في واحدة من أبرز الشهادات الحية على التحولات التي شهدتها سوق المال المصرية خلال العقود الماضية، استضاف «CEO Level Podcast» الذي يقدمه حازم شريف رئيس تحرير «جريدة المال»، المصرفي البارز حسين شكري، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «إتش سي» (HC) للأوراق المالية والاستثمار، والعضو المنتدب الأسبق ببنك «مورجان ستانلي».
استعرض «شكري»، خلال الحلقة التي تم بثها الأحد الماضي، كواليس رحلة مهنية مثيرة تزامنت مع مراحل مفصلية في تاريخ تطور الاقتصاد المصري، بدأها بالالتحاق بالبنك الأهلي في سبعينيات القرن الماضي، مرورًا ببنك «كريدي ليونيه» الفرنسي، قبل أن ينتقل إلى أبوظبي ليساهم في البدايات الأولى لشركة «أبوظبي للاستثمار»، في مرحلة كانت تتشكل ملامح أسواق المال في المنطقة.
كما تطرق إلى تجربته داخل بنك «مورجان ستانلي» في نيويورك، كاشفًا عن طبيعة العمل داخل واحد من أكبر بنوك الاستثمار عالميًا، وكيف نجح في إتمام صفقات تمويل عابرة للحدود، مهدت لترقيته إلى مناصب قيادية، رغم التحديات والمنافسة القوية.
كشف شكري عن قرارات مفصلية خلال مسيرته، من بينها رفض عروض مالية مغرية إيمانًا منه بضرورة خوض تجارب أكثر تأثيرًا على المستوى المهني.
وتناول كواليس عودته إلى مصر في تسعينيات القرن الماضي، والتي جاءت مدفوعة بالتغيرات الاقتصادية وإعادة إحياء سوق المال، موضحًا كيف بدأ من الصفر لتأسيس شركة «إتش سي»، وأبرز الصفقات التي قادتها الشركة، إلى جانب خططها المستقبلية.
وأشار حسين شكري إلى تجارب الشراكة مع مؤسسات مالية كبرى، من بينها «مورجان ستانلي» والبنك الأهلي السعودي، وتفاصيل دخولهما وخروجهما من هيكل ملكية الشركة.
وإلى نص الحوار المتاح على قناة «ALMAL TV» بموقع «يوتيوب» ومنصات البودكاست والتواصل الاجتماعي.
● حازم شريف: عندما قررت مصر في مطلع تسعينيات القرن الماضي إعادة الحياة لسوق المال، لم يكن من الممكن أن يقوم ذلك على مجموعة شركات الوساطة القديمة، التي كانت موجودة منذ الخمسينيات والستينيات.
في تلك الفترة، بدأ يظهر على خريطة البورصة المصرية عدد من الطيور المهاجرة، والتي اكتسبت خبرات كبيرة جراء عملها في مؤسسات مالية داخل أسواق متقدمة.
عادت هذه الطيور، واستطاعت بالتعاون مع كوادر شابة أخرى وبمشاركة الخبرات القديمة إلى جانب الجهات الرقابية والتنظيمية أن تصنع حالة من الحيوية والنشاط الكبير في سوق ناشئة وهي مصر، لدرجة أنه أُطلق عليه في فترة من الفترات لقب نمر على النيل أو Tiger on the Nile.
ضيفي اليوم كان واحدًا من هذه الطيور المهاجرة التي عادت وساهمت في تلك النهضة، كما كان شاهدًا على مرحلة أعتبرها شخصيًا واحدة من أهم المراحل في تاريخ الاقتصاد المصري، بكل ما حملته من مميزات وما شابها من عيوب.
ضيفنا اليوم هو الأستاذ حسين شكري، مؤسس ورئيس شركة HC للأوراق المالية والاستثمار، أرحب بك معنا أستاذ حسين.
حسين شكري: أهلًا بك حازم.
● حازم شريف: يسعدني أن أراك اليوم، فقد مر وقت طويل منذ أن تشرفت بلقائك.
حسين شكري: بالفعل، فقد مر فترة من الزمن.
● حازم شريف: لكنني دائمًا أذكرك بكل خير، فأنت شخص يمثل تاريخًا كبيرًا، وأنا متفائل بهذه الحلقة، وأرى أنها ستكون من العيار الثقيل.
حسين شكري: شكرًا جزيلًا.
● حازم شريف: بالنسبة للأجيال الجديدة هناك كثيرون لا يعرفون من هو حسين شكري، بالطبع نحن نعرف من هو، لكنني أود أن يتعرف الجمهور عليك بشكل أكبر.
في البداية ماذا درست؟ وأين تخرجت؟ وما مسارك المهني حتى وصلت إلى المرحلة التي أنت عليها الآن؟
حسين شكري: لقد تخرجت في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1972، بعد ذلك التحقت بالخدمة العسكرية قبل حرب أكتوبر، وقضيت نحو 3 سنوات في الجيش، وأنهيت فترة التجنيد خلال عام 1975.
● حازم شريف: هل شاركت في حرب أكتوبر؟
حسين شكري: نعم، فقد كنت مجندًا في سلاح الدفاع الجوي.
● حازم شريف: هل كنت داخل مصر أم على الجبهة؟
حسين شكري: كنت داخل مصر وأنهيت خدمتي برتبة رقيب، أي حصلت على ثلاث شرائط وكان ذلك بسبب أدائي الجيد في العمل.
وكان هناك في ذلك الوقت تقليد قانوني في مصر يسمح للمجندين، بأنه إذا حصل على وظيفة تظل محفوظة له حتى ينهي فترة التجنيد ويعود لاستلامها.
وعندما التحقت بالسنة الأولى أثناء دراستي في كلية التجارة حضرت محاضرة عن علم النقود والبنوك، وشعرت وكأن «مغارة علي بابا» قد فُتحت أمامي فقد كان عالمًا جديدًا بالنسبة لي، فقد أحببت هذا العلم للغاية.
بصراحة، علم الاقتصاد كان هو المجال الذي حصلت فيه على تقدير «جيد جدًا» طوال 4 سنوات الجامعة، وقد أحببت مادته العلمية منذ أول محاضرة.
وكان أستاذنا في ذلك الوقت الدكتور علي لطفي، رحمه الله، والذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء، فقد كان آنذاك مدرس في الكلية ولم يكن قد أصبح أستاذًا مساعدًا بعد.
كما أنه كان قد عاد حديثًا من سويسرا، لذلك كان العلم لا يزال حاضرًا في ذهنه، وقد استمتعت بالدراسة معه، ومع مرور السنوات ازداد إعجابي وانجذابي بعلم الاقتصاد.
لذلك توجهت إلى والدي وأخبرته بأنني قررت العمل في مجال البنوك، وكان ذلك تقريبًا أثناء دراستي في السنة الثانية أو الثالثة، فقال لي إن هذه فكرة جيدة للغاية، كما أخبرني أنه عندما أنهى هو وعمي تعليمهما، وجههما جدي إلى الالتحاق بالعمل في البنوك وتحديدًا «مصر» و«البلجيكي» آنذاك.
وقبل التحاقي بالخدمة العسكرية، كنت قد علمت أن من بين الأماكن المميزة في هذا المجال هي قسم الإدارة الخارجية في البنك الأهلي والتي كانت تقع في الدور الرابع بفرع شارع شريف.
وكان رئيس مجلس إدارة البنك آنذاك الدكتور حامد السايح، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للاقتصاد، حيث انتقل من رئاسة البنك إلى هذا المنصب، وقد أخبرني بمتابعة الصحف انتظارًا لإعلان مسابقة للتقديم في البنك.
بالفعل، ظللت أتابع حتى تم الإعلان عن فتح المسابقة وكنت حينها في فترة الخدمة العسكرية، وقد تم قبولي خاصة أنني أجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
● حازم شريف: هل أنت خريج مدرسة «الجيزويت»؟
حسين شكري: نعم.
● حازم شريف: إذن، دعنا نوضح نقطة للمستمعين الآن، حتى يكون السياق واضحًا، في ذلك الوقت لم يكن هناك عدد كبير من البنوك في مصر فقد كان هناك البنك الأهلي، ومصر، والقاهرة، فقط عدد محدود في هذا الإطار.
حسين شكري: نعم، كان هناك نحو أربعة بنوك فقط في ذلك الوقت.
● حازم شريف: وكان الحصول على المعلومات يتم حينها من خلال الجرائد المطبوعة.
حسين شكري: بالضبط، فقد تم الإعلان عن المسابقة في جريدة الأهرام، إذ تم تحديد مكان التقديم في شارع شريف وتوقيت الحضور، وقد توجهت إلى هناك وخضعت حينها لاختبار أمام لجنة مكونة من أربعة أعضاء، جميعهم من مجلس الإدارة.
وقد توفاهم الله جميعًا، رحمهم الله، من بينهم الأستاذ علي دبوس، بالإضافة إلى الأستاذ محمود عبد الله، الذي كان مشرفًا على إدارة الائتمان، وأيضًا الأستاذ فخري العاصي، الذي كان مشرفًا على الإدارة القانونية، أي أن اللجنة كانت تضم أربعة من أعضاء مجلس الإدارة.
● حازم شريف: هذا يعطي انطباعا بأنهم كانوا مهتمين للغاية بتعيين كوادر جديدة.
حسين شكري: نعم، وتخيل أن 4 من أعضاء مجلس الإدارة كانوا يختبرون موظفًا في الدرجة السابعة، وهي أول درجة وظيفية في البنك.
تم تعييني، وقد استكملت فترة التجنيد وبعد انتهائي منها عدت لاستلام وظيفتي في البنك الأهلي وذلك خلال شهر يوليو عام 1975.
● حازم شريف: هل كان ذلك بعد إعادة فتح قناة السويس أم في بداية سياسة الانفتاح في مصر؟
حسين شكري: بداية الانفتاح كانت في عام 1974، وقد صدر قانون الانفتاح في عهد الدكتور عبد العزيز حجازي.
● حازم شريف: أي أنك كنت في بدايات مرحلة الانفتاح؟
حسين شكري: نعم، لم تكن ملامحه قد اتضحت بشكل كبير بعد.
استلمت عملي في الدور الرابع بالبنك الأهلي، وكانت الإدارة آنذاك موزعة العالم إلى قسمين: الأول أمريكا والثاني أوروبا، وقد كان من نصيبي العمل في قسم أوروبا.
في ذلك الوقت، كنت أتصور أنني أقوم بعمل مهم للغاية، لكن مع ما تعلمته لاحقًا اكتشفت أن ما كنت أقوم به حينها كان بسيطًا نسبيًا، فقد كنا نقوم بترتيبات مصرفية مع بنوك المراسلين الأجانب.
والبنك الأهلي كغيره من البنوك كان لديه ترتيبات مصرفية مع مراسلين أجانب فيما يتعلق بخطابات الضمان والاعتمادات المستندية، كما كنا نتبادل الشفرات والتوقيعات فقد كانت إدارتنا مسئولة عن هذه الترتيبات، وعن تنظيم العلاقة ووضعها في إطارها السليم.
وكان يُطلب مني أيضًا كتابة خطابات باللغة الإنجليزية والفرنسية، وفي تلك الفترة قررت الالتحاق ببرنامج ماجستير إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية.
● حازم شريف: للعلم، خلال عام 1975 لم يكن أمرًا شائعًا أن يقرر شخص أنه سيلتحق ببرنامج ماجستير إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية، اليوم أصبح الأمر معتادًا، لكن في ذلك الوقت، كان التفكير في هذا الاتجاه غير منتشر، وبالتالي ما الذي دفعك إلى ذلك؟
حسين شكري: كانت رغبة شخصية، إذ أدركت أهمية هذا الأمر وقد قمت بالسؤال والبحث، ووجدت أنه سيكون مفيدًا للمجال الذي اخترته لنفسي، وهو مجال البنوك.
لذلك قمت بالتسجيل في البرنامج، وتقدمت لاختبار اللغة الإنجليزية إذ كان من المطلوب الحصول على نسبة تقارب %80 للالتحاق بالدراسة في الجامعة.
حصلت على درجة في السبعينيات، فأبلغوني أنني بحاجة إلى 3 أشهر تقوية وبالفعل التحقت بها، ثم بدأت الدراسة، وكنت أذهب لحضور المحاضرات ثلاثة أيام في الأسبوع خلال فترة ما بعد الظهر.
أما بالنسبة للبنك فقد كنت انتظر بعد انصراف الموظفين وكنت أظل بمفردي في الطابق داخل الغرفة الكبيرة الخاصة بنا، ومن هنا بدأت الإطلاع على الملفات الموجودة هناك.
