أثار ما تم تداوله مؤخرا على منصات التواصل الاجتماعي بشأن تضرر محصول البطيخ في منطقة البرلس بمركز بلطيم التابع لمحافظة كفر الشيخ، حالة من القلق في الأوساط الزراعية والتجارية، خاصة أن منطقة بلطيم تُعد أحد أهم معاقل إنتاج البطيخ عالي الجودة في السوق المحلية، وتعتمد عليها أسواق التجزئة وسلاسل التوريد الكبرى بشكل أساسي خلال هذا الموسم من العام.
وفي تحرك سريع لاحتواء الأزمة وتقديم قراءة فنية دقيقة للموقف الاقتصادي والزراعي على الأرض، أصدر علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، توجيهات عاجلة بدفع لجنة علمية وميدانية موسعة عاينت الحقول المتضررة ،وجاء بيان الوزارة ليضع النقاط على الحروف، قاصرا حجم الأزمة في مساحة محدودة للغاية، مشيراً بأصابع الاتهام إلى "الممارسات الزراعية الخاطئة".
لكن خلف الكواليس، يفتح هذا الملف تساؤلات أوسع حول اللمسات الفنية المطلوبة لحماية المحاصيل التصديرية والإستراتيجية، وكيف يتداخل الوعي الإرشادي مع التغيرات المناخية في تحديد مصير الاستثمارات الزراعية للمزارعين.
وفقاً للبيان الرسمي الصادر عن وزارة الزراعة، والذي نشرته "المال"، فإن الفحص الميداني الفعلي الذي أجرته لجنة ضمت نخبة من المتخصصين بالإدارة المركزية للمحاصيل، والإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي، والمعاهد البحثية المختصة، أسفر عن أن إجمالي المساحة المنزرعة بمحصول البطيخ في منطقة بلطيم تبلغ نحو 3500 فدان.
وأكدت المؤشرات الرسمية أن المحصول بالكامل يتمتع بحالة إنتاجية وصحية ممتازة، وتخضع للمتابعة الدورية، وأوضح التقرير العلمي أن المشكلة والشكوى المثارة تنحصر تماما في مساحة 7.5 فدان فقط لا غير، وهو ما يعادل نسبة ضئيلة جدا لا تؤثر إطلاقا على حجم المعروض الكلي في السوق أو استقرار أسعار البطيخ.
وأشارت اللجنة إلى أن النباتات في المساحة المتضررة تتمتع بنمو خضري قوي وكثيف، مما ينفي وجود أمراض وبائية مستعصية، ويرجع ضعف الإنتاجية إلى أخطاء في الإدارة الميدانية للمزرعة.
وأوضح خبراء بمركز البحوث الزراعية لـ "المال" أن التقرير العلمي ركز على الممارسات الخاطئة كسبب رئيسي للمشكلة، والتي تتمثل في ثلاثة محاور رئيسية، بالإضافة إلى عوامل أخرى فرضتها طبيعة التربة والطقس في منطقة البرلس:
أولاً: الري الكثيف (التغريق): يُعد البطيخ من المحاصيل الحساسة جدا لإدارة المياه، خاصة في المناطق الساحلية القريبة من البحيرات مثل البرلس وأن الري الزائد يؤدي إلى اختناق الجذور، ويمنعها من امتصاص العناصر الغذائية، مما ينعكس سلبا على عملية التزهير وعقد الثمار، فرغم قوة النمو الخضري، يفشل النبات في ترجمة هذه القوة إلى إنتاجية ثمرية.
ثانياً: الإفراط في التسميد النيتروجيني والذي يتمثل في اندفاع بعض المزارعين لزيادة حجم العرش (النمو الخضري) عبر الإفراط في إضافة الأسمدة النيتروجينية (مثل اليوريا) يأتي بنتائج عكسية؛ حيث يتجه النبات برمتّه نحو النمو الخضري على حساب النمو الثمري، مما يسبب تأخر العقد وضعف الإنتاج.
ثانياً: كثافة الرش الكيماوي العشوائي: اللجوء إلى خلط المبيدات والمنشطات دون استشارة فنية يؤدي إلى إجهاد حاد للنبات (Phytotoxicity)، مما يصيب الزهور بالضمور ويسقطها قبل العقد.
إلى جانب ما رصده بيان الوزارة، يرى مراقبون للقطاع الزراعي أن هناك أسبابا بيئية أخرى يجب أخذها في الحسبان عند تحليل أزمات مزارعي بلطيم؛ منها التغيرات المناخية الحادة التي شهدتها البلاد مؤخرا، من تذبذب واسع في درجات الحرارة بين الليل والنهار، وارتفاع الرطوبة الجوية ،هذه التقلبات تتطلب برامج ري وتسميد فائقة الدقة، وأي خطأ بسيط من المزارع يتضاعف أثره بفعل الطقس.
وكشفت المصادر أنه علاوة على ذلك، تتميز أراضي البرلس بطبيعتها الرملية القريبة من مصادر مياه قد ترتفع فيها نسبة الملوحة أحيانا، والتعامل مع هذه التربة يحتاج إلى تنظيم دقيق للمياه ومحسينات تربة خاصة، وليس تكثيفا للري والرش الذي يؤدي لتملح الجذور وموت الشعيرات الماصة.
واختتمت وزارة الزراعة بيانها بإصدار حزمة توصيات عاجلة للشاكي لتعديل مسار الإنتاجية، مع توجيه إدارات المتابعة والبساتين ببلطيم للاستمرار في تقديم الدعم الفني.
وأهابت الوزارة بجموع المزارعين ضرورة الالتزام التام بالإرشادات الفنية الصادرة عن القنوات الرسمية، والحرص على اعتماد التقاوي والشتلات من مصادر مرخصة وموثوقة لضمان جودة الأصول الوراثية للنبات ومقاومتها للإجهاد.
وتؤكد هذه الواقعة أهمية تفعيل دور الإرشاد الزراعي الرقمي والميداني للنزول إلى صغار المزارعين، لمنع تكرار مثل هذه الممارسات التي تكبدهم خسائر مالية، ولضمان استقرار سلاسل الإمداد الغذائي وحماية الأمن الغذائي للمستهلك المصري.