أكد صندوق النقد الدولي في مقال حديث أن السياسات الصناعية عادت إلى صدارة أدوات الحكومات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالأزمات المتلاحقة بدءًا من جائحة كوفيد-19 وصولًا إلى الحرب في الشرق الأوسط، إلا أن تحقيق أهدافها الاقتصادية لا يزال صعبًا.
وأوضح المقال أن الحرب في الشرق الأوسط دفعت الحكومات إلى توسيع تدخلاتها الاقتصادية، إذ جرى الإعلان عن نحو 305 إجراءات للسياسة الصناعية خلال أول شهرين من الصراع، شملت حظر صادرات الطاقة والأسمدة، وتقديم دعم للمنتجات المرتبطة بالطاقة النظيفة، إلى جانب برامج مساندة للمصدرين، فضلًا عن إجراءات عامة مثل وضع سقف محدد لأسعار الوقود وخفض بعض الضرائب.
وأشار المقال إلى أن استخدام السياسات الصناعية شهد تسارعًا ملحوظًا منذ جائحة كوفيد-19، وقد أظهرت بيانات رسمية أن عدد التدخلات الحكومية المسجلة في العام الماضي بلغ نحو 2.5 ضعف متوسط مستويات ما قبل الجائحة.
وأفاد بأن دوافع الحكومات لتبني السياسات الصناعية تغيرت خلال السنوات الأخيرة.، فبعد أن كانت الأهداف الرئيسية تتركز على تعزيز التنافسية ومواجهة تغير المناخ عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، أصبحت الأولوية منذ عام 2020 لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على المنافسين الجيوسياسيين، وحماية القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي.
ورغم هذا التوسع، فإن تأثير السياسات الصناعية على القدرة التنافسية للقطاعات المستهدفة غالبًا ما يكون مؤقتًا ومحدودًا، ويتركز في الصناعات التي تتمتع بمزايا تنافسية قوية، كما أن الدعم الحكومي للشركات يسهم في زيادة الاستثمارات الرأسمالية، لكنه لا يحقق مكاسب مستدامة في الإنتاجية.
في المقابل، رصد المقال بعض النتائج الإيجابية، خاصة في السياسات المرتبطة بالتحول الأخضر وتعزيز مرونة سلاسل القيمة، مؤكدًا أن الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية الشاملة تظل أكثر فاعلية من السياسات الصناعية في كثير من الحالات، إذ يمكن أن ترفع إنتاجية القطاعات الأقل كفاءة بنسبة تصل إلى 10% على المدى المتوسط، ما يعادل خمسة أضعاف المكاسب التي تحققها السياسات الصناعية في الفترة نفسها.
وحذر من الآثار الجانبية المحتملة للتوسع في الدعم الحكومي، موضحًا أن السياسات الصناعية قد تؤدي إلى إعادة توزيع الموارد بعيدًا عن الشركات الأكثر إنتاجية، كما يمكن أن تشجع الدول الأخرى على اتخاذ إجراءات مماثلة، ما يفتح الباب أمام سباق عالمي مكلف من الدعم والإعانات الحكومية.
وخلص المقال إلى أن نجاح السياسات الصناعية يعتمد على دقة تصميمها وكفاءة المؤسسات المسؤولة عن تنفيذها، إلى جانب قوة السياسات الاقتصادية الكلية والتعاون الدولي، مؤكدًا أن قدرة هذه السياسات على تحقيق مكاسب اقتصادية مستدامة لا تزال محل اختبار.