ومن وجهة نظري المتواضعة، استطعت أن أستدرك كثيرًا مما كان قد فاتني، وبعد نحو 6 أشهر شعرت أن مستواي أصبح قريبًا من زملائي الذين أمضوا سنوات داخل الإدارة، أي أنني أصبحت أفهم العمل بشكل جيد، كما اطلعت على نماذج عديدة من الخطابات والترتيبات المصرفية، وتعلمت منها الكثير.
● حازم شريف: هذا يعني أنك في البداية كنت تؤدي عملك بشكل روتيني، ثم بدأت تدرك تفاصيله وإجراءاته بصورة أعمق.
حسين شكري: بالضبط، فقد شعرت أنني أسير في الطريق الصحيح، خاصة مع نجاحي المستمر في الامتحانات، وهناك نقطة قد لا يعرفها كثيرون فعندما علم البنك الأهلي المصري بأنني أدرس ماجستير إدارة الأعمال، أخبروني بأن هناك برنامجًا يساعدني على دعم تمويل دراستي، بحيث يتكفل البنك بسداد تكلفة أي مادة أنجح فيها.
ومن المعروف أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة تُعد اليوم من الجامعات ذات المصروفات المرتفعة.
● حازم شريف: وحتى في ذلك الوقت كانت مصروفاتها مرتفعة وفقًا لمقاييس تلك الفترة.
حسين شكري: بالفعل، ولكن دعني أوضح الصورة فقد كانت تكلفة المادة الواحدة آنذاك تقارب 9 جنيهات، وكنت أدرس ثلاث مواد في الفصل الدراسي، ما يعني أنني كنت أحصل على 27 جنيهًا من البنك عند اجتياز تلك المواد بنجاح.
ورغم أنني كنت قادرًا على تمويل دراستي بنفسي، فإن هذا الدعم مثل حافزًا وتشجيعًا كبيرًا من البنك.
في تلك الفترة بدأت البنوك الأجنبية في الظهور داخل مصر، من بينها البنك التجاري الدولي، وكذلك البنك العربي المحدود، وكنت أواصل عملي مترقبًا تلك التطورات، وفي الوقت نفسه أشعر أنني في موقع جيد.
وكان لدينا في البنك تقليد متبع وهو أن يتولى الشباب من الموظفين مسئولية استقبال الضيوف الأجانب القادمين للقاء رئيس البنك أو عضو مجلس الإدارة المشرف على الإدارة الخارجية.
وكنا نتوجه بسيارة البنك إلى المطار نستقبل الضيف، ثم نوصله إلى الفندق الذي حجزه له البنك، ونتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام ثم ننصرف وكان ذلك يتم وفق نظام دوري بيننا.
كنا في المكتب حوالي 5 أو 6 موظفين، وكان الدور يأتي على كل واحد منا بالتناوب، وعندما جاء دوري ذهبت لاستقبال مدير بنك «اليوباف» في لندن، وقمت بإيصاله إلى الفندق، وسارت الأمور بشكل طبيعي، وفي اليوم التالي، تولى زميل آخر المهمة.
وللعلم، بعض الزملاء الذين كانوا معي في ذلك المكتب، أصبحوا اليوم في مناصب مرموقة، من بينهم عصام الوكيل.
● حازم شريف: بالفعل هو أحد الكوادر المصرفية المعروفة.
حسين شكري: وفي يوم ما طلب مني الزملاء أن أذهب لمقابلة أحد الضيوف وتساءلت عن السبب، فقيل لي إنني أجيد اللغة الفرنسية، وأن الضيف القادم من بنك فرنسي.
كان ذلك البنك هو «كريدي ليونيه»، وكان الضيف يحتل المرتبة الثالثة وظيفيا في البنك، وهو مملوك للحكومة الفرنسية ويُعد من المؤسسات المصرفية الكبرى والمهمة.
وتزامنت زيارة الضيف مع انعقاد مؤتمر في مصر، وكان من المعتاد أن يقيم الضيوف مثله في فندق «ميريديان»، إلا أنه لم تتوفر غرفة شاغرة حينها، فتم حجز غرفة له في فندق النيل بمنطقة جاردن سيتي.
وعندما وصّلته، سألني: هل لديك أي ارتباطات اليوم؟، فأخبرته بأنه لا يوجد، فعرض علي أن نتناول العشاء معًا، فوافقت فطلب مني أن يضع حقيبته أولًا، ثم نعبر الشارع لنتناول العشاء في فندق «ميريديان» وقد كانت أمسية لطيفة.
دار بيننا حديث مطول حول الموضوع الأقرب بالنسبة لي وهو العمل المصرفي فقد تحدثنا عن البنوك، وآليات عملها، وكيفية تنظيمها وبالتالي كان هذا الحوار شيقا وبمثابة كنز.
وعند مغادرته، أخبرني بأن هناك كتابا عن العمل المصرفي صدر في باريس، قام بتأليفه أستاذ كبير ومهم، ووعدني بأنه سيرسله لي عندما يعود إلى باريس.
قدمت له الشكر على ذلك ثم سافر، ومر شهر ثم اثنان ثم ثلاثة دون أن يصلني الكتاب، فظننت أن الرجل قد نسي الأمر.
إلى أن جاء يوم، وبينما كنت جالسًا في البنك فوجئت بأحد موظفي الفرع يبحث عني، ودخل برفقته شخص أجنبي وقد كانوا يبحثون عني في المبني بالكامل، وأخبروني بأنهم قد أمضوا ساعة كاملة للوصول إليّ.
هذا الشخص أخبرني بأن مديره قد أرسله إليّ، وأنه يحمل هدية منه وهو الكتاب الذي كنا قد تحدثنا عنه، كما طلب مني أيضًا أنه إذا احتاج إلى أي معلومات عن النظام المصرفي في مصر، أن يتواصل معي.
سألته وما الذي جاء بك إلى مصر؟، فأخبرني بأنه هنا لافتتاح مكتب تمثيل لبنك «كريدي ليونيه» في مصر والسودان، ثم طلب مني بعض المعلومات حول أنواع الحسابات البنكية التي يمكن لمكتب التمثيل فتحها، والقيود المفروضة على النقد الأجنبي، وما هو المسموح وغير المسموح به، فقمت بكتابة ذلك له في ورقة.
وجهت له سؤالا حول مكان إقامته، فأخبرني بأنه يقيم في «الميريديان» وقد حصل على غرفتين إحداهما للإقامة، والأخرى كمكتب مؤقت لحين إيجاد مقر دائم.
أخذ مني تلك الورقة، ثم قال لي هل يمكن أن أُثقل عليك مرة أخرى؟ أحتاج إلى معلومات إضافية حول موضوع آخر، فأجبته بأنه لا توجد مشكلة، وفي اليوم التالي ذهبت إليه حاملاً ما طلبه من معلومات.
وبعد أن انتهينا، سألته حول خططه في اليوم التالي وكان ذلك يوم خميس، ويليه الجمعة عطلة رسمية، فأخبرني بأنه ليس لديه أي ارتباطات، فاقترحت عليه أن نتناول الغداء سويا في النادي، فأنا عضو في نادي هليوبوليس بمصر الجديدة، فوافق على ذلك.
جلسنا لتناول الغداء، وما إن بدأنا الحديث حتى عرض على العمل معه، في الحقيقة لم أكن قد فكرت في الأمر من قبل، لكنني أجبته على الفور بأنه لا يوجد لديّ مانع.
● حازم شريف: في أي عام كان ذلك؟
حسين شكري: تقريبًا في عام 1976، أي بعد نحو عام واحد فقط من عملي في البنك الأهلي المصري.
ثم سألني عن الراتب الذي أرغب في الحصول عليه وبدون تفكير قلت له 200 جنيه، علمًا بأن راتبي في البنك آنذاك كان يقارب 23 جنيهًا فقط، فأخبرني بأنه موافق، لكنه أوضح أنه يتعين عليه إرسال الطلب إلى فرنسا للحصول على موافقة الإدارة.
وبعد نحو 3 أو 4 أسابيع، اتصل بي هاتفيًا وأبلغني بأنه قد حصل على الموافقة من باريس، ويمكنني البدء معه لكن كان هناك شرط وهو الذهاب إلى مديري في البنك الأهلي للحصول على موافقته قبل التعيين.
قلت له حينها بأنني لست شخصية مهمة وهناك كثيرون مثلي، لكنه أكد أن هذا شرط من الإدارة في باريس، توجهت آنذاك إلى الأستاذ علي دبوس ودخلت إلى مكتبه فسألني عن سبب مجيئي إليه، فأخبرته بأنني تلقيت عرض عمل.
سألني عن الراتب فأخبرته بأنه سيكون 200 جنيه شهريًا، فقال لي متعجبًا: هذا أكثر مما أتقاضاه أنا!، فطلبت رأيه فقال دعه يأتي لمقابلتي.
بعد يومين، توجهت برفقة ممثل بنك كريدي ليونيه لمقابلة مديري وما إن دخلنا، حتى بادره قائلًا: أشكركم كثيرًا على حرصكم على الاستئذان، فهذه لفتة راقية ولكن اسمح لي أن أوضح أمرًا مهمًا؛ أنتم بصدد استقطاب أحد العناصر الشابة الواعدة لدينا، ونحن نرى له مستقبلًا متميزًا داخل البنك ومع ذلك لن نقف في طريقه.
بعد ذلك بدأت عملي معهم في مكتب التمثيل كمساعد لممثل البنك في مصر والسودان.
● حازم شريف: دعني أوضح نقطة مهمة للمشاهدين، فمبلغ 200 جنيه في ذلك الوقت كان كبيرًا للغاية، فقد كان من الممكن أن تشتري به سيارة أو ما إلى ذلك!
حسين شكري: ليس إلى حد شراء سيارة لكنه بالفعل كان مبلغًا كبيرًا ويجب أن نضع في الاعتبار أن سعر الدولار آنذاك كان يقارب 75 قرشًا.
● حازم شريف: هل كان 75 قرشًا أم 40؟
حسين شكري: كان حوالي 75 قرشًا في عام 1976، وقد كنت أتقاضى راتبي بالعملة الأجنبية، وأقوم بتحويله على هذا الأساس وقد عملت معهم لمدة عام كامل، وقدمت خلاله أداءً متميزًا للغاية.
● حازم شريف: وقدمت استقالتك من البنك الأهلي؟
حسين شكري: نعم، وفي شهر يوليو عام 1976 توجهت إلى مديري وطلبت منه التحول إلى كادر دولي داخل البنك بدلًا من محلي، وكان للبنك في ذلك الوقت فروع عديدة في المغرب وتونس ولبنان، بالإضافة إلى معظم الدول الأفريقية وأوضحت له أن لدي طموحًا أكبر، ورغبة في خوض تجارب أوسع.
فأخبرني بأن الاحتمال ضعيف للموافقة على طلبي لكنه وعدني بإرسال طلب إلى باريس وبالفعل فعل ذلك، لكن الرد جاء برفض تغيير السياسة، وعدم تحويل أي موظف محلي إلى كادر دولي.
وعندما أتأمل تلك المرحلة، أجد أن الأحداث كانت مترابطة بشكل لافت وكأنها سلسلة متشابكة، وكل خطوة تقود إلى الأخرى وكأن لكل شيء سببًا.
كان لدي شقيق أكبر مني يعمل في فندق هيلتون أبوظبي بقسم الاستقبال، وكنت آنذاك في الـ 26 من عمري، بينما كان شقيقي في الثانية والثلاثين.
وفي يوم ما دخل إلى الفندق أحد النزلاء ودار حديث بينه وبين شقيقي، وقد تبين أن هذا الشخص شريك في أحد بنوك الاستثمار الأمريكية الكبرى، وكان من اللافت أن رئيسه هو المصري الأستاذ محمد يونس.
وكان محمد يونس في ذلك الوقت عضوًا باللجنة التنفيذية في «Kidder Peabody» (أحد أكبر بنوك الاستثمار في نيويورك حينها)، ومسؤولًا عن الإدارة الخارجية، كما كان يُعد من الشخصيات البارزة والمعروفة في «وول ستريت».
أما هذا الشريك، فكان موجودًا في أبوظبي ضمن مهمة تتعلق بتقديم «Kidder Peabody» استشارات تمويلية لحكومة أبوظبي، بهدف إنشاء شركة أبوظبي للاستثمار، والتي كانت ولا تزال مملوكة لجهاز أبوظبي، لتكون الذراع الاستثمارية للحكومة في الأسواق لأن الفوائض النفطية كانت بدأت في التحقق آنذاك وكانوا يرغبون في وجود جهاز لإدارة هذه الأموال.
● حازم شريف: دعني أتوقف هنا لتوضيح نقطة مهمة للجمهور عن الدكتور محمد يونس الذي يُعد أحد الكوادر البارزة في سوق المال المصرية والدولية، وواحدًا من الطيور المهاجرة التي عادت إلى مصر في تسعينيات القرن الماضي، حيث أسس شركة كونكورد إنترناشونال، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم، ولا يزال يمارس عمله بها وفقًا لمعلوماتي.
