في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة وتقلبات سلاسل الإمداد العالمية، أضحى ملف تأمين المحاصيل الإستراتيجية قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
في هذا الصدد، وضع الدكتور سعيد خليل، أستاذ البيوتكنولوجي بمركز البحوث الزراعية والمستشار الفني الأسبق لوزير الزراعة، خريطة طريق واضحة المعالم تهدف إلى تقليص الفجوة الغذائية والوصول بمعدلات الاكتفاء الذاتي إلى مستويات آمنة بحلول عام 2030.
أكد الدكتور سعيد خليل أن الدولة المصرية تمتلك المقوّمات الفنية والعلمية لتحقيق طفرة بإنتاجية المحاصيل الأساسية، مشيرًا إلى أن التحرك يجب أن يتم عبر 3 مسارات متوازية تشمل التوسع الأفقي، وتطوير البنية التحتية للتخزين، وإعادة النظر في السياسات الزراعية بالأراضي الجديدة.
ويرى الدكتور خليل أن الوصول إلى نقطة التوازن في محصول القمح يتطلب زراعة مساحة لا تقل عن 3.7 مليون فدان، مع العمل على رفع كفاءة الفدان ليعطي إنتاجية تتراوح بين 15 و18 إردبًا، وهو ما يعادل نحو 2.4 طن للفدان الواحد.
وبحسب خليل، فإن إجمالي الإنتاج المستهدف يجب أن يتراوح بين 8.1 و8.2 مليون طن سنويًّا، على أن تنجح الدولة في توريد كميات تتراوح بين 3.8 و4 ملايين طن لصالح منظومة التموين.
ولضمان الحفاظ على هذا المخزون، شدد المستشار الفني الأسبق لوزير الزراعة على ضرورة استكمال المشروع القومي للصوامع؛ لرفع القدرة التخزينية إلى 8 ملايين طن، مما يقلل الفاقد ويضمن احتياطيًّا إستراتيجيًّا كافيًا لمواجهة الأزمات.
وفيما يخص التوسع في الأراضي الجديدة، طرح الدكتور سعيد خليل آلية قانونية وتنفيذية جديدة، تتمثل في اشتراط تخصيص 25% من مساحات الأراضي الصحراوية المستصلَحة لزراعة المحاصيل الإستراتيجية.
وأوضح أن معظم المستثمرين في المناطق الصحراوية يتجهون حاليًّا لزراعة محاصيل تصديرية بحثًا عن الربح السريع بالعملة الصعبة، بينما يتطلب الأمن الغذائي توجيه جزء من هذه الأراضي لزراعة القمح والذرة.
كما أشار إلى أهمية التوسع في استنباط أصناف جديدة من التقاوي تتواكب مع التغيرات المناخية وتتحمل ملوحة التربة والجفاف في المناطق الصحراوية، مؤكدًا أن البحث العلمي والبيوتكنولوجي هو القاطرة الحقيقية لتقريب المسافات نحو الاكتفاء الذاتي في 2030.
ووجّه الدكتور سعيد خليل نداءً عاجلاً لشركات القطاعين العام والخاص بضرورة التوسع في زراعة "الذرة الصفراء" على حساب الذرة البيضاء.
ووصف الذرة الصفراء بأنها "العمود الفقري" للإنتاج الحيواني في مصر، نظرًا لارتفاع نسبة البروتين بها وأهميتها القصوى في صناعة الأعلاف.
وكشف خليل أن مصر بحاجة لإنتاج نحو 10.7 مليون طن من الذرة الصفراء سنويًّا لتلبية احتياجات المزارع وتقليل فاتورة الاستيراد الضخمة.
وأوضح أن العام الماضي شهد استيراد كميات هائلة بلغت نحو 14 مليون طن من القمح، وهو رقم يُنذر بضرورة التحرك السريع لتقليل الاعتماد على الخارج.
واختتم الدكتور سعيد خليل رؤيته بتأكيد أن تطبيق هذه الآليات كفيل بخفض الفجوة الاستيرادية لتصل إلى 20% بحلول عام 2030، بدلًا من 40% المسجلة في العام الماضي.
وطالب خليل صناع القرار بضرورة تبنّي هذه المقترحات وتحويلها إلى قرارات تنفيذية مُلزمة، مشيرًا إلى أن مصر قادرة على تجاوز أزمة الغذاء العالمية إذا أحسنت استغلال مواردها المائية والأرضية والبحثية وفق رؤية اقتصادية شاملة.