تشهد الاقتصادات العالمية موجة جديدة من التأميم وإعادة بسط سيطرة الحكومات على قطاعات استراتيجية، مدفوعة بتزايد المخاطر الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الطاقة، والضغوط المرتبطة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر، وفقًا لما أكده المؤرخ الاقتصادي نيكولاس مولدر، أستاذ التاريخ في جامعة كورنيل.
وقال مولدر في بودكاست صندوق النقد الدولي إن العالم يشهد خلال السنوات الأخيرة عودة واضحة لسياسات التأميم بعد عقود من هيمنة الخصخصة، مشيرًا إلى أن الحكومات أصبحت أكثر ميلًا إلى السيطرة المباشرة على الموارد والقطاعات الحيوية لضمان الأمن الاقتصادي والاستراتيجي.
وأوضح أن قطاع الطاقة يأتي في مقدمة القطاعات التي تشهد هذا التحول، لافتًا إلى تأميم ألمانيا شركة Uniper للمرافق العامة عام 2022، في حين استحوذت فرنسا بالكامل على شركة الكهرباء الوطنية، وتدرس بلجيكا تأميم محطاتها النووية.
وأضاف أن التحول إلى الطاقة النظيفة أسهم أيضًا في تعزيز دور الدول في إدارة الموارد الطبيعية، خاصة المعادن الاستراتيجية اللازمة لصناعة البطاريات، إذ اتجهت المكسيك وتشيلي إلى فرض سيطرة حكومية أكبر على احتياطيات الليثيوم.
وأشار مولدر إلى أن تنامي الاعتماد على الواردات في مجالات الطاقة والمواد الخام دفع العديد من الحكومات إلى إعادة النظر في سياسات السوق الحرة، خاصة بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، والتي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وأبرزت أهمية امتلاك الدول لقدر أكبر من السيطرة على القطاعات الحيوية.
ورغم الانتقادات التقليدية الموجهة للشركات المملوكة للدولة بسبب مخاطر انخفاض الكفاءة والبيروقراطية، أكد مولدر أن نجاح أو فشل التأميم يعتمد بالأساس على قوة المؤسسات والرقابة الحكومية، مستشهدًا بتجربة النرويج التي نجحت في توظيف عائدات قطاع النفط المملوك للدولة لدعم التنمية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، حذر من إمكانية فرض التأميم لأعباء مالية كبيرة على الحكومات، مستذكرًا تجارب العديد من الدول النامية خلال سبعينيات القرن الماضي، حين أدى تمويل عمليات التأميم عبر الاقتراض إلى تفاقم أزمات الديون خلال الثمانينيات.
وتوقع مولدر أن تستمر موجة التأميم الحالية في قطاعات الطاقة والغذاء والبنية التحتية الاستراتيجية، مع تشديد الحكومات الرقابة على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات المرتبطة بالأمن القومي، في حين ستظل مجالات أخرى مثل التكنولوجيا والصناعات الاستهلاكية مفتوحة بدرجة أكبر أمام الاستثمارات الدولية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.