حسين شكري: صحيح، وللعلم فهناك صلة قرابة بيننا ولذلك قمت بالتواصل معه.
● حازم شريف: كيف التحقت بالعمل هناك؟
حسين شكري: كان ذلك الشريك زميلًا لشقيقي في الدراسة، وتبادلا الحديث حول طبيعة عمله في أبوظبي، وقد أخبره بأنه يشعر ببعض الإحباط، إذ لم يكن يرى تقدمًا كافيًا في مهمته، بسبب نقص الكوادر العربية المؤهلة آنذاك، فالوضع في أبوظبي عام 1976 كان مختلفًا تمامًا عما هو عليه اليوم، حيث لم تكن الكفاءات متوفرة بالشكل الكافي.
وسأل شقيقي إن كان يعرف شخصًا مناسبًا، فأخبره عني بأنني أعمل بالقاهرة في بنك كريدي ليونيه فطلب منه التواصل معي وبالفعل تلقيت خطابًا منه مرفقًا بكتاب تعريفي عن الشركة، وكانوا في ذلك الوقت يعملون على أحدث المنتجات المالية التي ظهرت في العالم.
● حازم شريف: هل تتذكر هذه المنتجات؟
حسين شكري: كانت تشمل إصدارات «اليوروبوند» (صكوك دين دولية تُصدرها الحكومات أو الشركات)، التي بدأت في الظهور حوالي عام 1974، بالإضافة إلى القروض المشتركة (Syndicated Loans)، وتمويل المشروعات (Project Finance)، وغيرها.
● حازم شريف: أصبحت معظم هذه الأنشطة معروفة اليوم في مجال عمل بنوك الاستثمار، باستثناء القروض المشتركة التي تظل مرتبطة بالبنوك التجارية.
حسين شكري: صحيح، لكنها في ذلك الوقت كانت منتجات جديدة تمامًا، ولم نكن قد رأيناها في مصر، وكنت قد اطلعت عليها خلال دراستي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
وعندما تحدثت مع مديري عن هذه المنتجات، سألني من أين تعرفها؟ فأخبرته أنني أعرف ذلك من دراستي في الجامعة، وكان هذا بالنسبة لي أمرًا جديدًا ومثيرًا للغاية، ومشجعًا في الوقت ذاته.
وبعد ذلك، طُلب مني إجراء مقابلة، وتم تحديد موعد لها وقد سافرت إلى أبوظبي لمدة ثلاثة أيام لإتمامها، ثم خضعت لفترة اختبار استمرت ثلاثة أشهر، وعلى إثرها تركت عملي الآخر.
● حازم شريف: وهل تركت راتب 200 جنيه؟
حسين شكري: بل أكثر من ذلك، ففي نهاية تلك السنة كان راتبي قد وصل إلى 300 جنيه وعندما علم بعض المقربين مني بقراري، قالوا لي هل أنت مجنون؟ كيف تترك هذا الراتب؟!
لكنني في داخلي كنت أشعر أن قدراتي أكبر من ذلك، وكأنني أرتدي سترة ضيقة لا تتسع لطموحي، وكنت مؤمنًا بأن لدي إمكانيات تؤهلني لما هو أبعد.
● حازم شريف: ما طبيعة عملك في بنك «كريدي ليونيه» آنذاك؟ وما كانت مهامك بالتحديد؟
حسين شكري: كانت مهمتنا تتمثل في مساعدة الشركات الفرنسية في تمويل مشروعاتها.
في ذلك الوقت كانت الشركات الفرنسية تنفذ مشروعات في مصر أو تقوم بتوريد آلات ومعدات بتمويل من هيئة الصادرات الفرنسية، بضمان تقدمه هذه الهيئة للبنك.
وكان المقترض في النهاية جهة مصرية، وغالبًا ما ينتهي الأمر بقيام أحد البنوك المصرية أو البنك المركزي بسداد التمويل، ومن ضمن مهامي، كنت أتابع المدفوعات المستحقة التي ينبغي أن تصل إلى البنك.
لكنني طورت طبيعة عملي قليلًا إذ في تلك الفترة كانت أجهزة «التليكس» تُعد تقنية حديثة للغاية، وكان بنك كريدي يمتلك جهازًا واحدًا فقط، في حين أن البنوك مثل «الأهلي» كان لديه جهازان في مبنى كبير، وقد كنا فريقًا صغيرًا يضم موظفين اثنين وسكرتارية.
خطرت لي فكرة، وهي محاولة جذب ودائع البنوك المصرية الأربعة إلى «كريدي» فعرضت الفكرة، وقيل لي هل تستطيع تنفيذ ذلك؟ فأجبت بأنني سأحاول.
وبحكم وجود مكتبنا في وسط البلد، بالقرب من شارع الشواربي وقصر النيل، كنت أتنقل سيرًا على الأقدام لزيارة هذه البنوك.
طرحت الفكرة عليهم جميعًا، وقلت لهم إن لديهم ودائع يضعونها مع مراسلين أجانب، وأن «كريدي» بنك كبير وله وجود عالمي في لندن ونيويورك وباريس وطوكيو وهونج كونج، وبالتالي يمكنهم إيداع أموالهم لديه.
طلبت منهم تحديد مواعيد بدء الودائع، على أن أعود إليهم بـ Rate (سعر عائد أو فائد) للمقارنة.
وافقوا من حيث المبدأ، لكن ما لم يكونوا يعلمونه أنني قمت بالتواصل مع 5 أو 6 فروع لبنك كريدي، دون أن يعلم كل طرف بتواصلي مع الآخرين.
فقد تعلمت أن الـ”Rate» يختلف بين نيويورك ولندن وباريس وطوكيو في اليوم نفسه، بحسب الطلب على العملة، وبالتالي قمت بتشغيل البنوك الخمسة التابعة لـ«كريدي» لحسابي.
فقد كنت أُعد شريط التليكس مسبقًا، وأرسله في الوقت ذاته إلى نيويورك وباريس ولندن وطوكيو وهونج كونج وبروكسل، فتصلني 6 أو 7 عروض لأسعار فوائد وكنت أختار أعلى سعر وأقدمه للبنوك المصرية.
وبالفعل، تمكنت من جذب حجم جيد من الودائع من لا شيء تقريبًا، مما أسهم في تحويل المكتب من كيان لا يحقق أرباحًا إلى وحدة تساعد في تغطية مصروفاته.
وبسبب هذه المبادرة تمت ترقيتي إذ اعتُبرت الفكرة جديدة ومبتكرة.
● حازم شريف: هل كنت قد أنهيت دراستك بالجامعة الأمريكية في ذلك الوقت؟
حسين شكري: لا، كنت لا أزال أستكمل دراستي فقد أنهيت الدبلوم، وخلال فترة وجودي في أبوظبي عدت إلى مصر لأداء الامتحانات ونجحت.
● حازم شريف: هل أكملت درجة الماجستير (MBA)؟
حسين شكري: لا، حصلت على الدبلوم فقط، وكان يتبقى لي عام آخر لم أستكمله بسبب سفري إلى أبوظبي.
● حازم شريف: وأثناء وجودك في أبوظبي، أين عملت؟
حسين شكري: عملت في شركة أبوظبي للاستثمار. وكان معظم العاملين هناك، باستثنائي من مؤسسة «كيدر».
● حازم شريف: هل كان هناك أسماء معروفة حاليًا ضمن فريق العمل؟
حسين شكري: نعم، كان من بينهم شريف رأفت.
● حازم شريف: شريف رأفت، الرئيس السابق للبورصة المصرية، وأحد الكوادر المهمة، والذي عمل مع الدكتور محمد يونس، وهو في الأصل مهندس كيميائي قبل أن يتحول إلى هذا المجال؟
حسين شكري: نعم.
وكان هناك فريق كبير أغلبه من غير المصريين، المدير كان مصريًا، إلى جانب شريف رأفت وأنا.
كما كان يشاركني في المكتب زميل يُدعى أحمد عبود، وهو حفيد عبود باشا.
● حازم شريف: متى سافرت إلى أبوظبي؟
حسين شكري: سافرت إلى أبوظبي عام 1977، وغادرتها عام 1980.
في البداية، قيل لي إن أمامي ثلاثة أشهر فقط، وإذا لم أثبت كفاءتي سأعود إلى مصر مرة أخرى لكنني استطعت إثبات نفسي حتى عام 1979.
خلال تلك الفترة، كنت متعطشًا للمعرفة خاصة أن من حولي كانوا قادمين من نيويورك أو لندن، ويتمتعون بخبرات واسعة لم تكن لديّ.
لذلك، تعاملت مع الأمر وكأنني «إسفنجة» أمتص كل ما يدور حولي من خبرات ومعرفة وخلال هذه السنوات الثلاث حصلت على قدر كبير من المعلومات والخبرة.
● حازم شريف: وانتقلت من العمل في البنوك التجارية إلى بنوك الاستثمار.
حسين شكري: نعم، إلى أن صادفت شريكا ومديرا إداريا في مورجان ستانلي لم أكن أعرفه شخصيًا، لكنه تواصل مع أحد زملائي في الشركة، وكان هذا الزميل يشغل منصبًا أعلى مني وجاء من لندن.
قال لي زميلي إنه تلقي عرض للعمل هناك ولكن الوظيفة في مورجان ستانلي هي منصب مساعد (Associate) وهو مستوى مبتدئ، بينما هو مدير هنا وبالتالي لا يمكنه ترك منصبه الحالي، وعرض عليّ أن يرشحني للالتحاق بهذا العمل بدلًا منه فوافقت.
بعد ذلك تم إجراء مقابلة بسيطة معي في أبوظبي ثم سافرت إلى القاهرة، حيث التقيت به هناك أثناء إجازتي لبضعة أيام، وأخبرني بإجراء مقابلة أخرى في نيويورك.
سافرت إلى نيويورك في نوفمبر 1979، وخلال يومين فقط أجريت نحو 20 مقابلة ففي اليوم الأول التقيت بستة شركاء في «مورجان ستانلي»، وفي اليوم الثاني قابلت عددًا آخر من المسؤولين.
وفي نهاية الزيارتين، حصلت على عرض عمل قبل مغادرتي ثم عدت إلى أبوظبي.
● حازم شريف: وهل كان العرض مناسبًا لك؟
حسين شكري: في ذلك الوقت، كان راتبي في أبوظبي يتراوح بين 40 إلى 50 ألف دولار سنويًا، أي ما يقارب 3 آلاف دولار شهريًا.
عندما ذهبت إلى مورجان ستانلي، دعاني المدير إلى العشاء قبل سفري، وأخبرني أن البنك يرغب في انضمامي، وأن الراتب المبدئي سيكون 27 ألف دولار.
نظرت إليه وابتسمت، مما وضعه في موقف محرج، فسألني لماذا تضحك؟ فأجبته بأنني لا أستطيع قبول العرض، ليس من باب التفاوض، ولكن لأنني معتاد على مستوى معيشي معين، ولن أتمكن من العيش بهذا الراتب في نيويورك، خاصة مع الضرائب، وأنا متزوج.
فقال لي دعنا نرى ما يمكننا فعله، وبدأ في إجراء اتصالات مع الشركاء في تلك الليلة وفي صباح اليوم التالي، قبل ذهابي إلى المطار، اتصل بي وأخبرني أنه تمكن من رفع العرض إلى 35 ألف دولار سنويًا عندها وافقت.
عدت إلى أبوظبي، ولم أكن أعلم ما الذي ينتظرني وعندما أخبرت الشخص من مؤسسة «كيدر» أنني متجه إلى «مورجان ستانلي»، أخبرني أن هذا بنك عظيم وهنأني.
وفي ذلك الوقت، كان يُنظر إلى «مورجان ستانلي» باعتبارها المؤسسة الأبرز، قبل بروز مؤسسات أخرى بالشكل الحالي.
بعد أيام، سألني متى تنوي المغادرة؟ فأخبرته أنني سأغادر في نهاية ديسمبر، إذ كان يتبقى لي نحو شهر.
كانت زوجتي تعمل أيضًا في أبوظبي بإحدى شركات البترول، وطلبت منها تقديم استقالتها وعندما فعلت استغرب زملاؤها القرار وقالوا لها: هل أنتم مجانين؟ تتركون هنا لتذهبوا إلى أمريكا وتدفعوا ضرائب باهظة وتعيشوا في أجواء صعبة وباردة، لكننا قررنا المضي قدمًا.
لاحقًا، استدعاني المدير وقال لي: أنت ذاهب للعمل وسط الأمريكان فجميعهم متعلمون أفضل منك وأكثر كفاءة، هنا أنت مميز لأن المنافسة محدودة، لكن هناك ستعمل وسط خريجي جامعات مثل «هارفارد» و«ستانفورد»، وسيكونون منافسين أقوياء للغاية.
