تشير تغيرات سلوك المستهلكين في الصين إلى بداية مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل العلاقة بين التجارة العالمية وحماية البيئة، بعدما بدأت شركات ومستوردي اللحوم في السوق الصينية إظهار استعداد متزايد لدفع أسعار أعلى مقابل منتجات خالية من إزالة الغابات، في خطوة قد تمنح غابات الأمازون متنفسًا بيئيًا طال انتظاره.
وتأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه غابات الأمازون ضغوطًا متزايدة نتيجة التوسع في تربية الماشية والزراعة، إذ تشير بيانات منظمة “MapBiomas” البرازيلية إلى أن نحو 90% من الأراضي التي تتعرض لإزالة الأشجار تتحول مباشرة إلى مراعي للماشية، مما يجعل تجارة اللحوم البقرية واحدة من أبرز المحركات المرتبطة بإزالة الغابات.
ويقود هذا التحول داخل السوق الصينية “شينج يانلينج”، رئيسة جمعية صناعة اللحوم في مدينة تيانجين، والتي تمثل شركات تستحوذ على نحو 40% من واردات الصين من اللحوم البرازيلية. وقد تعهد أعضاء الجمعية بشراء 50 ألف طن من اللحوم البرازيلية المعتمدة كمنتجات “خالية من إزالة الغابات” قبل نهاية العام الحالي، بما يعادل نحو 4.5% من إجمالي صادرات اللحوم البرازيلية المتوقعة إلى الصين خلال 2026.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تحديًا مباشرًا لافتراضات راسخة لدى المنتجين البرازيليين، الذين اعتادوا اعتبار السوق الصينية سوقًا تعتمد فقط على الأسعار المنخفضة وحجم الطلب الضخم، دون اهتمام حقيقي بالمعايير البيئية أو الاستدامة.
الصين تغير قواعد الاستيراد
التحولات الحالية لا ترتبط فقط بتغير أذواق المستهلكين، بل تأتي أيضًا ضمن توجه أوسع تتبناه الحكومة الصينية لتعزيز معايير الاستدامة في التجارة الدولية، ففي السنوات الأخيرة، اتخذت بكين عدة خطوات تنظيمية مرتبطة بالبيئة، شملت تعديل قوانين الغابات لحظر تجارة الأخشاب غير القانونية، إضافة إلى توقيع اتفاقيات مشتركة مع البرازيل للحد من إزالة الغابات الناتجة عن التجارة الزراعية. كما التزمت شركة COFCO الحكومية بإزالة أي ارتباط بإزالة الغابات من سلاسل الإمداد الخاصة بها.
ويرى خبراء الاستدامة أن قطاع اللحوم يمثل نقطة انطلاق مناسبة لهذا التحول، نظرًا لأن استهلاك اللحوم البقرية ليس عنصرًا أساسيًا في النظام الغذائي الصيني بنفس أهمية فول الصويا أو الحبوب، مما يمنح المستوردين مساحة أكبر لتطبيق معايير بيئية أكثر صرامة دون التأثير المباشر على الأمن الغذائي.
“اللحوم النظيفة” تدخل المنافسة
المبادرة الجديدة تعتمد على نظام تتبع يحمل اسم “Beef on Track”، طورته مؤسسة “Imaflora” البرازيلية غير الربحية، ويقوم على تصنيف المنتجات وفق مستويات مختلفة من التتبع والالتزام البيئي، تشمل التحقق من خلو المزارع من إزالة الغابات أو العمالة القسرية، إضافة إلى ضمان قانونية استخدام الأراضي الزراعية.
وتقول الجهات المشاركة في المشروع إن بعض المستوردين الصينيين أصبحوا مستعدين لدفع أسعار أعلى بنحو 10% مقابل اللحوم التي يمكن إثبات خلوها بالكامل من أي ارتباط بإزالة الغابات القانونية أو غير القانونية، وهو ما يعكس تغيرًا تدريجيًا في ثقافة الاستهلاك داخل الصين، خاصة بين الطبقات الأكثر ثراءً واهتمامًا بجودة الغذاء وسلامته.
كما تراهن الشركات على أن أنظمة التتبع الرقمي وملصقات “QR Code” قد تدفع المستهلكين لتقبل هذه المنتجات بصورة أوسع، على غرار ما حدث في سوق البيض الصيني، حيث بات المستهلكون مستعدين لدفع أسعار مضاعفة مقابل المنتجات التي يمكن تتبع مصدرها بدقة.
ورغم الزخم الذي يحيط بالمبادرة، لا تزال هناك عقبات كبيرة أمام نجاحها الكامل، أبرزها ضعف نظام تتبع الماشية في البرازيل، إذ تعتمد عمليات النقل والتوثيق الحالية على مستندات ورقية تقول السلطات إنها عرضة للتلاعب، مما يسمح بإخفاء مصادر الماشية المرتبطة بإزالة الغابات، فيما يُعرف بعمليات “غسل الماشية”.
كما تواجه السوق البرازيلية ضغوطًا إضافية بسبب القيود والحصص التي تفرضها الصين على واردات اللحوم لحماية المنتجين المحليين، وهو ما قد يحد من سرعة توسع المبادرات البيئية الجديدة.
وفي الوقت ذاته، تبدي بعض المؤسسات العاملة في قطاع تصدير اللحوم تحفظًا تجاه أنظمة الشهادات الجديدة، خوفًا من تحولها إلى أعباء تنظيمية إضافية أو أدوات قد تعرقل التجارة مستقبلاً.
رسم تجارة الغذاء عالميًا
ويرى مراقبون أن أهمية التحول الصيني لا ترتبط فقط بحجم السوق، بل بقدرة الصين على إعادة تشكيل سلوك سلاسل الإمداد العالمية بأكملها، باعتبارها أكبر مستورد للحوم وفول الصويا في العالم.
وفي حال توسعت هذه التوجهات خلال السنوات المقبلة، فقد تضطر شركات إنتاج اللحوم في البرازيل إلى تسريع الاستثمار في أنظمة التتبع والاستدامة للحفاظ على الوصول إلى السوق الصينية، مما قد يحول الاستدامة البيئية من مجرد التزام أخلاقي إلى شرط اقتصادي وتجاري أساسي داخل واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية عالميًا.