تستعد غيانا، الدولة الصغيرة الواقعة على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية والتي لا يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة، لجني مكاسب نفطية غير مسبوقة مع ارتفاع أسعار الخام العالمية نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديًا متزايدًا يتمثل في تحويل الثروة النفطية إلى تنمية اقتصادية مستدامة.
وتُعد غيانا بالفعل أسرع اقتصاد نموًا في العالم خلال السنوات الأخيرة، لكن الارتفاع الحاد في أسعار النفط يمنحها دفعة مالية إضافية قد ترفع عائداتها النفطية خلال عام 2026 إلى مستويات قياسية.
الإيرادات النفطية
ارتفعت أسعار النفط العالمية بنحو 30% منذ اندلاع الحرب في إيران أواخر فبراير، وهو ما انعكس مباشرة على قيمة صادرات غيانا النفطية.
ووفق تقديرات رويترز، فإن استمرار أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل حتى نهاية العام قد يرفع حصة غيانا من الإيرادات النفطية إلى نحو 4.3 مليار دولار، بزيادة تصل إلى 67% مقارنة بعام 2025.
كما تستعد البلاد للحصول على حصة أكبر من أرباح الإنتاج النفطي في وقت أقرب من المتوقع، بعدما اقترب تحالف الشركات بقيادة Exxon Mobil من استرداد تكاليف الاستكشاف والتطوير.
وبمجرد استكمال استرداد تلك التكاليف، سترتفع حصة غيانا من "نفط الأرباح" من 12.5% إلى 50%، ما يوفر تدفقات مالية إضافية ضخمة للخزانة العامة.
من دولة فقيرة إلى قوة نفطية
قبل اكتشاف النفط، كانت غيانا من أفقر دول أمريكا الجنوبية، إلا أن التطورات السريعة في الحقول البحرية غيرت المشهد الاقتصادي بالكامل.
فخلال سبع سنوات فقط، ارتفع إنتاج النفط إلى أكثر من 900 ألف برميل يوميًا، وهو معدل نمو نادر في صناعة الطاقة العالمية.
كما قفز الناتج المحلي الإجمالي للبلاد أكثر من أربعة أضعاف، ليصل إلى 27.5 مليار دولار بين عامي 2019 و2024، مدفوعًا بالاستثمارات الضخمة في قطاع النفط والغاز.
وتشهد العاصمة جورج تاون طفرة عمرانية واضحة، تشمل أبراجًا مكتبية حديثة وفنادق فاخرة ومشروعات إسكانية جديدة، في انعكاس مباشر للعوائد النفطية المتزايدة.
ورغم الأرقام القياسية، تدرك الحكومة أن الاعتماد المفرط على النفط يحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل تقلبات الأسعار العالمية.
وقال الرئيس Irfaan Ali إن بلاده لا تريد تكرار تجارب دول نفطية انتهت إلى أزمات اقتصادية واجتماعية رغم ثرواتها الطبيعية.
وفي هذا الإطار، أنشأت غيانا صندوقًا سياديًا عام 2019 تُودع فيه جميع الإيرادات النفطية بهدف إدارة الثروة بشكل مستدام وتمويل مشروعات التنمية وفق وتيرة مدروسة.
لكن الرئيس حذر من أن ارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة تحسنًا مباشرًا في مستويات المعيشة، لأن البلاد تعتمد على الاستيراد في معظم احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك الوقود والأسمدة والمواد الغذائية، ما يجعل ارتفاع الأسعار العالمية يرفع تكلفة المعيشة أيضًا.
تشير البيانات الحكومية إلى أن قطاع النفط والغاز والخدمات المرتبطة به استحوذ على أكثر من 75% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي.
ويثير هذا الواقع مخاوف من أن تتركز مكاسب النمو في قطاع واحد فقط، بينما تتأخر القطاعات الأخرى في الاستفادة من الطفرة الاقتصادية.
ولا تزال بعض مشكلات البنية التحتية قائمة رغم العوائد النفطية الضخمة، إذ تعاني أجزاء من العاصمة من انقطاعات الكهرباء وضعف الخدمات الأساسية.
استفادت غيانا من التغيرات الجيوسياسية الأخيرة بفضل موقعها الجغرافي المتميز على المحيط الأطلسي بعيدًا عن الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز.
كما تتمتع حقولها النفطية بتكلفة إنتاج منخفضة تتراوح بين 25 و35 دولارًا للبرميل، ما يجعلها من أكثر مصادر النفط تنافسية عالميًا.
وسجل خام "ليزا"، وهو الخام المرجعي لغيانا، ارتفاعًا من نحو 69 دولارًا للبرميل قبل اندلاع الحرب إلى ما يقارب 120 دولارًا خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدًا من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية.
في محاولة لضمان استفادة الاقتصاد المحلي من الطفرة النفطية، تعمل الحكومة على توسيع قانون المحتوى المحلي الذي يلزم شركات النفط بالتعامل مع الموردين والشركات المملوكة لمواطنين من غيانا في عدد من القطاعات.
وتفرض القواعد الحالية نسبًا محددة من التعاقدات المحلية في مجالات مثل الخدمات الطبية والنقل والضيافة والتموين، فيما تدرس الحكومة رفع هذه النسب وإضافة قطاعات جديدة.
وقد ساهمت الطفرة النفطية بالفعل في نمو شركات محلية عديدة، خاصة في قطاعات النقل والخدمات الطبية والخدمات اللوجستية.
لكن بعض أصحاب الأعمال يشكون من استمرار استفادة الشركات الأجنبية بالنصيب الأكبر من العقود والمشروعات الكبرى، إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف التشغيل.
تواجه غيانا اليوم فرصة تاريخية للتحول إلى واحدة من أغنى دول المنطقة بفضل احتياطياتها المقدرة بنحو 11 مليار برميل من النفط، إلا أن نجاح هذه التجربة سيعتمد على قدرة الحكومة على استثمار العوائد النفطية في تنويع الاقتصاد وتحسين البنية التحتية وخلق فرص عمل مستدامة.
فبينما توفر الحرب في الشرق الأوسط وأسعار النفط المرتفعة مكاسب مالية استثنائية على المدى القصير، يبقى التحدي الحقيقي أمام غيانا هو تحويل هذه الطفرة النفطية إلى نموذج تنموي طويل الأجل يتجنب أخطاء العديد من الاقتصادات الريعية حول العالم.