● حازم شريف: أسوأ شيء يمكن أن يُقال لك في تلك المرحلة؟
حسين شكري: قلت له سأخوض التجربة، ولكن فاجئني بعرض مالي ضخم تضمن مضاعفة راتبي من 50 ألف دولار، إلى 100 ألف، وسيارة مرسيدس خاصة بي، وأراني مكتبي الجديد والسكرتارية الخاصة وقال لي اعتبارًا من الغد ستكون نائب مدير الشركة.
بالنسبة لي آنذاك، كان هذا عرضًا ضخمًا للغاية، خاصة أنني عندما التحقت بهذه الشركة في البداية كان راتبي أقل من ألف دولار شهريًا.
● حازم شريف: وكل هذا تحقق خلال عامين؟
حسين شكري: خلال عامين ونصف تقريبًا، بعد ذلك قلت له دعني أفكر لكنني أعطيت كلمة لمورجان ستانلي، فأخبرني أنه يمكنه التواصل معهم، جلست أفكر أنا وزوجتي وفي النهاية قررنا أن هذا العرض لا يمكن رفضه.
ذهبت إلى المكتب، وتسلمت مهامي الجديدة والمسمى الوظيفي الجديد، لكنني شعرت وكأنني أجلس على «شوك»، لم أكن مرتاحًا على الإطلاق.
بعد يومين أو ثلاثة وفي اليوم الرابع تحديدًا ذهبت إليه وطلبت منه أن أرحل وأخبرته أنني لا أشعر بالراحة وقد اتخذت قراري حتى لو عرض علي مليون دولار سنويًا، فأنا أرغب في التعلم والحصول على تلك الفرصة.
وافق بعد ذلك لكنه أخبرني بأن الخروج ليس سهلاً كالدخول، فسألته عن المطلوب لكي أستطيع الرحيل فأشار بضرورة أن نجد بديلًا لي في العمل.
كان من المفترض أن أغادر في نوفمبر لكنني غادرت في شهر أبريل، وقد انتظروني «مورجان ستانلي» وتفهموا الموقف.
وطلبت منه أن يتواصل معهم وهذا ما حدث بالفعل فقد اتصل بهم أمامي وقال نصًا «نحن بحاجة إلى حسين، فهو شخص متميز، لكن لا يمكننا الاستغناء عنه بهذه السرعة، يجب أن تتحلوا بالصبر حتى نجد بديلًا له، وأنا أنصحكم بالتعاون معنا»، وقد وصلت إلى نيويورك في أوائل يونيو عام 1980.
● حازم شريف: التحقت بالعمل هناك على أقل درجة وظيفية؟
حسين شكري: كان لديهم نظام واضح، حيث يحصل الموظف على أول درجة بعد 4 سنوات ونصف إلى خمس سنوات، وهي المرحلة الفاصلة بين الاستمرار أو المغادرة فمن لا يترقى خلال هذه المدة تكون كأنها بمثابة رسالة واضحة بأنه لا يملك مستقبلًا داخل المؤسسة.
عندما التحقت، أخبروني أنني سأبدأ كـ «Associate First year»، (بمعنى موظف مبتدئ في سنته الأولى) فاعترضت وأخبرتهم بأن هذا غير منطقي فقد عملت عامين في مصر وثلاثة أعوام في أبوظبي، ولا يمكن تجاهل هذه الخبرة، وبناءً على ذلك، تم احتساب خبرتي وبدأت كـ”Associate» (موظف مشارك أو مساعد وهي رتبة وظيفية تأتي عادةً بعد فترة التدريب أو كأول درجة وظيفية رسمية للخريجين الجدد أو ذوي الخبرة البسيطة).
● حازم شريف: وكم كان أمامك من الوقت لإثبات نفسك؟
حسين شكري: 3 أعوام.
منحوني مكتبًا خاليًا وهاتفًا، وبدأت في التواصل مع الأشخاص الذين تعرفت عليهم خلال فترة عملي في أبوظبي، واعتمدت على نفسي بشكل كامل.
كنت أتواصل مع العملاء بهدف تنفيذ عمليات تمويل للشركات هناك، وبما أن «مورجان ستانلي» لم يكن يقدم قروضًا مباشرة، كنت أعمل على تدبير التمويل من جهة، وتوجيهها إلى المقترض من جهة أخرى، من خلال إعداد هياكل تمويلية تربط بين الأطراف المختلفة.
وأول صفقة نفذتها بمفردي كانت عملية تمويل بقيمة 15 مليون دولار، وذلك فور وصولي تقريبًا، وقد اعتمدت على الاتصالات الهاتفية وأعددت مذكرة معلومات، ثم تواصلت مع المدير وطلبت توقيع عقد القرض في لندن.
كنت قد نجحت في إشراك 3 بنوك كبرى ساهم كل منها بخمسة ملايين دولار، ليصل إجمالي التمويل إلى 15 مليون دولار، وفي عام 1980 فوجئت بأنهم يمنحونني مكافأة (Bonus) حيث تسلمت شيكًا بقيمة 18 ألف دولار، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت.
وفي العام التالي، نفذت صفقة تمويل مع بنوك من البحرين بقيمة 40 مليون دولار لصالح بنك في البرازيل، كنت قد تعرفت على الأخير خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي عندما سافرت وأنا موجود في أبوظبي في سبتمبر 1979.
وكان هذا البنك مملوكًا لعائلة بعد ذلك ذهبت أنا ومديري لزيارتهم، وقضينا نحو 10 أيام في البرازيل.
وبالتالي، كنت في نيويورك، والمقترض في البرازيل، والممولون في البحرين، وفي ديسمبر 1981 أبلغوني بترقيتي إلى منصب نائب رئيس وقد استغرق ذلك مني عامًا ونصف العام، فيما بعد ثلاث سنوات وصلت إلى منصب العضو المنتدب.
● حازم شريف: في أي عام حدث ذلك؟
حسين شكري: في يناير 1987، وبعد نجاحي في منطقة الشرق الأوسط، حصلت على مسئوليات أكبر ففي عام 1986 بدأت العمل في تركيا، ثم قرروا افتتاح مكتب هناك خلال عام 1988.
وبعد ذلك، طُلب مني التوجه إلى جنوب شرق آسيا، فبدأت العمل في الهند وباكستان، وفي عام 1990 تم تكليفي بالعمل في أمريكا اللاتينية، إذ عملت في الأرجنتين وفنزويلا والمكسيك والبرازيل، واستمر عملي هناك من عام 1990 حتى 1993.
كانت وتيرة العمل مكثفة للغاية، لدرجة أنني كنت أستيقظ أحيانًا ليلًا دون أن أعرف في أي دولة أنا، وأختلطت عليّ أرقام الغرف.
وخلال فترة وجودي في نيويورك، تعرفت على مجموعة من المصريين الذين أسسوا جمعية رجال الأعمال المصريين في الشمال الأمريكي وكان رئيسهم هو الدكتور محمود وهبة، وكذلك الدكتور محمد يونس، والدكتور حسين شاهين، مؤسس مستشفى دار الفؤاد والذي افتتح مكتبًا له في مصر، إلى جانب شاكر خياط والذي شارك في شركة سمسرة مع البنك الأهلي وآخرين.
وفي عام 1992، جاء هذا الفريق في زيارة إلى القاهرة ورافقتهم خلال تلك الزيارة التي استمرت أسبوعًا وخلالها شاهدت التغيرات التي كانت تشهدها مصر، خاصة صدور قانون سوق المال، وقد التقينا مع رئيس الوزراء آنذاك الدكتور عاطف صدقي والذي شرح لنا الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة.
قبل ذلك عندما كان يسألني البعض عن العودة إلى مصر، كنت أجيب بأن المجال الذي أعمل فيه غير موجود في السوق المحلية لكن بعد تلك الزيارة، أدركت أن هناك فرصة.
وبناءً على ذلك، اتخذت قراري في منتصف عام 1993 بالعودة إلى مصر، وعدت بالفعل في يوليو من العام نفسه، حيث استأجرت مكتبًا وبدأت عملي من هناك.
● حازم شريف: هل كان قرار العودة إلى مصر سهلًا؟
حسين شكري: من وجهة نظري الآن، كان قرارًا صائبًا بنسبة %100.
لكن في ذلك الوقت، لم يكن القرار سهلًا على الإطلاق فقد كان دخلي في نيويورك مرتفعًا جدًا، وكنت أعيش ما يُعرف بـ «الحلم الأمريكي»، حيث كنت أقيم في مانهاتن، وأمتلك منزلًا صيفيًا في لونج آيلاند على المحيط، وكان لدي ابن يبلغ من العمر 11 عامًا في عام 1993، يدرس في مدرسة خاصة في نيويورك.
وكان القرار مرتبطًا بالتوقيت أيضًا فإما أن أعود في ذلك الوقت أو تصبح العودة أكثر صعوبة لاحقًا لذلك، تركت كل ذلك دون أن أكون متأكدًا مما ينتظرني في مصر.
وأذكر أنه في عام 1993 عندما كنت قد قررت أن أتقدم باستقالتي، صادف أنني كنت في مكتب رئيس البنك يوم الجمعة في الساعة الخامسة مساءً وعندما سألني عن أحوالي، فأجبته بأنني بخير، ثم أخبرته أنني أنوي تقديم استقالتي يوم الإثنين.
فقال لي: لا تفعل ذلك سأراك صباح الاثنين وبالفعل ذهبت إليه في هذا اليوم وحاول إقناعي بالبقاء، وأخبرني بضرورة عدم مغادرتي للبنك.
واقترح عليّ إذا كنت أرغب في العودة إلى مصر، أن أذهب وأفتتح مكتبًا لـ«مورجان ستانلي» هناك، مع دفع راتبي الذي أحصل عليه في نيويورك نفسه.
لكني رفضت، وأخبرته بأني أريد أن أعمل بشكل مستقل، وأن أضع اسمي على لافتة فقد كنت أريد أن أبدأ دون أن أعتمد على اسم المؤسسة، وأرى إن كان العملاء سيأتون أم لا.
فقال لي: حسنًا، سأفعل شيئًا لك، ثم استدعى أحد مساعديه وطلب منه كتابة خطاب يفيد بأن «مورجان ستانلي» سيصبح شريكا بنسبة %10 في أي مشروع أقوم به في مصر.
أخبرته أنني مُحب للبنك وأن ذلك ليس ضروريًا، لكنه أصر وأعطاني الخطاب فاحتفظت بهذه الورقة دون أن أستخدمها لمدة ثلاث سنوات.
عدت إلى مصر عام 1993، وعملت بشكل مستقل ثم في عام 1996 أسست شركتي، وظللت أعمل بمفردي لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يدخل «Morgan Stanley» كشريك بنسبة %30 في عام 1999.
عملت بشكل جيد، والدليل على ذلك أنهم قرروا الدخول كشركاء معي، وفي ذلك الوقت استثمروا 2 مليون دولار مقابل %30 من الشركة، وذلك في صورة زيادة لرأس المال.
وعندما تم تقييم الشركة بنحو 18 مليون جنيه، كان ذلك يمثل قفزة كبيرة بالنسبة لي، كما أن دخولهم كشريك معي كان أمرًا استثنائيًا، إذ لم يكن من المعتاد أن تشارك المؤسسة مديرًا يعمل لديها بهذه الطريقة.
وكانت لديهم ثقة مطلقة فيما أقوم به، وكانوا على يقين بأنني سأحافظ على علامتهم التجارية كما أحافظ على اسمي.
● حازم شريف: عدت إلى مصر عام 1993 مدفوعًا بالتغيرات التي كانت تشهدها البلاد، وهي تغييرات سنتناولها لاحقًا في هذه الحلقة، لأنها أسهمت في عودة عدد كبير من الكفاءات المصرية من الخارج لتأسيس شركات في مجالات مختلفة، حتى إن بعضهم لم يكن يعمل في سوق المال من قبل، مثل المهندس حمدي رشاد.
بعد عودتك ماذا فعلت تحديدًا حتى وصلت إلى تأسيس شركتك في 1996؟
حسين شكري: في البداية، وتحديدًا في عام 1995، أسست شركة صغيرة للاستشارات المالية، وقدمت من خلالها عددًا من الخدمات الاستشارية، بهدف التعرف على السوق وبناء شبكة علاقات، وفي العام نفسه تقدمت للحصول على ترخيص وحصلت عليه بالفعل في عام 1996.
● حازم شريف: هل كنت تنوي منذ البداية العمل في سوق المال؟
حسين شكري: بشكل عام نعم، لكن فهمي للسوق أصبح أعمق بعد عودتي إلى مصر.
لم يكن لدي في البداية ترخيص لمزاولة نشاط السمسرة، بل كان نشاطي يقتصر على الترويج وتغطية الاكتتابات وإدارة الأموال، وأتذكر أنني دفعت رأسمال يقارب 9 ملايين جنيه في عام 1996، وبعد ذلك قمت بشراء شركة سمسرة قائمة.
