في وقتٍ تتضخم فيه ميزانيات الأندية الأوروبية وتتحول كرة القدم إلى سباق إنفاق مفتوح، يقدّم نادي بودو/غليمت درسًا مختلفًا في الإدارة والاستدامة.
فالفريق النرويجي، الذي أطاح بـ إنتر ميلان بنتيجة 3-1 في ذهاب دوري أبطال أوروبا الأسبوع الماضي، لم يفعل ذلك بصفقات فلكية، بل بتشكيلة أساسية لا تتجاوز قيمتها الإجمالية 13.5 مليون يورو، في واحدة من أبرز مفارقات كرة القدم الحديثة.
الليلة، يحاول إنتر قلب الطاولة إيطاليًا بعد خسارته الأوروبية، لكن القصة لم تعد مجرد نتيجة مباراة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اقتصادية رياضية تستحق التوقف.
أرقام صغيرة.. أثر كبير
بحسب تقرير صحيفة "سبورت" الإسبانية، فإن بودو/غليمت لم يحقق فوزه على إنتر صدفة أو ضربة حظ عابرة، بل ضمن سلسلة نتائج لافتة هذا الموسم؛ تعادل مع بوروسيا دورتموند، وتغلب على أتلتيكو مدريد ومانشستر سيتي، ما يعكس مشروعًا متكاملًا يتجاوز حدود المفاجأة.
الفريق يضم 19 لاعبًا نرويجيًا من أصل 24، اثنان فقط منهم شاركا بانتظام مع المنتخب الوطني، ومع ذلك يقف بثبات أمام عمالقة القارة.
كذلك القيمة السوقية الإجمالية للفريق تبلغ 57 مليون يورو، فيما تصل ميزانية النادي إلى 60 مليونًا، بعد أن كانت لا تتجاوز 4 ملايين قبل أقل من عقد، في قفزة تعكس تحولًا إداريًا مدروسًا لا طفرة عشوائية.
مدينة صغيرة.. وحلم أكبر من الجغرافيا
ينتمي النادي إلى بلدة بودو التي لا يتجاوز عدد سكانها 53 ألف نسمة، وتقع شمال الدائرة القطبية الشمالية. ملعب الفريق، "أسبميرا ستاديون"، يتسع لنحو 8 آلاف متفرج فقط، لكنه أصبح مع مرور الوقت معقلًا صعب الاقتحام.
الظروف المناخية القاسية، والسفر الطويل، والعشب الصناعي، جميعها عناصر تصنع بيئة مختلفة ترهق الضيوف بدنيًا وذهنيًا. هنا، تتحول الجغرافيا إلى ميزة تنافسية، ويتحول الملعب الصغير إلى حصن يربك الحسابات.
من جمع الزجاجات إلى منصة الأبطال
من المفارقات المذهلة، أشارت صحيفة "سبورت" أنه قبل خمسة عشر عامًا فقط، كان بودو/غليمت على حافة الإفلاس، حيث نظّم المشجعون حملات لجمع الزجاجات من أجل توفير سيولة مالية، وتنازل فريق كرة اليد بالنادي عن عائدات مبارياته دعمًا لكرة القدم.
وأوضحت أن التحول الحقيقي بدأ في 2017 عقب الهبوط إلى الدرجة الثانية. عندها قررت الإدارة إعادة تعريف هوية النادي، والاعتماد على نموذج مستدام قائم على تطوير المواهب المحلية بدلًا من سباق الصفقات، ومنذ 2018، وتحت قيادة المدرب كيتيل كنوتسن، تحولت الفكرة إلى فلسفة راسخة أنتجت الفريق الحالي.
تشكيلة تعكس فلسفة لا ميزانية
الأسماء التي هزمت إنتر ميلان منذ أيام قليلة تجسد بدقة جوهر المشروع: نيكيتا هايكين، فريدريك شوفولد، أودين بيورتيفت، يوستين غوندرسن، فريدريك أندريه بيوركان، هاكون إيفجين، باتريك بيرغ، سوندر برونستاد فيت، أولي ديدريك بلومبرغ، ينس بيتر هاوغه، وكاسبر هوغ.
معظم هؤلاء انضموا مجانًا أو مقابل مبالغ محدودة، أبرزها 4 ملايين يورو لكل من باتريك بيرغ وينس بيتر هاوغه، بينما لم تتجاوز صفقات أخرى حاجز المليون أو المليونين، وفقًا لإحصائيات "ترانسيفر ماركت" المتخصص في سوق الانتقالات في العالم.
فقط كل من هايكين الروسي وهوغ الدنماركي هما الأجنبيان الوحيدان في التشكيلة الأساسية، في دلالة واضحة على تمسك النادي بهويته المحلية.
وخلال الموسم الحالي، لم يتجاوز إنفاق النادي 6 ملايين يورو، مع التركيز على الإعارات وتطوير العناصر الشابة.
كرة القدم خارج احتكار النخبة
قصة بودو/غليمت تتجاوز حدود النتائج. إنها نموذج يؤكد أن كرة القدم لا تُحسم دائمًا بحجم الحسابات البنكية، بل بوضوح الفلسفة وحسن الإدارة والاستثمار في الإنسان قبل الاسم.
من مدينة قطبية صغيرة، وبملعب لا يتسع إلا لآلاف قليلة، ومن نادٍ كان يجمع الزجاجات للبقاء، يكتب الفريق اليوم فصلاً جديدًا في دوري الأبطال ويحلم بتجاوز ملحق دور الـ16.
في زمنٍ أصبحت فيه موهبة مراهق واحدة تكلّف ما يوازي ميزانية فريق كامل، يثبت بودو/غليمت أن المعجزة ليست حدثًا طارئًا، بل نتيجة مشروع يعرف طريقه جيدًا.