أكد خبراء اقتصاديون في بودكاست صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الجيوسياسي أصبح أحد أبرز محددات السياسات الدولية، مع تزايد استخدام الأدوات المالية والتجارية لخدمة الأهداف الإستراتيجية والأمنية للدول، في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والحرب الروسية الأوكرانية.
وقال جوش ليبسكي، مدير مركز الاقتصاد الجيوسياسي بالمجلس الأطلسي، إن قرار دول مجموعة السبع في عام 2022 بتجميد نحو 300 مليار دولار من الأصول السيادية الروسية المحتفظ بها في الخارج مثل نقطة تحول في النظام المالي العالمي، إذ أظهر أن الاعتبارات الأمنية أصبحت قادرة على تجاوز قواعد مالية كانت تعد ثابتة لعقود.
وأوضح أن هذه الخطوة دفعت الحكومات والبنوك المركزية وصناع القرار حول العالم إلى تقييم العلاقة بين التمويل والأمن القومي، مشيرًا إلى تعاظم دور المؤسسات المالية يؤدي دورًا أكبر في مناقشات الأمن القومي مقارنة بما كان عليه الحال في السابق.
من جانبه، أشار ماتيو ماجيوري، أستاذ التمويل بجامعة ستانفورد، إلى أن فكرة استخدام العلاقات الاقتصادية باعتبارها أداة نفوذ ليست جديدة، مستشهدًا بدراسة الاقتصادي ألبرت هيرشمان عام 1944، التي أوضحت أن التبادل التجاري قد يخلق تبعات اقتصادية تمنح بعض الدول قدرة أكبر على التأثير في شركائها.
وأضاف أن النفوذ الاقتصادي يتركز فيما بعد على القطاعات التي تهيمن فيها دولة أو مجموعة دول على مدخلات أو خدمات يصعب الاستغناء عنها، مثل الخدمات المالية العالمية أو أشباه الموصلات أو المعادن النادرة.
وأكد الخبيران أن اقتصادات دول مثل الصين والهند والبرازيل اعتادت منذ عقود دمج الاعتبارات الاقتصادية والسياسية في عملية صنع القرار، في حين بدأت الولايات المتحدة وأوروبا في السنوات الأخيرة إعادة تبني هذا النهج بعد جائحة كو-19 والحرب في أوكرانيا وتصاعد النزعات الحمائية.
وأشار ليبسكي إلى أن السياسة الصناعية عادت بقوة إلى الولايات المتحدة، مع توجه الحكومة لدعم قطاعات إستراتيجية مثل أشباه الموصلات والطاقة النظيفة، في إطار رؤية تربط بين الأمن القومي والتنمية الاقتصادية، مؤكدًا أن مرحلة الأسواق الحرة غير المقيدة تشهد تحولًا تدريجيًا نحو دور أكبر للحكومات في توجيه الاستثمارات.
وفي سياق متصل، أوضح ماجيوري أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة الكبيرة أصبحت أداة مهمة لفهم التأثيرات الفعلية للقرارات الاقتصادية الجيوسياسية، من خلال تحليل تصريحات الشركات العالمية ورصد كيفية استجابتها للعقوبات والقيود التجارية والرسوم الجمركية بشكل شبه فوري.
وشدد الخبيران على أهمية التعاون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف في الحد من مخاطر تجزئة الاقتصاد العالمي، مؤكدين أن الحفاظ على التوازن بين الأمن القومي والانفتاح الاقتصادي سيكون أحد أبرز التحديات التي تواجه صناع السياسات خلال السنوات المقبلة.