في البداية، استأجرت مكتبًا في مركز التجارة العالمي، ثم توسعت لاحقًا حتى وصلنا إلى نحو ألف متر مربع وخلال ذلك علمت بوجود شركة تداول داخل المبنى نفسه.
● حازم شريف: وما اسم هذه الشركة؟
حسين شكري: كانت مملوكة لشريكين أحدهما البرديسي رحمه الله، والآخر خالد عبد الخبير، فقمت بشرائها بدلًا من التقدم للحصول على ترخيص جديد.
وقد كان مقرها في الطابق التاسع عشر، بينما كانت مكاتب شركتي في الطابقين الثاني والثالث عشر، وقمنا لاحقًا بربط خطوط الهاتف داخليًا بيننا في عام 1999، وأصبح لديّ شركة سمسرة.
● حازم شريف: كيف بدأت فعليًا في السوق، خاصة أنك لم تمكث في مصر فترة طويلة قبل السفر؟
حسين شكري: بدأت من الصفر فقد كنت أعتمد على دليل الهاتف، أبحث عن الأسماء وأتواصل مع أشخاص لا أعرفهم، وأعرفهم بنفسي وأطلب تحديد مواعيد لعقد لقاء وبالفعل قابلت عددًا كبيرًا من الأشخاص بهذه الطريقة.
● حازم شريف: هل كان الهدف إدارة محافظ وصناديق استثمار؟
حسين شكري: في البداية ركزت على نشاط بنوك الاستثمار، ثم إدارة محافظ أوراق مالية، وبعد ذلك السمسرة، ثم لاحقًا إدارة الصناديق، وأول صندوق استثمار توليناه كان في عام 2005.
● حازم شريف: قبل ذلك، هل كنتم تعملون على إدارة المحافظ؟
حسين شكري: نعم، كنا نحاول لكن لم نوفق في البداية ومع ذلك عندما تعمل بشكل صحيح تأتيك الفرص.
ونسيت أن أذكر لك أنه عندما علم البعض بعودتي إلى مصر، تواصل معي أحد المسئولين في البنك الأهلي، وهو الراحل محمد مدبولي، الذي كان مدير إدارة الاستثمار آنذاك، وذلك بناءً على ترشيح من الأستاذ محمود عبدالعزيز، رحمه الله، الذي كان يعمل في إدارة الائتمان.
● حازم شريف: هل كانت لديك معرفة سابقة به؟
حسين شكري: لا، لم تكن لديّ معرفة سابقة لكن كما ذكرت في مقدمة الحلقة عن الطيور المهاجرة التي عادت والأنباء انتشرت سريعًا فبادروا بالتواصل معي، وكان لديهم اهتمام بالعمل المشترك.
وبالفعل، شاركت معهم في تأسيس شركة الأهلي لصناديق الاستثمار، ودخلت شريكًا بنسبة %20.
● حازم شريف: هل كان ذلك بصفتك الشخصية أم من خلال شركتك؟
حسين شكري: كان ذلك بصفتي الشخصية، إذ لم تكن شركتي قد تأسست بعد، وكان ذلك في عام 1994.
● حازم شريف: وهل توليت الإدارة؟
حسين شكري: لا، تم تعيين شخص يدعى فريد إبراهيم وحصل على نسبة %20 بينما كنت أنا عضوًا في مجلس الإدارة وكان رئيس الشركة هو الأستاذ عبد المنعم رشدي، الذي كان يشغل أيضًا منصب رئيس البنك، ولقد استمرت شراكتي معهم لمدة عامين، ثم قاموا بشراء حصتي.
وفي عام 2005، حصلت على إدارة صندوق تابع لبنك مصر.
● حازم شريف: لديّ سؤال، وأرغب في صياغته بشكل غير مستفز عندما ننظر إلى منتصف التسعينيات، نجد مجموعة من الأسماء والشركات وعددهم حوالي 7 كيانات كانت تمثل محور السوق، مثل «إي إف جي» و«هيرميس» قبل الاندماج، و«كونكورد».
حسين شكري: كيف تفسر أن شركتكم لم تَنْمُ بالوتيرة نفسها مثل بعض الشركات الأخرى، رغم خبراتك الكبيرة، ولماذا لم يحدث نمو هائل كما كان متوقعًا؟
حسين شكري: في الواقع، شهدنا نموًا كبيرًا حتى عام 2008، لكن دعني أوضح نقطة مهمة لكي نضع الأمور في نصابها الصحيح فأنا طوال مسيرتي لم يكن هدفي أن أكون الأكبر حجمًا أو أن أدير شركة ضخمة، فإذا لم تكن على مقاسي لا أريدها.
طبيعتي تميل إلى الرغبة في السيطرة على شركة صغيرة أو متوسطة تعمل وفق رؤيتي، بدلًا من أن أكون مجرد شريك ضمن كيان كبير.
● حازم شريف: هل من الصعب السيطرة على شركة كبيرة؟
حسين شكري: الأمر ليس سهلًا، فالتوسع في الشركات الكبرى يتطلب زيادة في رأس المال، كما يستلزم إدخال شركاء جدد.
لقد كنت دائمًا أستند في نموذجي إلى تجربة مثل «Lazard»، التي تعتمد على مفهوم الكيانات المتخصصة الصغيرة (Boutique)، وهي كيانات محدودة الحجم، وللعلم حتى شركة «مورجان ستانلي» في بداياتها كانت تعمل بهذا الأسلوب قبل أن تتوسع لاحقًا.
وعندما التحقت بـ”مورجان» في البداية، كانت تعمل بهذا النهج لكن الشركة لم تواجه الظروف نفسها التي واجهناها هنا إذ تمكنت من تحقيق نمو اعتمادًا على قوة دفع ذاتية داخل سوق تتوسع وتتيح فرصًا متزايدة، أما نحن، ففي كل فترة تظهر تحديات تعيق هذا النمو.
وعند الحديث عن رأس المال، يجب الإشارة إلى أنني لم أتلقَّ دعمًا من أي جهة سوى «مورجان» في البداية.
وفي النهاية، هذا هو رأسمالي الخاص فعندما تمكنت من تنميته من 10 ملايين جنيه إلى ما بين 400 و500 مليون جنيه، فهذا يُعد نجاحًا حقيقيًا والأهم من ذلك هو الحفاظ على الاسم والسمعة والأداء، بحيث لا يُؤخذ علينا أي شيء.
ونحن اليوم اتممنا الـ 30 عامًا ولم نتعرض لأي غرامة وهو ما أعتبره علامة جودة أساسية، فقد كانت «مورجان» تتبني شعارًا وهو قدم أعمالًا من الدرجة الأولى بطريقة متقنة لا غبار عليها، وهذا هو ما يصنع ثقة الآخرين فيك وهذا ما تعلمته، وكان لا بد أن ألتزم به منذ البداية.
أتذكر أن مديري قال لي بعد ثلاثة أيام فقط من التحاقي بالعمل في البنك: يا حسين، أريد أن أخبرك بشيء حتى لا تُصاب بالصدمة، ثم أوضح لي أن الأشخاص الذين ينضمون في مثل سني آنذاك، أي في حدود التاسعة والعشرين غالبًا لا ينجحون بسهولة لأنهم يكونون قد تشكلوا بالفعل، على عكس من يتم إعدادهم منذ التخرج.
وأضاف حينها أن الأمر مختلف عندما يتم استقطاب خريجًا جديدًا ثم يذهب للحصول على ماجستير إدارة الأعمال (MBA)، وبعد ذلك يعود إليهم وقد تشكل وفق منهج معين، ثم أخبرني أنني لست كذلك وأنه يقول لى هذا الأمر حتي لا أشعر بالإنزعاج.
فأجبته: ما أعدك به هو أن أبذل كل ما في وسعي وإن نجحت فذلك خير وإن لم أنجح فليست نهاية العالم، لقد عشت 30 عامًا دون «مورجان ستانلي» في حياتي، وأعتقد أنني قادر على العيش ثلاثين عامًا أخرى بدونها، فلا تظن أن الأمر سيؤثر عليّ لكنني سأبذل أقصى ما أستطيع.
وبعد عامين، عاد الشخص نفسه ليقول لي أنت و«مورجان ستانلي» كأنكما يد واحدة داخل قفاز، فأنت من النوعية التي نبحث عنها.
وكان هذا الانضباط نابعًا من تربيتي وتعليمي، ومن طبيعتي الشخصية أيضًا، فوجدت نفسي منسجمًا مع بيئة العمل التي تسير فيها الأمور بشكل صحيح.
والحمد لله، لم نتعرض لأي غرامة طوال ثلاثين عامًا في حين أن العديد من المنافسين تعرضوا لغرامات أكثر من مرة لذلك لم يكن حجم الشركة هو شاغلي الأكبر، بل الأهم بالنسبة لي هو أن أعمل في البنك الذي يناسبني، وبالثقافة التي أؤمن بها، وبالأسلوب الذي أرتاح له، وأن أرى كيف تسير العلاقات داخله وهذا هو ما حرصت على تحقيقه.
وحتى اليوم، كل من ينضم للعمل معنا يؤكد أن العلاقات داخل البنك متميزة للغاية، وربما لا يوجد ما يشبهها في مصر، فالجميع يتعامل مع بعضه البعض باحترام وتقدير.
● حازم شريف: ما الذي يميز لبيئة العمل عندكم؟
حسين شكري: ما يميز بيئة العمل لدينا هو غياب الصراعات، فالجميع يتعامل بشكل جيد ومن لا يُحسن معاملة زملائه، فلا مكان له بيننا فأنا لا أريده، لأنه لابد أن يكون الأسلوب في التعامل مقبولًا ومنضبطًا، وهو لا يقل أهمية عن المهارات الفنية.
أما فيما يتعلق بالحجم، فلو سارت الأمور كما كنت أتوقع لكان حجمنا أكبر بكثير بدليل أنه في عام 2008 قمت بشراء قطعة أرض لإقامة المبني في القرية الذكية.
● حازم شريف: كان لديك توقعات حينها بأنكم مقبلون على مرحلة جديدة وكبيرة.
حسين شكري: نعم، فقد كان المبنى الذي قمنا بإنشائه يستوعب نحو 500 موظف، وهو ما يعكس رؤيتي في عام 2008 بأننا نسير في هذا الاتجاه.
وكنت أعمل سنويًا على زيادة رأس المال، إلى جانب إدارة الأعمال بشكل متواصل حتي وصلت خلال أربع أو خمس سنوات إلى إدارة أصول تُقدر بنحو 10 مليارات جنيه.
فمنذ حصولي على أول صندوق في عام 2005 وحتى عام 2010، تمكنت من الوصول إلى إدارة هذا الحجم من الأصول.
ولكن الظروف قد تغيرت، وظهرت مستجدات لم تكن في الحسبان، فقد سبقت ثورة عام 2011 الأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009، وكان لها تأثير كبير.
لقد أثرت هذه الأزمة بشكل واضح على السوق، حيث تغيرت تقييمات الشركات المالية بعد عام 2009 مقارنة بما كانت عليه من قبل.
وسأذكر لك أمرًا قد يبدو مفاجئًا ففي عامي 2006 و2007، تم تقييم شركة «إتش سي» بنحو 140 مليون دولار ضمن إحدى الصفقات وإذا قمنا بتحويل هذا الرقم وفقًا للقيم الحالية، فقد يصل إلى نحو 7 مليارات جنيه.
ولكن هل الشركة الآن تحقق أرباحًا تمكنها من الوصول إلى هذا الرقم، اكيد لا، إذ إن هذا التقييم كان قائمًا على نتائج تلك الفترة ومضاعفاتها، حيث كانت السوق تشهد حالة من الازدهار الشديد، وكانت المؤشرات ترتفع بوتيرة سريعة يصعب مجاراتها.
● حازم شريف: إذا كان الشيء بالشيء يُذكر، كنت قد استضفت هشام أكرم الرئيس التنفيذي لشركة جرانيت للاستثمارات المالية، قبل حلقتين، وكنا نتحدث عن صفقة «بلتون» العرضين اللذين لم يقبلا من «جولدمان ساكس» و«دويتش بنك»، والذي تراوح وقتها بين 175 و185 مليون دولار، وهو ما يعكس طبيعة الأرقام في تلك الفترة.
حسين شكري: نعم، بالفعل وقد كانت هناك حصة معروضة للبيع من شركتي، تم تقييمها آنذاك بنحو 140 مليون دولار، ورفضت البيع.
رفضت لأنني أرى أن هذه شركتي وهي مهنتي التي اخترتها أنا لا أعمل بهدف البيع ثم الانتقال إلى نشاط آخر، ثم جاءت ثورة عام 2011 وتبعتها ظروف أخرى لم تكن مواتية لنمو بنوك الاستثمار.
