قال محمود الحلفاوي، خبير الحوكمة والالتزام بأسواق المال، إن سوق المعادن النفيسة تشهد خلال هذه الأيام تقلبات عنيفة تكسر قواعد اللعبة القديمة، إذ تخالف الفضة التوقعات الراسخة لتسجل خسائر قاسية رغم اشتعال التوترات الجيوسياسية، مما يضع علامات استفهام حول مدى جدوى صناديق الاستثمار فيها ومدى دقة وصفها بالملاذ الآمن.
وأوضح الحلفاوي أنه في مشهد يعكس تحولًا جوهريًا في ديناميكيات الأسواق، تراجعت صناديق الفضة المتداولة (ETFs) بنسبة بلغت 20% خلال جلسات متتالية، مسجلة انخفاضًا حادًا يناقض طبيعتها المتوارثة كأوعية استثمارية تلجأ إليها رؤوس الأموال في أوقات الاضطراب.
وأضاف أن هذا الهبوط العنيف، الذي بلغ متوسطه 13.12% منذ السابع والعشرين من فبراير الماضي، لم يكن في الحسبان وسط أجواء الحرب التجارية والتوترات الجيوسياسية، التي من شأنها أن تدفع المستثمرين تقليديًا إلى التحصن بالمعادن النفيسة.
وأشار إلى أن ارتفاع الدولار مع تشبث الاحتياطي الفيدرالي بأسعار الفائدة المرتفعة شكّل ضغوطًا هبوطية قوية على المعدن الأبيض، متغلبًا على الطلب التقليدي الذي يفترض أن يزداد في أوقات المخاطر.
تطورات سوق الفضة
ولفت الحلفاوي إلى أن سوق الفضة تعيش في هذه المرحلة تحولًا بنيويًا عميقًا يتجاوز كونها مجرد معدن ثمين يُقتنى للتحوط. فالعالم يدخل عام 2026 وسط تسجيل سوق الفضة عجزًا في المعروض للسنة السادسة على التوالي، ما يؤكد أن التحولات الجوهرية في ديناميكيات العرض والطلب قد ترسخت بقوة.
ورأى أن هذا العجز الهيكلي ليس حدثًا طارئًا، بل تراكم يتجاوز 900 مليون أونصة منذ عام 2021، مع توقعات باستمرار العجز بنحو 67 مليون أونصة خلال العام الجاري.
واعتبر أن جوهر هذه التحولات يكمن في الطلب الصناعي المتزايد بوتيرة متسارعة، حيث تستهلك صناعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية كميات قياسية من الفضة، إذ تُستخدم في الألواح الشمسية وأنظمة إدارة بطاريات السيارات الكهربائية، وهي تطبيقات يصعب الاستغناء عنها نظرًا لكون الفضة من أفضل الموصلات الكهربائية.
وقال إن هذا الطلب الصناعي غير المرن يجعل الفضة أكثر حساسية للدورات الاقتصادية من الذهب، وهو ما يفسر تقلباتها الحادة ويُخرجها من دائرة الملاذات الآمنة التقليدية.
وذكر أنه وسط هذه التقلبات، تبرز صناديق الفضة المتداولة كخيار عملي للمستثمرين الراغبين في التعرض لتحركات أسعار الفضة دون عناء الحيازة المادية.
مرونة الصناديق المتخصصة
وأضاف الحلفاوي أن هذه الصناديق تتميز بسيولة عالية وفروق سعرية ضيقة مقارنة بالفضة المادية، حيث تصل الفروق إلى 0.16 دولار فقط، مقابل نحو 9 دولارات للعملات الفضية. كما يمكن الاحتفاظ بها ضمن حسابات استثمارية متنوعة، مما يسهل إعادة توازن المحفظة الاستثمارية.
وأشار إلى أن صناديق الفضة المتداولة تتنوع بين الصناديق المدعومة ماديًا، وهي الأقرب إلى الفضة الفعلية حيث تحتفظ بسبائك فضية في خزائن مؤمنة، وصناديق العقود المستقبلية التي تتعقب أسعار العقود الآجلة وتحمل مخاطر إضافية تتعلق بتكاليف التمديد، إضافة إلى صناديق شركات التعدين التي تستثمر في أسهم الشركات المنتجة للفضة، وتتأثر بأداء هذه الشركات بالإضافة إلى أسعار المعدن، ما يضاعف المخاطر.
وتساءل: هل الفضة ملاذ آمن حقًا؟ وأجاب بأنها لا تمتلك خصائص الملاذ الآمن النقي مثل الذهب، إذ إن تقلباتها السنوية أعلى بكثير، ما يحد من موثوقيتها كأداة لحماية المحافظ في أوقات الاضطرابات.
وأوضح أن الفضة تجمع بين طابعين متناقضين؛ فهي معدن نفيس يجذب الطلب الاستثماري، ومعدن صناعي يتأثر بالدورات الاقتصادية وبقوة الدولار.
انهيار الفضة
وأكد الحلفاوي أن الفضة شهدت "انفصالًا هيكليًا" في سوقها، حيث انفصلت الأسعار الورقية في الأسواق الغربية عن الأسعار الفعلية للسبائك المادية، خاصة في الأسواق الآسيوية. وبلغ هذا الانفصال ذروته في الصين، حيث وصلت علاوات الفضة المادية إلى ما بين 12% و13% فوق الأسعار الورقية العالمية، ما يشير إلى أن سوق الفضة الفعلية تعاني ضغوطًا قوية لا تعكسها الصناديق المتداولة.
وقال إنه وسط هذا المشهد المعقد يوصي باستراتيجيات استثمارية مدروسة تقوم على التمييز بين الأهداف. فبالنسبة للمستثمرين طويلي الأجل، تُعد التراجعات الحالية فرصًا للتراكم، في ظل استمرار العوامل الأساسية الداعمة للفضة، من التوترات الجيوسياسية إلى احتياجات التحوط من التضخم. كما نصح بالحفاظ على تخصيص للفضة بنسبة تتراوح بين 5% و7% من المحفظة الإجمالية، مع التركيز على إعادة التوازن الدورية بدلًا من ردود الفعل الاندفاعية تجاه التقلبات.
وأضاف أن السؤال الأكثر إلحاحًا للمستثمرين هو ما إذا كانت مخاطر الفضة تستحق هذا العناء، موضحًا أن الإجابة تتوقف على الأهداف الاستثمارية والأفق الزمني. فالباحثون عن ملاذ آمن تقليدي قد يجدون ضالتهم في الذهب الذي لا يزال يحتفظ بخصائصه التاريخية.
استثمار طويل الأجل
في المقابل، قد يرى المستثمرون الأكثر تقبلًا للمخاطر في الفضة فرصة للاستفادة من النمو الصناعي والتحولات التكنولوجية العميقة التي تعيد تشكيل أسواق الطاقة والنقل.
وأكد الحلفاوي أن صناديق الفضة المتداولة توفر وسيلة فعالة للتعرض لهذا المعدن، لكنها لا تحمي من تقلباته الحادة، خاصة في ظل بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين وانعكاس العلاقات بين الأصول التقليدية، موضحًا أنها ليست ملاذًا آمنًا بالمعنى الكلاسيكي، بل رهان على تحولات كبرى قد تؤتي ثمارها على المدى الطويل.