلى تقديم عرضه الاستحواذي بشكل مباشر.
وفي محاولةٍ لتجاوز العقبات التنظيمية المتعلقة بالمنافسة، أعلن إنتيسا سان باولو، بالتوازي مع الصفقة، عن اتفاق لبيع 635 فرعًا تابعًا لمونتي دي باشي، بالإضافة إلى العلامة التجارية للبنك إلى شركة يونيبول للتأمين.
ومن المقرر دمج هذه الفروع لاحقًا مع بنك بي بي إي آر، الذي تُعد يونيبول أحد أبرز مساهميه، لتشكيل كيان مصرفي جديد يعمل تحت اسم مونتي دي باشي.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف إلى طمأنة الجهات التنظيمية وتقليل المخاوف المرتبطة بزيادة تركّز السوق المصرفية الإيطالية.
يعتمد نجاح الصفقة، بدرجة كبيرة، على موقف كبار المساهمين في مونتي دي باشي، وفي مقدمتهم مجموعة "دلفين" الاستثمارية التي تمتلك 17.5% من الأسهم، ورجل الأعمال الإيطالي فرنشيسكو جايتانو كالتاجيروني الذي يملك نحو 10%.
وأكد كارلو ميسينا، الرئيس التنفيذي لإنتيسا سان باولو، أن البنك يتمتع بعلاقات جيدة مع المساهمين الرئيسيين، معربًا عن ثقته في إمكانية حصول الصفقة على دعمهم.
ورغم عدم إعلان أي من الطرفين موقفًا رسميًّا حتى الآن، فإن تقارير إعلامية إيطالية أشارت إلى وجود ميول إيجابية تجاه عرض إنتيسا، مقارنة بالخيارات الأخرى المطروحة.
تمثل الحكومة الإيطالية عاملًا مهمًّا في أي عملية دمج مصرفية كبرى، خاصة في ظل امتلاكها ما يُعرف بـ"السلطات الذهبية" التي تمنحها حق التدخل في الصفقات الإستراتيجية.
لكن مصادر مطّلعة أشارت إلى أن حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني تتجه إلى تبنّي موقف محايد تجاه الصفقة، ومن غير المرجَّح أن تستخدم صلاحياتها لتعطيل عملية الاستحواذ.
ويُعد هذا الموقف مختلفًا عن حالات سابقة شهدت اعتراضات حكومية على صفقات مصرفية كبرى داخل البلاد.
موجة اندماجات تعيد تشكيل القطاع
تعكس الصفقة استمرار موجة إعادة الهيكلة التي يشهدها القطاع المصرفي الإيطالي، حيث تسعى البنوك إلى تعزيز أحجامها وتحقيق وفورات تشغيلية أكبر في مواجهة المنافسة الأوروبية المتزايدة.
ويرى محللون أن نجاح الصفقة قد يفتح الباب أمام مزيد من عمليات الاندماج والاستحواذ، خلال الفترة المقبلة، بما يؤدي إلى ظهور كيانات مصرفية أكبر وأكثر قدرة على المنافسة إقليميًّا ودوليًّا.
وفي حال إتمام الصفقة، ستشكل واحدة من أكبر العمليات المصرفية في أوروبا خلال العام الحالي، كما ستعزز مكانة إنتيسا سان باولو باعتباره القوة المصرفية الكبرى في إيطاليا، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على الاسم التاريخي لبنك مونتي دي باشي دي سيينا، الذي يمتد تاريخه لأكثر من خمسة قرون.