● حازم شريف: لتوضيح الأمر للجمهور، أرى أن ذلك له علاقة أيضًا بهدفك الشخصي.
حسين شكري: نعم، ولكن هناك شركات أخرى وجميعها محترمة، اتجهت إلى مجالات مختلفة مثل الخدمات المالية غير المصرفية، باعتبار أنهم لم يجدوا أنفسهم في هذا المجال وأنا لا أنتقد هذا التوجه على الإطلاق.
لكن هذا ليس ما تعلمته فلم أتعلم العمل في مجالات مثل التمويل الاستهلاكي، ولا أرغب في الدخول فيها، حتى وإن كانت تحقق عوائد كبيرة، لأنها ببساطة ليست مجالي.
أنا تعلمت تخصصًا محددًا، وأسعى إلى الاستمرار فيه وتقديمه بأفضل شكل ممكن، ويمكنني أيضًا تطوير نفسي، وإضافة منتجات مالية أفهمها وأجيدها، وهذا هو ما أعمل عليه بالفعل.
● حازم شريف: بعد السنوات العجاف التي أعقبت عام 2011، هل نحن مقبلون على مرحلة تحمل بصيصًا من الأمل؟
حسين شكري: أتمنى ذلك لكن هل كانت إجاباتي مُقنعة؟!
● حازم شريف: أرى أن إجابتك ترتبط بتركيبة شخصيتك، وأهدافك في مرحلة معينة من حياتك هي التي حددت مسار الشركة بهذا الحجم وبهذه الجودة، لكنني على سبيل المثال لم أرك يومًا تطبق نظام «Stock Options» للموظفين؟
حسين شكري: لا، من قال لك ذلك؟! فهذا النظام موجود بالفعل، وهناك من استفاد منه وحقق عوائد كبيرة.
● حازم شريف: ومن أين جاءت هذه العوائد؟ هل كان هناك سيناريو تخارج؟
حسين شكري: نحن لا نخطط لبيع الشركة، فهي كيان خاص غير مدرج في البورصة لكننا طبقنا نظامًا يُعرف بـ”Shadow Stock Option Plan».
في البداية، جربنا نموذجًا ولم يصلح حيث قمنا بتوزيع أسهم فعلية على الموظفين، لكن كان الجميع يعود لبيعها لي مرة أخرى.
وكان الهدف من ذلك هو ربط الموظفين بالملكية وتعزيز شعور الشراكة والانتماء لتحفيز الأداء، لكن التجربة أظهرت أن الأسهم تعود في النهاية لى مرة أخري، لذلك توصلنا إلى أن يكون الأمر في صورة مكافآت مالية من خلال «Shadow Stock Option Plan» إذ يحصل الموظفون على عوائد الأسهم دون أن تكون مملوكة لهم فعليًا، وقد قمنا بالتوزيع لأكثر من مرة.
● حازم شريف: هل سبق أن أدخلت شركاء معك في الشركة؟ بخلاف تجربة «مورجان»، التي تُعد قصة منفصلة؟
حسين شكري: عندما قرر بنك «مورجان ستانلي» الخروج، دخل معنا البنك الأهلي السعودي وهو من أكبر البنوك في المملكة العربية السعودية، وكان يمتلك نحو %30 من الشركة.
لكنهم دخلوا خلال فترة صعبة في عام 2008، واستمروا معنا نحو 11 عامًا ثم قرروا التخارج وقمت أنا بإعادة شراء حصتهم، وكان موقفهم واضحًا حيث أكدوا أنه لا يوجد من هو أولى مني بشراء هذه الحصة.
فقد كانت العلاقة بيننا جيدة للغاية وتمت عملية التخارج بشكل راقٍ دون أي خلافات، وبذلك، عدت لامتلاك %100 من الشركة.
أما فيما يتعلق بالأرباح، فأنا لا أحصل على أي جنيه إلا بعد أن يحصل الموظفون على حقوقهم أولًا.
● حازم شريف: من هم الكوادر الذين خرجوا من الشركة باعتبارها مدرسة في هذا المجال؟
حسين شكري: بالفعل، هناك عدد كبير من الكفاءات التي خرجت من الشركة وحققت نجاحات ملحوظة، منهم علاء السيسي، الذي كان رئيسًا لقسم البحوث لدينا، وأصبح لاحقًا عضو مجلس إدارة في البنك الأهلي.
وكذلك عمرو أبو العنين، وشوكت المراغي الذي كان عضوًا منتدبًا لقطاع السمسرة، وعمر رضوان الذي عمل معنا لمدة 12 عامًا، وهو حاليًا يعمل في بلتون.
كما أن نهى غزالي، التي عملت معنا لمدة 10 سنوات منذ تخرجها من الجامعة، أصبحت تدير صندوقًا تابعًا لشركة «ميدتريان»، وتشغل عضوية مجلس إدارة في شركة راية، وكذلك في شركة ثاندر، وتُعد من بين أقوى 100 شخصية نسائية في العالم العربي.
وهناك أيضًا محمود سليم، الذي شغل منصب رئيس قطاع بنوك الاستثمار لمدة 10 سنوات، ثم أسس شركته الخاصة مع طارق منيب، بالإضافة إلى وائل الحتو، الذي عمل في قطاع بنوك الاستثمار لدينا، ثم أصبح CFO في القابضة الكويتية.
هذا إلى جانب إسماعيل شكري والذي لا تربطني به صلة قرابة ويعمل حاليًا بشكل مستقل في دبي، وأيضًا معتز القنديل الذي عمل معنا في القاهرة، وأصبح رئيسًا لشركة تعدين أسترالية كبرى وناجحة.
● حازم شريف: أنت تري أن النمو في السوق المصرية كان محدودًا خلال السنوات العشر الماضية منذ عام 2008، أما الآن فهناك أدوات مالية جديدة ورخص يتم إصدارها كيف ترى ذلك؟ وكيف يمكنكم الاستفادة منه؟
حسين شكري: نحن في وضع جيد جدًا يسمح لنا بالعمل مع هذه الأدوات المالية الجديدة، إذ نمتلك المعرفة والخبرة اللازمة، كما أننا حاصلين على رخصة Short Selling، أما فيما يتعلق بالمشتقات المالية فلم نتقدم لها بعد، لكننا نعتزم التقدم للحصول عليها.
وفيما يخص هذه المجالات، نحن في وضع قوي يؤهلنا للعمل والانضمام إلى أوائل الشركات التي تستفيد من تلك الأدوات المالية الجديدة.
أما بالنسبة للـ(Ranking)، فهو مفيد إلى حد ما لكن الأولوية الأولى بالنسبة لي هي تحقيق الربحية لأن تحقيق ترتيب متقدم دون تحقيق أرباح يُعد أمرًا بلا قيمة حقيقية.
● حازم شريف: للعلم، الـ(Ranking) هو خاص بشركات الوساطة يصدر شهريًا لترتيب الشركات طبقًا لحجم الأعمال والتداول.
حسين شكري: في الحقيقة، الجزء الذي لم نتوسع فيه هو تداول الأفراد، والذي مثلا خلال عام 2025 حوالي %68 من إجمالي التداول بالبورصة.
الأفراد والتداول معناه التمويل، ما يفرض ضرورة أن تتم هذه العمليات بحسابات دقيقة، وليس من خلال تمويل ينطوي على مخاطر مرتفعة في السوق قد تؤدي لاحقًا إلى مشكلات.
فنحن لا نمتلك جهة إقراض تدعمنا في حال حدوث أزمة، ولذلك نعتمد دائمًا على الانضباط والعقلانية في اتخاذ القرار، وهو أمر نابع من إدراكنا لحجم إمكانياتنا، فالبنك عندما يواجه صعوبات يمكنه اللجوء إلى المركزي، أما نحن فلا يوجد لدينا هذا الخيار.
● حازم شريف: وهذا كان سببًا في عدم التوجه إلى نشاط الأفراد.
حسين شكري: نعم، ومع ذلك نحن ضمن العشر الأوائل في قطاع المؤسسات والمستثمرين الأجانب.
لكن نشاط الأفراد هو ما يجعل ترتيبنا يبدو متأخرًا نسبيًا، وهو أمر لا يزعجني، لأنني أفضل أن أموّل أعمالي وفقًا لإمكانياتي، لا وفقًا لإمكانيات المنافسين.
● حازم شريف: ذكرت أنه في عام 2008 كنتم تديرون أصولًا بقيمة 10 مليارات جنيه؟
حسين شكري: حاليًا، ندير أصولًا تُقدر بنحو 7 مليارات جنيه، فقد انتقلت بعض الصناديق التي كنا نديرها لحساب بنوك قامت بتأسيس شركات تابعة لها واسندتها إليها، وهو أمر طبيعي رغم صعوبته، كما أن بعض الصناديق خرجت نتيجة تغير الإدارات داخل البنوك، وهو أمر وارد في السوق.
● حازم شريف: هل هذه الأصول في صورة محافظ أم صناديق؟
حسين شكري: كلاهما، لكن النسبة الأكبر في الصناديق، ونحن نعمل حاليًا على عدد من الأفكار التي ستخرج إلى النور قريبًا.
● حازم شريف: هل تقصد تأسيس صناديق جديدة؟
حسين شكري: نحن نبحث مع عدد من الجهات لتأسيس صناديق استثمارية جديدة.
وأود أن أشير إلى نقطة مهمة وهي أنه بحسب الإحصائيات يبلغ إجمالي حجم الصناديق في مصر نحو 245 مليار جنيه، منها حوالي 207 مليارات أسهم صناديق نقدية أي بما يمثل نحو %85 في حين لا تمثل صناديق الأسهم سوى نسبة %6 فقط.
وخلال العامين الأخيرين، تم إطلاق 3 صناديق أسهم بإجمالي 153 مليون جنيه، مقابل إطلاق عدد من الصناديق النقدية بإجمالي 3.5 مليارات جنيه.
وهذا يعكس ضعف الإقبال على الاستثمار في الأسهم، في مقابل أن أغلب الصناديق التي أطلقت كانت النقدية التي تستخدم المنصات الرقمية في جمع الأموال.
في السابق، كان التوزيع يتم عبر البنوك لكن اليوم لم يعد ذلك ضمن أولوياتها، كما أن طبيعة الودائع لديها لم تدفعها للاهتمام الكافي بهذا النوع من المنتجات، وهو ما انعكس على محدودية نموها.
ومن وجهة نظري، فإن الطفرة الحقيقية جاءت نتيجة ظهور المنصات الرقمية، ونحن نعمل بالفعل مع عدد من هذه الجهات.
● حازم شريف: هل تعملون على استخدامها كمنصات توزيع كما تفعل باقي الشركات حاليًا؟
حسين شكري: نعم.
● حازم شريف: من أين سيأتي النمو خلال الفترة المقبلة، خاصة مع مرور 30 عامًا على تأسيس الشركة؟
حسين شكري: في رأيي أرى أن النمو سيأتي بشكل أساسي من إدارة الاصول «Asset Management»، حيث نراهن على تقديم منتجات جديدة.
أما قطاع بنوك الاستثمار «Investment Banking»، فلدينا عدد من الصفقات التي نعمل عليها حاليًا، لكنها لا تزال في مرحلة التنفيذ، ولذلك لا يمكنني الإفصاح عن تفاصيلها في الوقت الحالي، لكن سيتم الإعلان عنها قريبًا.
● حازم شريف: كم عدد الصفقات التي نفذتموها خلال العام الماضي؟
حسين شكري: لم ننفذ صفقات جديدة فيما يتعلق بنشاط بنوك الاستثمار خلال العام الماضي، نظرًا لاستمرار العمل على صفقات بدأت منذ 2024.
لدينا حاليًا ما بين 4 إلى 5 صفقات في صورة اتفاقيات مساهمين، تم توقيع بعضها بالفعل، فيما يقترب البعض الآخر من مرحلة التوقيع.
وقد لاحظت أن تنفيذ الصفقات في مصر أصبح يستغرق وقتًا أطول بكثير مقارنة بالسابق، لكننا سنعلن عنها قريبًا.
وعلى مدار السنوات الماضية، قمنا بالإعلان عن عدد كبير جدًا من الصفقات وبأحجام ضخمة، فيما يظل نشاط بنوك الاستثمار أحد الركائز الأساسية، إلى جانب السمسرة «Brokerage» الذي يواصل أداء دوره.
كما نُعد من أكبر المتعاملين في السندات الدولية «Eurobonds» في مصر، وهو ما يمنحنا حصة سوقية جيدة للغاية.
● حازم شريف: لكن هل يظهر الـ”Eurobonds» ضمن ترتيب شركات الوساطة؟
حسين شكري: لا، هذا النشاط لا يظهر ضمن الإحصائيات الخاصة بـ«الرانكينج».
