بدأت شركات الأدوية العالمية في تأجيل إطلاق بعض الأدوية الجديدة في الأسواق الأوروبية، في خطوة تعكس تداعيات مباشرة للسياسات التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفض أسعار الأدوية في الولايات المتحدة عبر ربطها بمستويات التسعير في دول أخرى.
وتسعى الإدارة الأمريكية إلى خفض تكلفة الأدوية عبر تطبيق نموذج “الدولة الأكثر تفضيلًا”، الذي يربط الأسعار في الولايات المتحدة بالأسعار الأقل في الأسواق المتقدمة، بما في ذلك أوروبا، وهو ما يدفع الشركات إلى إعادة تقييم إستراتيجيات طرح منتجاتها عالميًا.
ويخشى المصنعون من أن إطلاق الأدوية في أوروبا بأسعار منخفضة نسبيًا قد يؤدي إلى خفض الأسعار المرجعية في السوق الأمريكية، التي تُعد الأكبر عالميًا بقيمة تتجاوز 700 مليار دولار، ما يهدد هوامش أرباحهم.
تراجع حاد في إطلاق الأدوية
أظهرت بيانات شركة GlobalData أن إطلاق الأدوية الجديدة في الاتحاد الأوروبي تراجع بنحو 35% خلال الأشهر العشرة التي أعقبت صدور القرار الأمريكي، مقارنة بالفترة السابقة، في مؤشر واضح على تغير سلوك الشركات الدوائية عالميًا.
كما أشار مسؤولون أوروبيون إلى انخفاض ملحوظ في طلبات الوصول المبكر للأدوية، خاصة في دول مثل فرنسا، التي تُعد من الأسواق ذات الأسعار المنخفضة، ما يجعلها أكثر عرضة لتأجيل الطرح.
في سياق متصل، قامت بعض الشركات بالفعل بتأجيل إطلاق أدوية جديدة في أوروبا أو إعادة النظر في وجودها داخل بعض الأسواق، حيث فضّلت تأخير الطرح لتجنب التأثير على الأسعار العالمية.
كما اتجهت شركات أخرى إلى سحب بعض الأدوية من أسواق أوروبية نتيجة الضغوط السعرية وتغير البيئة التنظيمية، في خطوة تعكس تصاعد التوتر بين سياسات التسعير الأوروبية والأمريكية.
تشير البيانات إلى أن أوروبا تنفق نحو 1% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الأدوية مقارنة بنحو 2% في الولايات المتحدة، ما يجعلها أقل جاذبية للاستثمارات في البحث والتطوير وإطلاق العلاجات المبتكرة.
ويرى محللون أن هذه الفجوة، إلى جانب السياسات التنظيمية الصارمة، قد تؤدي إلى تأخر وصول العلاجات الحديثة إلى المرضى الأوروبيين مقارنة بالولايات المتحدة والأسواق الأخرى.
أكد مسؤولون في القطاع أن حالة عدم الوضوح بشأن كيفية تطبيق السياسات الأمريكية تجعل قرارات التسعير والإطلاق أكثر تعقيدًا، حيث يتعين على الشركات تحديد توقعاتها للعوائد في ظل بيئة غير مستقرة.
ووصف أحد الخبراء الوضع بأنه أشبه بـ“اللعب في مباراة شطرنج معصوب العينين”، في إشارة إلى صعوبة التنبؤ بتأثير السياسات على الأسواق المختلفة.
تعكس قرارات شركات الأدوية بتأجيل إطلاق منتجاتها في أوروبا تحولًا إستراتيجيًا عالميًا تقوده السياسات الأمريكية، حيث تسعى الشركات إلى حماية أرباحها في السوق الأكبر عالميًا حتى لو كان ذلك على حساب توقيت إطلاق العلاجات في أسواق أخرى.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، تبدو أوروبا مهددة بفقدان مزيد من جاذبيتها كمركز لإطلاق الابتكارات الدوائية، بينما تظل أسواق الطاقة والسياسات الصحية العالمية عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل خريطة صناعة الدواء خلال الفترة المقبلة.