الصين بين ترامب وبوتين.. زيارتان متشابهتان في الشكل ومختلفتان في الرسائل

هذا التباين رغم بساطته الشكلية يعكس اختلافًا في طبيعة كل زيارة

الصين بين ترامب وبوتين

في مشهد يعكس تصاعد الحضور الصيني في معادلة النظام الدولي، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال أقل من أسبوعين، كلًّا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في زيارتين رسميتين إلى بكين حملتا طابعًا بروتوكوليًّا متشابهًا، لكنهما اختلفتا بوضوح في حجم الوفود، ونتائج المباحثات، ومستوى التنسيق السياسي والاقتصادي، وفقًا لـ"رويترز".

عند الوصول إلى بكين، استُقبل فلاديمير بوتين من قِبل وزير الخارجية الصيني وانغ يي، وهو ما يتماشى مع البروتوكول الدبلوماسي المعتاد. 

في المقابل، استُقبل دونالد ترامب من قِبل نائب الرئيس الصيني هان تشنغ، وهو ما يعكس رفع مستوى التمثيل الرسمي في حالته باعتباره رئيس دولة في زيارة دولة كاملة.

هذا التباين، رغم بساطته الشكلية، يعكس اختلافًا في طبيعة كل زيارة من حيث الأولويات السياسية ومستوى الزخم الدبلوماسي المصاحب لها.

المصافحات داخل القاعة الكبرى

داخل قاعة الشعب الكبرى في بكين، ظهرت الفروق في التفاصيل الرمزية، فقد استمرت المصافحة بين شي وبوتين نحو 8 ثوانٍ، بينما تجاوزت المصافحة بين شي وترامب 10 ثوانٍ، مع إيماءات ودّية شملت لمسة على الذراع من ترامب، في إشارة إلى رغبة بإظهار دفء سياسي رغم التوترات التجارية.

كما شهدت الزيارتان مراسم شرف عسكرية متشابهة، شملت حرس الشرف وإطلاق التحية العسكرية، في محاولة لإبراز التكافؤ البروتوكولي في الاستقبال.

على مستوى المُخرجات السياسية، انتهت زيارة ترامب دون إصدار بيان مشترك بين الجانبين، حيث اكتفى الطرفان بإعلانات منفصلة تضمنت تفاهمات محدودة؛ أبرزها اتفاقات على صفقات طائرات بوينغ، وتخفيف قيود على الصادرات الزراعية الأمريكية، إضافة إلى إشارات أولية بشأن خفض بعض الرسوم الجمركية مستقبلًا.

في المقابل، أسفرت محادثات شي جين بينغ مع فلاديمير بوتين عن بيان مشترك ضخم تجاوز 9935 كلمة، تناول قضايا إستراتيجية مثل الأمن النووي، وتايوان، والتعاون الطاقي، إلى جانب إشارات رمزية غير معتادة شملت حتى الحياة البرية مثل نمور آمور ودببة الباندا.

كما تم توقيع أكثر من 20 وثيقة تعاون شملت مجالات الطاقة، والاقتصاد، والمعايير الصحية، والإعلام، والتكنولوجيا النووية.

اقتصاد أمريكي

الوفد الأمريكي ضم عددًا محدودًا من كبار المسئولين، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير الحرب بيت هيغسيث، إلى جانب حضور لافت لـ18 من كبار رجال الأعمال في قطاعات التكنولوجيا والتمويل والطيران، من بينهم إيلون ماسك وتيم كوك، ما يعكس تركيزًا على البعد الاقتصادي الخاص.

أما الوفد الروسي فكان أكثر ثقلًا على مستوى الدولة، حيث حضر 5، من أصل 10 نواب لرئيس الوزراء، بالإضافة إلى 8 وزراء، مع تركيز واضح على قطاعات الطاقة والغاز والبنوك، بما يعكس طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين موسكو وبكين.

 سرديتان مختلفتان للنفوذ الناعم

في الجانب الرمزي، اصطحب شي جين بينغ فلاديمير بوتين إلى معرض صور مشترك نظّمته وكالتا تاس الروسية وشينخوا الصينية، حمل عنوان “الصداقة غير القابلة للكسر بين القوى الكبرى”؛ في رسالة سياسية تؤكد عمق التحالف.

كما صرح بوتين، خلال الزيارة، بعبارة لافتة قال فيها إن “يومًا واحدًا بعيدًا عن الصديق يعادل ثلاثة فصول خريف”؛ في إشارة رمزية إلى متانة العلاقة.

في المقابل، اصطحب شي الرئيس الأمريكي إلى معبد السماء في بكين؛ أحد أبرز المعالم التاريخية الصينية، في خطوة تحمل بعدًا ثقافيًّا يهدف إلى إبراز العمق الحضاري للصين أمام الشريك الأمريكي.

ورغم التشابه في بعض الأطباق المقدَّمة خلال المآدب الرسمية، مثل البط البكيني، فإن الاختلاف ظهر في مستوى التغطية الإعلامية، حيث تم بث مأدبة ترامب تليفزيونيًّا على نطاق واسع، بينما لم تحظ مأدبة بوتين بالمستوى نفسه من التغطية.

وشملت القوائم أطباقًا متنوعة من المأكولات الصينية والآسيوية، إلى جانب حلويات وأطباق بحرية، في إطار دبلوماسية ضيافة مدروسة بعناية.

بين الشاي والحدائق الرئاسية

عُقدت جلسة خاصة بين شي وبوتين تخللتها جلسة شاي تقليدية، في لقاء اتسم بالبساطة والرمزية السياسية، بينما اصطحب شي ترامب في زيارة نادرة إلى حدائق تشونغنانهاي المغلقة، حيث أبدى ترامب إعجابه بالأشجار التي يُقال إن عُمر بعضها يصل إلى 1000 عام.

تكشف الزيارتان عن نمط دبلوماسي صيني يقوم على إدارة علاقات متعددة المستويات مع القوى الكبرى. فالعلاقة مع روسيا تبدو أقرب إلى شراكة إستراتيجية مؤسسية مدعومة بوثائق واتفاقات واسعة، بينما تتسم العلاقة مع الولايات المتحدة بطابع أكثر تعقيدًا يوازن بين الاقتصاد والتنافس السياسي.

وبين البروتوكول والرمزية، تُواصل بكين توظيف كل زيارة لصياغة رسائلها الخاصة إلى النظام الدولي، دون انحياز معلَن لأي محور على حساب الآخر.