● حازم شريف: وأنت سعيد بذلك؟
حسين شكري: نعم، لا أرغب في ظهورها.
فنحن مستمرون في أداء دورنا في أعمال الوساطة داخل منطقة الخليج ونشاط بنوك الاستثمار، حيث يأتي جزء مهم من النمو من هناك.
● حازم شريف: هل لديكم مكاتب في منطقة الخليج؟
حسين شكري: نعم، لدينا مكتب في دبي.
● حازم شريف: هل يحقق أداءً جيدًا؟ وكم يمثل من حجم العمليات؟
حسين شكري: نعم يحقق أداءً جيدًا، ونحن نسعى قدر الإمكان إلى تنفيذ عمليات لا ترتبط بالسوق المصرية، ولكن إذا كانت هناك صفقات لها علاقة بمصر، فنحن بالطبع نرحب بها.
ويعمل المكتب كوسيط بين أسواق الخليج المختلفة حيث يربط بين السعودية والإمارات، والإمارات للكويت، والكويت للسعودية، وهكذا.
● حازم شريف: وهل يعمل في مختلف الأنشطة؟
حسين شكري: لا، يتركز نشاطه في مجال بنوك الاستثمار.
● حازم شريف: فيما يتعلق بصفقات الاندماجات والاستحواذات التي عملتم عليها، هناك انطباع بأنه غير معروف لدى السوق أو لا يوجد إفصاح كافٍ عن حجم العمليات التي قمتم بها خلال الفترات الماضية، هل يمكن أن توضح لنا أبرز هذه العمليات؟ وما أحجامها؟
حسين شكري: بالطبع، هناك عدد من العمليات التي نفذناها خلال الأربع أو الخمس سنوات الأخيرة من أبرزها صفقة بحجم 304 ملايين دولار.
● حازم شريف: وماذا كانت تفاصيلها؟
حسين شكري:: كانت هذه الصفقة تتعلق ببيع شركة «كوكاكولا» في مصر، إلى «كوكاكولا هيلينيك» في اليونان.
وتُعد هذه العملية صفقة عابرة للحدود، حيث إن شركة «كوكاكولا» العالمية مستثمرة في جميع شركات التعبئة في مختلف الدول، وكانت تسعى إلى تقليل عدد هذه الكيانات التي يتعاملون معها من خلال إعادة هيكلة وتنظيم السوق، بحيث يكون هناك كيان واحد مهيمن في كل سوق.
ومن ثم، قمنا ببيع شركة التعبئة في مصر ونقلها إلى نظيرتها اليونانية في صفقة بلغت قيمتها 304 ملايين دولار.
● حازم شريف: في أي عام كان ذلك؟
حسين شكري: في عام 2023.
● حازم شريف: صفقة كبيرة بالفعل.
حسين شكري: بعد ذلك، عملنا مع شركة المراعي السعودية، حيث كنا مستشارين لهم في عملية شراء.
● حازم شريف: وماذا عن دوركم في الصفقة الأولى؟
حسين شكري: كنا مستشارين لعملية البيع، حيث عملنا مع الجانب المصري وبعنا إلى اليوناني.
أما بالنسبة لـ«المراعي»، فقد نصحناهم بشراء شركة مخبوزات في دبي بقيمة 25.5 مليون دولار.
● حازم شريف: هل تمت هذه الصفقة من مصر أم من مكتب دبي؟
حسين شكري: من دبي.
وفي عام 2020، أتممنا صفقة بقيمة 73 مليون دولار لصالح العميل جلف كابتال Gulf Capital وهو صندوق استثمار مباشر في أبوظبي، إذ استحوذ على شركة «ميتاميد Metamed» المتخصصة في المعامل.
كما نفذنا في عام 2019 صفقة لصالح «أبيكورب» للاستثمارات البترولية، بعد أن قمنا بشراء شركة لهم تعمل في خدمات البترول في الكويت ولم يتم الإعلان عن قيمة الصفقة رسميًا، لكنها بلغت نحو 24 مليون دولار، ولا تزال هذه الصفقة قائمة حتى اليوم والعميل سعيد بها.
وأود الإشارة إلى معلومة مهمة فهناك منصة تُدعى «Mergermarket» تقوم بإصدار تصنيفات لمستشاري صفقات الاندماجات والاستحواذات في العالم العربي.
ووفقًا لإحصائياتها خلال الفترة من 2006 إلى 2025، جاء ترتيبنا في المركز الثالث من حيث عدد الصفقات، حيث قمنا بتنفيذ 24 صفقة خلال هذه الفترة، بينما جاءت شركة «إي إف جي» في المركز الأول بـ34 صفقة، و«إرنست آند يونج» في المركز الثاني بـ25 صفقة.
● حازم شريف: هذا يعني أن التصنيف خاص بالأسواق الناشئة ويعتمد على عدد العمليات.
حسين شكري: نعم.
وأردت فقط التأكيد على أننا موجودون ونقوم بتنفيذ صفقات لكن ربما لا نظهر دعائيًا بالشكل الكافي.
● حازم شريف: بما أنك قد تطرقت إلى الأحجام، دعني أسألك ما الحد الأدنى أو الحجم الذي يمكن أن تقبل الصفقة من خلاله؟
حسين شكري: يجب الأخذ في الاعتبار تأثير انخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار، حيث أصبحت قيمة 25 أو 30 مليون دولار تعادل ما يقرب من 1.5 مليار جنيه.
وبالتالي، فإن الحد الأدنى لأي صفقة نقبل العمل عليها من حيث التقييم المبدئي يدور حول 25 مليون دولار.
● حازم شريف: إذا نظرنا إلى سوق الوساطة، نجد أنها شهدت جدلًا واسعًا خلال الفترة الماضية، وكنت أنا من أوائل المهتمين بمتابعة «Ranking» شركات الوساطة منذ نحو 30 عامًا، وكنا نحارب للحصول عليه من الهيئة العامة للرقابة المالية منذ أيام الراحل عبد الحميد إبراهيم رحمه الله.
لكننا نشهد اليوم انقلابا راديكاليا ثوريا في هذه القائمة، فهناك شركة واحدة وهي «ثاندر» تقوم بعمل أكثر من كل عمليات السوق، هل تري أن ذلك يعتبر بمثابة تهديد مستمر لبقية اللاعبين الكبار وأنت واحد منهم؟
حسين شكري: لا، نحن موجودون بالفعل في الرانكينج ضمن العشر الأوائل في قطاعات معينة، لكننا لسنا ضمن المراكز العشرة الأولى في جميع المجالات.
● حازم شريف: كيف ترى هذا التحول؟
حسين شكري: هذا التحول لا يمكن إغفاله، فالتحول الرقمي غير مفاهيم السوق بالكامل.
من كان يتخيل أن تتمكن المنصات الرقمية من جمع المليارات في الصناديق النقدية، في حين أن البنوك ظلت سنوات طويلة عاجزة عن تحقيق هذه الأرقام بالسرعة نفسها.
بلا شك، دخول المنصات الرقمية والتكنولوجيا المالية إلى صناعة المال أحدث تغييرًا جذريًا، ونحن نرى هذا التطور إيجابيًا ولهذا السبب نعمل على أكثر من مسار لمواكبته.
● حازم شريف: هل تعملون على ذلك عبر الانضمام إلى المنصات القائمة، أم من خلال «سوفت وير» ذاتي؟
حسين شكري: كلا الخيارين وارد، لأن السوق تتغير ومن وجهة نظري اتجاه «ثاندر» قد يتوسع ويصبح النموذج السائد.
● حازم شريف: وماذا عن مستقبل الشركة في هذا الاتجاه؟
حسين شكري: نحن نتابع الموضوع عن كثب، وأجرينا محادثات مع أكثر من جهة تعمل في هذا المجال، لكن من الضروري وجود توافق، فالشراكات تشبه إلى حد كبير العلاقات طويلة الأمد مثل الزواج.
● حازم شريف: خاصة أنك لست معتادًا على الشراكات.
حسين شكري: نعم، لديّ مسار محدد أسير فيه.
● حازم شريف: هل فكرت بشكل شخصي في سيناريو تخارج من الشركة؟
حسين شكري: لا، لا أستطيع أن أعمل في هذا المجال بجدية وأخاطب عملائي بإخلاص وفي الوقت نفسه أسعى إلى بيع الشركة.
● حازم شريف: لكن زملاءك القدامي في مورجان من المؤكد أنهم لم يكونوا يرون في هذا الأمر غضاضة؟
حسين شكري: قد يحدث، وقد لا يحدث، لكنني لا أسعى إليه.
أنا أذهب إلى عملي وأؤديه كما اعتدت، وعندما تأتي الفرصة ستكون في وقتها فهذه طبيعتي لا أميل إلى التخطيط لهذا النوع من القرارات، بل أترك الأمور تسير وفق ظروفها وتوقيتها، مع إدراكي الكامل لمصلحتي بالطبع.
● حازم شريف: لقد عاصرت أكثر من مرحلة في السوق المصرية، إحداهما «الفورة» الخاصة بالتسعينيات، التي شهدت عودة الطيور المهاجرة، والتي أطلق عليها البعض مرحلة «الفرص الضائعة» لماذا هذا الوصف؟
حسين شكري: دعني أذكرك بأمر كما ذكرت في مقدمتك للحلقة عن «نمر على النيل» وكانت تلك الفترة فيها انطلاقة، لكن حينها لو تتذكر تم فرض ضريبة على الأسهم، هل تعتقد أن ذلك شجع الناس على العمل أو الاستثمار؟ بالطبع لا.
وعندما كانوا يسألونني عن اقتراحاتي كنت أقول لهم «أفضل شيء هو أن تتركوا سوق المال في حالها»، لقد كلفت هذه المغامرة أموالًا، والآن رغم أنه لم تعد هناك ضريبة، لكن قضينا فترة من الزمن في أحاديث حول إمكانية تطبيقها من عدمه.
● حازم شريف: هل هذه هي المشكلة الوحيدة؟! أنا أرى أن هناك مشكلات أكثر جوهرية من ذلك.
ومع ذلك، ملف الضريبة كان موجودًا منذ زمن والخلاف كان حوله قائمًا، لكن ما المشكلة الهيكلية التي كان يمكن أن تسبب صعوبات أو كان ينبغي تفاديها؟
حسين شكري: كان من الضروري بذل جهد ونحن نقول ذلك منذ ثلاثين عامًا، الآن الدكتور محمد فريد وزير الاستثمار يقوم بتشجيع صناديق المعاشات على الدخول إلى البورصة؟ لماذا انتظرنا ثلاثين عامًا؟ هل كان هناك ما يمنع من طرح هذا النقاش في وقت مبكر؟ ولماذا ظلت السوق معتمدة على الأفراد فقط؟
عندما بدأنا، كانت المؤسسات هي السائدة وكانت تمثل القاطرة التي تقود السوق، وهي التي تحدد إيقاعها وبالتالي لم نبذل جهدًا كافيًا لإدخال دماء جديدة إلى السوق المصرية.
● حازم شريف: هل تقصد دماء جديدة من المؤسسات أم من الأفراد؟
حسين شكري: من المؤسسات لم نبذل جهدًا كافيًا لجذب مؤسسات جديدة.
والآن نتحدث عن صناديق المعاشات! وهذا أمر جيد جدًا، وأعتقد أن محفظة التأمينات والمعاشات التي بدأت مع الدكتورة ميرفت التلاوي، والتي نديرها معهم منذ 25 عامًا ولا يزال العقد قائمًا مع وجود تخفيضات في الأتعاب بالطبع، لكن الحساب مستمر ويعمل بصورة جيدة، هي مثال جيد علي ذلك.
كان من الضروري القيام بذلك، فكل ما يتعلق بسوق المال كان يجب أن يحظى بالتشجيع ففي السابق كان هناك وزير مسئول عن سوق المال، هل تتذكر؟
● حازم شريف: نعم، كان هناك وزير مسئول سياسيًا عن سوق المال ففي بعض الأحيان كان وزير قطاع الأعمال، وفي أحيان أخرى كان وزير الاستثمار.
حسين شكري: هل تتذكر أيام الدكتور محمود محيي الدين والدكتور يوسف بطرس غالي؟ لقد كانوا منتبهين لهذا الملف، وكان ضمن أولوياتهم.
نحن في حاجة للعودة إلى تلك المرحلة مرة أخرى، وأتمنى أن تكون الفترة المقبلة أفضل، لأننا أضعنا سنوات كثيرة، ومع ذلك ما زلنا صامدين ننافس ونحصل على أعمال ونحقق أرباحًا، كما أن الشركة مستمرة في عملها رغم كل الظروف التي مررنا بها.
● حازم شريف: كذلك، أنت لم تدخل في مجال الخدمات المالية غير المصرفية، وهذا لا يعيب المؤسسات التي اتجهت إليه، لكنك قررت أن هذا المجال ليس ضمن اهتماماتك.
حسين شكري: نعم، ليس مجالي.
● حازم شريف: حسنًا، لديّ سؤال بشأن عمولات إدارة الصناديق فكلما التقيت أحد العاملين في هذه الصناعة، سواء في مجال الصناديق أو السمسرة، يشتكي من المضاربة السعرية؟!
حسين شكري: لا حل لذلك إلا من خلال تدخل هيئة الرقابة المالية فعلى الرغم من أن السوق مفتوحة، فإن الأمر يحتاج إلى توجيهات وتنبيهات.
● حازم شريف: لكن الجميع يشتكي، فمن الذي يقوم بهذه الممارسات؟
حسين شكري: من يشتكي هو نفسه من يقوم بها.
● حازم شريف: هل يمكن أن توضح لنا تطور هذه العمولات خاصة في إدارة الصناديق؟
حسين شكري: الصناديق الرقمية الجديدة أتعابها أعلى من الصناديق القديمة.
● حازم شريف: رغم أن التكاليف أقل؟!
حسين شكري: لا، أعلى ولذلك زادت الأحجام خاصة في الصناديق الرقمية إذ ارتفعت أحجامها إلى نحو 245 مليارا، ومعظمها تم تأسيسه خلال السنوات الخمس الماضية، بأتعاب أعلى مما كان عليه الوضع سابقًا.
في الماضي، كنا ندير صناديق نقدية بنسبة %0.125، أما الآن فحوالي %0.5 ويمكن القول إن الوضع قد تحسن فالتكاليف انخفضت، والأحجام زادت وبالتالي ارتفعت الربحية، فهناك 3 أو 4 شركات تابعة لبنوك تمتلك أحجامًا جيدة.
● حازم شريف: هل تطالب بتدخل هيئة الرقابة المالية؟
حسين شكري: في فترة من الفترات، كان من الضروري التدخل، لا أعلم ما هو الوضع الآن لكن أعتقد أنه من المهم أن تواصل الهيئة مراقبة السوق، وأن تتأكد من أن العملية تظل اقتصادية.
فمن مبادئ الاحتكار عالميًا ألا يتم تقديم خدمة بأقل من تكلفتها.
وقد أجريت هذه المقارنة داخل شركتي، فرصدت تكلفة «Asset Management» والأتعاب، ووجدت أن الأعباء ارتفعت بمعدلات تصل إلى 3 و4 و5 أضعاف، بينما انخفضت الأتعاب إلى النصف أو أقل.
● حازم شريف: وهل ترى أن هناك تحسنًا؟
حسين شكري: إن شاء الله، أرى أن هناك تحسنًا.
● حازم شريف: بالتأكيد تابعت خلال الفترة الماضية حالة الجدل وتباين الآراء حول الفكرة التي طرحها الأستاذ حسن هيكل، الخبير المصرفي المعروف، بشأن «المقايضة الكبرى» بصيغتها المعدلة.
فقد طرحها أكثر من مرة بعدة أشكال، إلى أن وصلنا إلى الصيغة الأخيرة التي تتضمن مقايضة جزء من مديونية الدين الداخلي مع أصل يتم نقله إلى البنك المركزي، اقترح أن يكون هيئة قناة السويس في التعديل الأخير ما رأيك في هذه المبادرة أو الفكرة؟
حسين شكري: في البداية، أود أن أؤكد احترامي للأستاذ حسن هيكل، لأنه بذل جهدًا وقدم اقتراحًا فنحن جميعًا في حاجة إلى أفكار تساعدنا في حل الإشكالية التي نواجهها، ولذلك يستحق الشكر على هذا الطرح.
لكنني شخصيًا أفضل اتباع مسار مختلف لأنني أرى أن لدينا دينًا داخليًا، وديونًا بشكل عام سواء كانت خارجية أو داخلية، وهذه في الحقيقة تمثل عرضًا لمرض قائم.
هذا المرض يتمثل في أننا دولة كبيرة في الشرق الأوسط، نتمتع بموقع متميز لا مثيل له ويبلغ عدد السكان نحو 120 مليون نسمة، ومع ذلك لا تتجاوز صادراتنا 47 مليار دولار.
وعند المقارنة بدول أخرى، نجد أن فيتنام تصل صادراتها إلى نحو 480 مليار دولار، وماليزيا إلى 372 مليار دولار، رغم أن عدد سكان الأخيرة يبلغ نحو 34 مليون نسمة.
وهذا يوضح أن لدينا مشكلة حقيقية إذ يعتمد اقتصادنا على الاستهلاك وكذلك على الواردات، وهو ما يؤدي إلى عجز في الميزان التجاري، فضلًا عن عجز في الحساب الجاري.
ومن ثم، لابد من تعديل هذا الوضع ويتم ذلك من خلال خلق صناعات تصديرية ولتحقيق ذلك يجب جذب استثمارات أجنبية مباشرة.
وأكبر مثال على ذلك هو فيتنام فهذه الدولة التي كانت تعاني من آثار الحرب مع الولايات المتحدة، وكانت في حالة يرثي لها حيث بلغ نصيب الفرد من الناتج القومي نحو 100 دولار فقط، استطاعت خلال 30 عامًا أن ترفعه إلى نحو 4800 دولار.
● حازم شريف: فيتنام تحمل ذكريات ليس فقط بسبب الحرب، بل أيضًا نتيجة التدخلات الخارجية فلا يوجد أحد تأمر على أحد مثلما حدث معهم، وقد بدأت مسيرتها بعدنا بسنوات طويلة.
حسين شكري: فيتنام مرت بثلاث مراحل الأولى بدأت عام 1995 وركزت فيها على المنسوجات والأقمشة والأحذية والمنتجات الزراعية لمدة 10 سنوات ثم انتقلت خلال عشر سنوات أخرى إلى مرحلة التجميع الإلكتروني، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي أصبحت فيها مركزًا للتصنيع الإلكتروني.
اليوم تبلغ صادراتها نحو 487 مليار دولار، ويبلغ عدد سكانها نحو 100 مليون نسمة وفي المقابل لدينا في مصر نحو 170 مليار دولار دين.
وعندما نقسم الدين بالعملة على الصادرات لأنها مصدرك نجد أن النسبة لدينا تصل إلى نحو ثلاثة ونصف أضعاف، بينما تبلغ في فيتنام نحو 0.38 فقط.
أما ماليزيا فحجم صادراتها يعادل بنسبة %100 ناتجها القومي، بينما لا تتجاوز هذه النسبة لدينا %10 وتصل في فيتنام إلى نحو %87.
لذلك، علينا العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بغرض التصدير، وما قد أسهم في حل أزمة فيتنام هو جذبها لشركات كبرى مثل Intel وSamsung وCanon وLG.
● حازم شريف: هناك مقولة بين رجال الأعمال المصريين تفيد بأنه يجب جذب المستثمر المحلي أولًا قبل الأجنبي، فهل ترى ذلك صحيحًا؟
حسين شكري: أرى العكس فعندما تجذب المستثمر الأجنبي، سيظهر المصري لأنك ستضع سياسات تخدم الطرفين، بالإضافة إلى أن جذب الأجنبي يعني أيضًا أنك ستتوقف عن مزاحمة القطاع الخاص، وعندما تتوقف هذه المزاحمة سيقبل القطاع على الاستثمار.
لذلك، يجب أن تكون الأولوية لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بغرض التصدير، مع تيسير الإجراءات الجمركية، وتوفير مناطق صناعية حرة مخصصة للتصدير، وهي أمور معروفة وتم تطبيقها من قبل.
● حازم شريف: هل ترى أننا بحاجة إلى رؤوس حربة في هذا الملف؟
حسين شكري: نعم، فهذه الشركات هي التي ستحرك المؤشر.
وأود أن أضيف أن فيتنام لم تكن تمتلك بنية تحتية كما هو الحال لدينا، خاصة ما تم إنجازه خلال السنوات العشر الأخيرة وبالتالي يجب استغلال هذه البنية التحتية لصالح البلد.
كما أن سلاسل الإمداد العالمية تشهد تغيرات وإعادة تنظيم، خاصة في ضوء التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب، وهو ما دفع العديد من الدول إلى التفكير في الانتقال من منطقة جنوب شرق آسيا، ونحن نتمتع بموقع جغرافي أفضل إذ نقع في قلب العالم.
● حازم شريف: أنت ترى أنه يجب استغلال تلك الفرصة.
حسين شكري: كذلك، أرى أن المجموعة الاقتصادية الحالية تُعد من أفضل المجموعات منذ عام 2005، وإذا تمكنت من تنفيذ هذا البرنامج، فبإمكانها تحقيق ما أشرت إليه.
● حازم شريف: قبل أن نختتم الحلقة، أود التأكد من أنني أفهم بصورة صحيحة فيما يتعلق بمستقبل الشركة والمنتجات الجديدة، وبمناسبة مرور ثلاثين عامًا، نحن نتحدث عن صناديق جديدة، لكنك لا ترغب في الإعلان عن هويتها في الوقت الحالي.
كما أن لديكم رخصة «Short Selling» وهناك توجه للحصول على رخص جديدة لتوسيع نطاق العمل.
حسين شكري: حصلنا على رخصة تداول السندات الحكومية في السوق الثانوية.
● حازم شريف: أتمنى أن يكون المستقبل واعدًا، وقد سعدت كثيرًا بهذه الحلقة.
حسين شكري: وأنا أيضًا سعيد، وقد منحتني خلال هذه الحلقة فرصة لشرح وتوضيح بعض الأمور التي ربما كانت تدور في ذهنك أو في ذهن أي شخص مهتم بالشركة، وللعلم منذ لقائنا من ثلاثين عامًا، لم أتغير كشخصية.
● حازم شريف: بالفعل، لم تتغير ويمكنني أن أروي العديد من المواقف التي تؤكد ذلك، فأنا أتذكر خلال انتخابات الجمعية المصرية للأوراق المالية، كنت تتحدث عن معارك انتخابية بأسلوب رومانسي، بينما كان الآخرون يتصرفون بشكل مختلف، مع كامل احترامي للجميع.
حسين شكري: لقد خدمت في الجمعية لأكثر من 10 سنوات، وكنت نائبًا للدكتور تيمور، رحمه الله، فقد كان شخصًا محترمًا للغاية، واستمر عملي كنائب لمدة تقارب 10 سنوات، ثم اعتذرت عن المنصب لإتاحة الفرصة لغيري، وأنا مؤمن بهذه الفكرة.
● حازم شريف: قبل أن نختم الحلقة، هل هناك مطالب للحكومة أو للهيئة، بخلاف ما يتعلق بالعمولات؟
حسين شكري: لا يوجد.
● حازم شريف: لقد أرهقتك.
حسين شكري: لا لقد كنت سعيدًا بالحلقة وأتمنى أن تحوز على إعجاب المشاهدين.
● حازم شريف: أنا متأكد من أنها ستنال إعجاب شرائح عديدة، خاصة مع الخبرات التي نقلتها موضحًا كيفية تغير المسار المهني، وكيف تُبنى القرارات وأنا مؤمن بأن لكل شخص طريقته وتكوينه، ولا يوجد شخص يشبه الآخر.
حسين شكري: لديّ قناعة شخصية اشبه بسر أحتفظ به وهي الشعور بالرضا والراحة النفسية فأنا سعيد بما أنا عليه، ولا أرغب في أن أكون شخصًا آخر ضمن قالب معين.
● حازم شريف: هل ندمت على عودتك إلى مصر؟
حسين شكري: لا، لم أندم إطلاقًا بل أراه قرارًا إيجابيًا للغاية، ومن ضمن الخطوات الصحيحة التي اتخذتها على مدار السنوات.
● حازم شريف: وهل مازال ابنك في الولايات المتحدة؟
حسين شكري: نعم، وهو يأتي من وقتًا إلى آخر.
● حازم شريف: ما الأمور التي ترى أنها لم تكن صحيحة؟
حسين شكري: لا يوجد ما أندم عليه مهنيًا.
● حازم شريف: لا يوجد أحد لم يرتكب أخطاء لا أقصد مهنيًا فقط، ولكن هل هناك أمور تندم عليها؟
حسين شكري: ارتكبت أخطاء لكنني لا أندم عليها وربما لا أعرفها حتى، فأنا لديّ شعور بالرضا والقناعة، وسعيد وأشعر أننا قدمنا شيئًا جيدًا وأتمنى أن يكون القادم أفضل.
● حازم شريف: أتمنى لك التوفيق وأن تحقق المزيد من النجاح، وسعدت بهذه الحلقة مع الأستاذ حسين شكري، الخبير البارز في سوق المال، ومؤسس ورئيس شركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار.
حسين شكري: شكرًا لك
محتوى للمشتركين فقط
اشترك الآن للحصول علي كافة الأخبار الحصرية بالإضافة
لإشتراك النسخة الرقمية