حذر الدكتور محمد علي، استشاري الطب النفسي بالإدارة المركزية للصحة النفسية وعلاج الإدمان، من الآثار النفسية المدمرة التي يخلفها الانفصال والخلافات الزوجية على الأطفال، مؤكداً أن إقحام الطفل في هذه الصراعات يخرجه من دوره الطبيعي في اللعب والتعلم والنمو، ليتحول إلى "ساعي بريد" يتنقل بين الأب والأم ويضطر للعيش بشخصيتين مختلفتين، مما يحمله هموما ومشاعر تفوق قدرته الاستيعابية ومرحلته العمرية.
وأوضح الدكتور محمد علي خلال مداخلة هاتفية في برنامج “ملفات طبية” المذاع على قناة الشمس أن الضغط النفسي الذي يتعرض له الطفل لعدم قدرته على التعبير عن مشاعره أو الاعتراض على المشكلات الدائرة بين والديه، يترجم غالبا إلى أعراض جسدية وسلوكية واضحة.
وتشمل هذه الأعراض القلق، والتوتر، والتبول اللاإرادي، والتراجع الدراسي، والنوم داخل الفصول المدرسية، بالإضافة إلى العصبية والعدوانية التي تظهر بشكل أكبر لدى الذكور، بينما تميل الإناث غالباً إلى العزلة، وشدد على ضرورة انتباه الآباء لهذه التغيرات السلوكية المفاجئة وسرعة التوجه لمختص نفسي أو إبعاد الطفل عن أجواء المشاحنات.
في سياق متصل، انتقد استشاري الطب النفسي بشدة مشهد تواجد الأطفال في ساحات المحاكم واستخدامهم كشهود أو أطراف في قضايا الطلاق، مؤكدا أن المحكمة مكان للكبار لينفصلوا بهدوء، وليست مكانا للطفل الذي قد يتولد لديه شعور بالذنب واللوم، ويعتقد أنه أصبح عبئا أو أنه هو السبب الرئيسي في تدمير المنزل واندلاع هذه الخلافات.
وصحح الدكتور محمد على المفهوم الخاطئ لدى بعض الآباء والأمهات بأن دورهم يقتصر على توفير المأكل والمشرب والمسكن، مؤكداً أن التواجد العاطفي والمشاركة في تفاصيل حياة الطفل، مثل اللعب وتناول الطعام معا والاستماع إليهم، لا يقل أهمية عن تلبية الاحتياجات المادية، بل قد يفوقها.
وأشار إلى أن غياب هذا الدور والتجاهل العاطفي يمثل "عنفا مشاعريا" يترك ندوباً عميقة، كاشفا أن العديد من نوبات الاكتئاب الحادة لدى البالغين تعود جذورها إلى التعرض لعنف أسري أو العيش في بيئة مليئة بالخلافات خلال مرحلة الطفولة.
واختتم الدكتور محمد علي حديثه بالتأكيد على أهمية تبني تشريع قانوني يُعنى بـ "الرعاية النفسية للطفل" بعد الانفصال، ليُلزم الأب والأم بوضع إطار صحي للتعامل، يضمن حماية الطفل من الأذى النفسي والعاطفي الذي لا تقل خطورته عن الأذى الجسدي، ويحميه من التشوهات النفسية التي قد ترافقه لعقود من حياته.