خواطر مواطن مهموم 436.. عن أزمة القيادات السياسية العالمية 5

لن أعود حاليًّا إلى التوتر بين جماعة الأمن القومي والسياسة الخارجية وجماعات النظم السياسية

توفيق اكليمندوس

يقتضي تناول علاقة السلطة السياسية بالمعرفة في الدول الكبرى، أو بمعنى أدق علاقة المسئول السياسي بنُخب المثقفين والخبراء والأكاديميين وكوادر الدولة، فيما يقتضي، التمييز بين المسئول السياسي الذي يستعين بهم ويميل إلى الثقة فيهم، وبين المسئول الذي يتجاهلهم ولا يرى داعيًا للتشاور معهم أو الاعتماد عليهم، وإن قابلهم احتكر الكلام دون الاستماع إليهم. وفي دولتين غربيتين على الأقل نجد مسئولًا رفيع المستوى يشك في أصحاب التخصص والمعرفة شكًّا عميقًا.

ويجب التمييز والفرز بين دوافع القائد الذي لا يحب أهل العلم والمعرفة، وعلينا ألا نستسهل اللجوء إلى التفسير بغباء القائد أو بحقده على "أوائل الدفعة"، فهذا التفسير غير صحيح فيما يتعلق بأحد القادة الذين يخطرون على بالي، وتبسيطي للغاية فيما يخص الآخر.

فهناك، في رأيي المتواضع، أزمة كبيرة في منظومة المعرفة والخبرة السياسية في الغرب، سأحاول بيان أسبابها ومظاهرها، وأعترف بأن الموضوع أكبر بكثير من أن يتناوله العبد لله بمفرده، ولكن لا بأس من المحاولة إن نجحت في فتح حوار. وطبعًا لا تعني هذه الأزمة أن الاستغناء عن أهل المعرفة والخبرة قرار حكيم يستحق الثناء، بل تعني أننا نستطيع أن نلتمس بعض الأعذار لمن يتصور أن تجاهل أهل المعرفة والخبرة السياسية قرار عاقل ورشيد.

كيف يختار القائد أو مستشاره للأمن القومي الخبراء والعلماء الذين يتشاوران معهم إن قررا التشاور، في تصوري هناك ثلاث "سكك"، قد يلجآن إلى الخبراء المنضمين لحزبهما، سواء أسهموا في صياغة البرامج والخطط أم لا، وقد يقرران الاتصال مع خبير يظهر في الإعلام و/أو له كتب وأثار إعجابهما، وقد يعتمدان على أكاديمي كبير يثقان في صواب تقييمه للناس وله دفتر تليفونات ثري يتيح له التشاور مع الثقات. لا أستبعد وجود سكة رابعة أو خامسة، لكن مشاهداتي وحواراتي مع المسئولين تقودني إلى ترجيح كفة السكك الثلاث المذكورة. 

لن أعود حاليًّا إلى التوتر بين جماعة الأمن القومي والسياسة الخارجية وجماعات النظم السياسية وجماعات الناشطين الحقوقية. أودّ هنا أن أشير إلى تبنّي أغلبية الجامعيين والأكاديميين والنشطاء توجهات يسارية، أما في مراكز الفكر والعصف الفكري فنجد توازنًا أو قدرًا منه بين أهالي اليمين والوسط واليسار.

وهنا علينا أن نتكلم عن الخلفية الفكرية والسياسية لأهل المعرفة والخبرة، أهل ما بعد 1968. في سنة 1968 وقعت أحداث جلل شكلت الوعي الجمعي لأجيال غربية بالكامل، الثورات الطلابية من ناحية، وربيع براغ من ناحية أخرى.

ويمكن القول إن الجيل الذي شارك في هذه الأحداث وصل إلى سُدة الحكم وإلى مواقع قيادية في عدد من مؤسسات الدول والجامعات والإعلام والمجتمعات المدنية، في التسعينيات من القرن الماضي، وأننا نعيش، الآن، مرحلة تمكين أو إقصاء ذريتهم.

بيد أن منظومة القيم التي مكنتها الثورات الطلابية في الدول الغربية مختلفة تمامًا عن تلك التي عبرت عن نفسها في ربيع براغ وتطورت بعد ذلك، وأود أن أشدد على ثلاث نقاط... من ناحية، للمنظومتين أبناء ومريدون ومؤمنون بها في الدول الغربية وفي أوروبا الشرقية، أي تأثير كليهما عابر للنطاق الجغرافي الذي نشأتا فيه، ومن ناحية ثانية بصفة عامة كانت الغلبة لمنظومة قيم الثورات الطلابية، مع استثناءات مهمة، ومن ناحية ثالثة لا أقول إن المنتمي لمنظومة فكرية يتبنى كل مقولاتها في كل الملفات. ويمكن القول بصفة أولية على الأقل إن صعود اليمين المتطرف في الغرب هو إلى حد ما تعبير عن رفض ما أسميه المنظومة القيمية للثورات الطلابية.

سيأتي تفصيل هذا في مقالات لاحقة، هنا أقول... الثورات الطلابية عبرت عن رفض جذري عميق لمفهوم "القيود" وللعلاقات السلطوية وللماضي الغربي الموصوف بالبغيض، وللقيم الدينية باعتبارها ذريعة لتسلط رجال الدين، أما ربيع براغ فكانت رسالته مختلفة تمامًا.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية