بينما كانت كبرى شركات التكنولوجيا العالمية تتسابق للإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات في تايوان خلال معرض "كومبيوتكس 2026"، كانت التوترات العسكرية بين الصين وتايوان تتصاعد في الخلفية، لتسلط الضوء مجددًا على المخاطر الجيوسياسية التي تهدد واحدة من أهم حلقات سلسلة الإمداد العالمية لصناعة الرقائق الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وشهد المعرض، الذي يعد أحد أكبر الفعاليات التقنية في العالم، حضور قادة شركات عالمية كبرى مثل إنفيديا وإنتل ومجموعة إس كيه الكورية الجنوبية، الذين أكدوا أهمية تايوان كمركز عالمي لتصنيع الرقائق والبنية التحتية اللازمة لثورة الذكاء الاصطناعي، وفقا لرويترز.
استثمارات ضخمة رغم المخاطر
تحتضن تايوان شركة "تي إس إم سي"، أكبر شركة لتصنيع الرقائق التعاقدية في العالم، والمورد الرئيسي للعديد من شركات التكنولوجيا العالمية، إلى جانب شركة "فوكسكون"، إحدى أكبر شركات تصنيع الإلكترونيات وخوادم الذكاء الاصطناعي.
وخلال المعرض، أعلن جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، أن شركته تخطط لإنفاق نحو 150 مليار دولار سنويًا في تايوان، مقارنة بما بين 10 و15 مليار دولار فقط قبل خمس سنوات.
كما كشفت ليزا سو، الرئيسة التنفيذية لشركة "إيه إم دي"، عن استثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي التايواني، ما يعكس الثقة المستمرة في قدرات الجزيرة الصناعية والتكنولوجية.
تصعيد عسكري متزامن
في المقابل، شهدت فترة انعقاد المعرض تصعيدًا ملحوظًا في الأنشطة العسكرية الصينية حول الجزيرة.
ووفق بيانات وزارة الدفاع التايوانية، نفذت الصين 79 طلعة جوية عسكرية بالقرب من تايوان خلال الفترة من 2 إلى 5 يونيو، بالتزامن مع فعاليات المعرض، كما أجرت دوريات قتالية مشتركة حول الجزيرة.
وتعتبر بكين تايوان جزءًا من أراضيها، ولم تستبعد استخدام القوة لتحقيق ما تصفه بإعادة التوحيد، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى المستثمرين والشركات العالمية المعتمدة على الصناعة التايوانية.
تهديد لسلاسل الإمداد العالمية
يحذر خبراء من أن أي أزمة عسكرية في مضيق تايوان قد تتسبب في اضطرابات واسعة لسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاع أشباه الموصلات الذي يمثل العمود الفقري لصناعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والهواتف الذكية والسيارات الحديثة.
ويرى محللون أن الأسواق العالمية ربما لا تزال تقلل من حجم المخاطر المحتملة، رغم الاعتماد المتزايد للاقتصاد الرقمي العالمي على القدرات التصنيعية التايوانية.
وأكد جينسن هوانغ أن تنويع سلاسل الإمداد يظل ضروريًا لتعزيز المرونة الصناعية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تايوان لا تزال المركز الأهم عالميًا لتصنيع التكنولوجيا المتقدمة.
من جانبه، أكد لاي تشينغ تي، رئيس تايوان، أن حكومته ملتزمة بالحفاظ على الاستقرار في مضيق تايوان وحماية سلاسل الإمداد العالمية للتكنولوجيا.
وأشار إلى أن الحفاظ على الوضع القائم في المضيق يمثل التزامًا مسؤولًا تجاه الاقتصاد العالمي وصناعة التكنولوجيا الدولية، في ظل الدور المحوري الذي تلعبه الجزيرة في إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة.
تعكس التطورات الأخيرة مفارقة واضحة في قطاع التكنولوجيا العالمي؛ فبينما تتدفق الاستثمارات الضخمة إلى تايوان باعتبارها القلب النابض لصناعة الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، تتزايد في الوقت نفسه المخاطر الجيوسياسية المحيطة بها.
ومع استمرار السباق العالمي نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو تايوان أكثر أهمية من أي وقت مضى للاقتصاد العالمي، لكن هذه الأهمية نفسها تجعلها إحدى أكثر النقاط حساسية في المشهد الجيوسياسي الدولي، وهو ما يبقي المستثمرين والشركات العالمية في حالة ترقب دائم لأي تطورات قد تؤثر على مستقبل الصناعة التكنولوجية العالمية.