كشفت وزارة الدفاع الأمريكية عن ارتفاع التكلفة المباشرة للحرب الجارية ضد إيران إلى نحو 29 مليار دولار حتى منتصف مايو الحالي، في مؤشر يعكس التسارع الكبير في الإنفاق العسكري الأمريكي بالشرق الأوسط، واتساع الضغوط الواقعة على الموازنة الفيدرالية الأمريكية في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعقّد المشهد الجيوسياسي.
ويمثل الرقم الجديد زيادة بنحو 4 مليارات دولار خلال أقل من أسبوعين فقط، بعدما كانت التقديرات الرسمية الصادرة أواخر أبريل تشير إلى تكلفة بلغت 25 مليار دولار، مما يعني أن وتيرة الإنفاق العسكري الأمريكي ارتفعت بشكل لافت مع توسع نطاق العمليات وإعادة تموضع القوات الأمريكية في المنطقة، وفقا لما نقلته وكالة رويترز.
تحوّل الحرب إلى استنزاف مفتوح
المسئول المالي المؤقت للبنتاجون جولز هيرست أوضح أمام الكونجرس أن الأرقام الجديدة تشمل تكاليف العمليات القتالية، وصيانة واستبدال المعدات العسكرية، ونفقات الانتشار المستمر للقوات الأمريكية في الخليج والبحر العربي. إلا أن وزارة الدفاع لم تقدم حتى الآن تفصيلًا دقيقًا لتوزيع الإنفاق أو الجدول الزمني الكامل للتكاليف.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث أمريكية مستقلة إلى أن التكلفة الحقيقية للحرب قد تكون أعلى بكثير من الأرقام الرسمية، إذ قد تتجاوز 70 مليار دولار عند احتساب تكاليف النقل اللوجستي، واستهلاك الذخائر الإستراتيجية، ونفقات الدعم البحري والجوي، فضلًا عن خسائر المعدات والتعويضات العسكرية المستقبلية.
ويعكس هذا التصاعد المالي طبيعة العمليات الحالية، والتي تعتمد بصورة مكثفة على حاملات الطائرات، ومنظومات الدفاع الصاروخي المتقدمة، والطائرات الشبحية، إلى جانب عمليات بحرية معقدة في مضيق هرمز والخليج العربي.
مضيق هرمز
جزء كبير من الإنفاق الأمريكي يرتبط مباشرة بمحاولة تأمين الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وتسببت التوترات العسكرية المتكررة في المنطقة في استنزاف واسع للقدرات البحرية الأمريكية، مع تنفيذ عمليات اعتراض وحماية ومرافقة للسفن التجارية بصورة شبه يومية.
كما دفعت المخاطر الأمنية الولايات المتحدة إلى توسيع انتشارها العسكري في الخليج عبر تعزيزات جوية وبحرية تُعد الأكبر منذ حرب العراق عام 2003، شملت نشر مجموعات قتالية بحرية إضافية وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاعية متقدمة في قواعد بالمنطقة.
الحرب تضغط على الاقتصاد الأمريكي
اقتصاديًا، لا تقتصر تداعيات الحرب على الإنفاق العسكري المباشر، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، إذ قفزت أسعار النفط خلال فترات التصعيد إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، مع اضطراب حركة الشحن والطاقة في الخليج.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار النزاع إلى موجة تضخمية جديدة داخل الولايات المتحدة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتأمين البحري، وهو ما يزيد تعقيد قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
كما بدأت آثار الحرب تظهر على قطاعات النقل والطيران والخدمات اللوجستية عالميًا، مع ارتفاع أسعار وقود الطائرات وتراجع حركة التجارة في بعض المسارات البحرية الحساسة، فضلًا عن اضطرابات أصابت سلاسل الإمداد الإقليمية.
ضغوط داخل الكونجرس
التكلفة المتصاعدة للحرب تحولت أيضًا إلى ملف سياسي داخلي ضاغط على إدارة الرئيس دونالد ترامب، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث يطالب مشرعون ديمقراطيون وجمهوريون على حد سواء بمزيد من الشفافية حول الكلفة الحقيقية للحرب وخطط التمويل طويلة الأجل.
ويواجه البنتاجون انتقادات متزايدة بسبب غياب التقديرات النهائية للخسائر التشغيلية، إضافة إلى مخاوف من استنزاف مخزونات الذخائر المتطورة، خاصة صواريخ الدفاع الجوي ومنظومات الاعتراض عالية الكلفة، التي تُستخدم بكثافة في مواجهة الهجمات الإيرانية والطائرات المسيّرة.
حرب مرتفعة الكلفة بلا حسم واضح
رغم الحديث المتكرر عن هدن مؤقتة واتصالات سياسية غير مباشرة، فإن المؤشرات الميدانية والعسكرية تعكس استمرار حالة الاستنزاف المتبادل، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة، خصوصًا في الممرات البحرية الاستراتيجية.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الحرب الأمريكية ضد إيران مرشحة للتحول إلى واحدة من أكثر النزاعات استنزافًا ماليًا للولايات المتحدة منذ عقدين، ليس فقط بسبب العمليات العسكرية المباشرة، بل أيضًا نتيجة التداعيات الاقتصادية الواسعة على أسواق الطاقة والتجارة والمالية العالمية.