مع اقتراب الإعلان الرسمي عن التعديل الوزاري المرتقب لحكومة المهندس مصطفى مدبولي 2026، تتصدر وزارة الإعلام مجددًا واجهة المشهد السياسي والإعلامي في مصر، هناك بحث ودراسة لعودة وزارة الإعلام في الحكومة الجديدة، تزامنًا مع بدء عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ولقاءات مع المرشحين للوزارات في التشكيل الجديد المرتقب. ومن أبرز المرشحين على مقعد وزارة الإعلام الكاتب الصحفى ضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، وجاء بعده أقل ترشيحًا على هذا المنصب وزير الإعلام الأسبق أنس الفقى، وجاءت التساؤلات من أبناء المهنة والحديث عما تردد عن عودة وزارة الإعلام أو وزارة الدولة للإعلام، كيف يمكن إعادة وزارة الإعلام أو منصب وزير الإعلام إلا بعد إجراء تعديل دستوري، حيث ألغى دستور 2014 وزارة الإعلام ومنصب وزير الإعلام واستبدالهما بمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكن يمكن تعيين وزير دولة لشئون الإعلام يعني “وزير بلا وزارة”.
قال إبراهيم الصياد، وكيل أول وزارة الإعلام ورئيس قطاع الأخبار الأسبق، عن عودة وزير الإعلام: “تريثت طويلًا قبل إبداء وجهة نظري في النقاش الدائر حول ضرورة عودة منصب وزير الإعلام، انتظارًا لاتضاح ملامح التعديل الوزاري، وحتى تتبلور الصورة كاملة، واليوم، قبيل إعلان الحكومة الجديدة، أجد لزامًا عليَّ أن أقول رأيي بصراحة، مستندًا إلى تجربة قريبة لا تزال ماثلة في الذاكرة”.
لنا تجربة غير مشجعة حين كُلف وزير الإعلام الأسبق أسامة هيكل بتولي وزارة الدولة للإعلام عام 2019
وأكد الصياد: “لنا تجربة غير مشجعة حين كُلف وزير الإعلام الأسبق أسامة هيكل بتولي وزارة الدولة للإعلام عام 2019، دون أن تمنح له فرصة حقيقية لأداء دوره، وكشفت تلك التجربة عن وجود مراكز قوى تتحكم في المشهد الإعلامي، وتفرض عليه قيودًا غير معلَنة، انتهت باستقالته عام 2021، في مشهدٍ عكس أزمة أعمق من مجرد شغل منصب”.

حالة ارتباك حقيقية يعيشها المشهد الإعلامي
وأضاف الصياد أن دعوات المطالِبة بعودة وزير للإعلام لم تأت من فراغ، ولم تكن تعبيرًا عن حنين إلى هياكل غابت، بقدر ما كانت انعكاسًا لحالة ارتباك حقيقية يعيشها المشهد الإعلامي، يتجلى في تعدد الجهات المنظمة، وتضارب الرسائل، واتساع الفجوة بين ما يُبث وما يُفترض أن يقال.
في هذا السياق طرح الصياد سؤالًا عن عودة وزير الإعلام بوصفه بحثًا عن صيغة أكثر اتساقًا لإدارة الإعلام، لا مجرد استعادة لمنصب سابق، غير أن هذا السؤال، على هدوئه الظاهري، يخفي إشكالية أعمق: هل تمثل عودة وزير الإعلام مدخلًا حقيقيًّا لإصلاح الخلل البنيوي في إدارة المشهد الإعلامي؟ أم أنها مجرد إعادة ترتيب للأدوات دون مراجعة السياسات؟
هل تتطلب عودة وزير الإعلام تعديلًا دستوريًّا؟
وأوضح أن الإعلام اليوم يختلف جذريًّا عن إعلام الأمس، ولم يعد يحتمل حلولًا تقليدية أو إجابات جاهزة، ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل تتطلب عودة وزير الإعلام تعديلًا دستوريًّا؟
من الناحية الدستورية، أكد الصياد أنه لا تمثل عودة وزير الإعلام إشكالًا قانونيًّا، فالدستور لم يُلغِ الوزارة صراحة، لكنه أقر إنشاء هيئات مستقلة لتنظيم شئون الصحافة والإعلام، في مقدمتها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، وهذه الهيئات بطبيعتها تنظيمية ورقابية ومهنية، ولا تحل محل الدور السياسي التنفيذي الذي يمكن أن يضطلع به وزير الإعلام.
الإشكال الحقيقى فى تحديد الاختصاصات ومنع تضارب الأدوار
وعن الإشكال الحقيقي أوضح الصياد أنه لا يكمن في النصوص، بل في تحديد الاختصاصات ومنع تضارب الأدوار ، فوجود وزير للإعلام يمكن أن يتكامل مع هذه الهيئات إذا اقتصر دوره على رسم السياسات العامة والتنسيق الإستراتيجي، مع ترك التنظيم والرقابة للجهات المستقلة. أما إذا تداخلت الصلاحيات، تحولت العودة إلى عبء إداري يضيف مشكلات بدلًا من حلها.

ولفت الصياد إلى أن البعض يرى أن عودة وزير الإعلام ترف إداري في ظل وجود مؤسسات قائمة، غير أن هذا الطرح يُغفل طبيعة اللحظة الراهنة. فالدولة، اليوم، تخوض معركة وعي مركبة، تتجاوز الإعلام التقليدي إلى فضاءات رقمية مفتوحة تُدار فيها حملات التأثير، وتُصنع فيها الصورة الذهنية داخليًّا وخارجيًّا، وفي هذا السياق، تصبح عودة وزير الإعلام ضرورة وظيفية لا ترفًا سياسيًّا، شريطة إعادة تعريف دوره بما يتناسب مع المتغيرات.
وأكد الصياد أن الوزير المطلوب ليس رقيبًا على المحتوى، ولا مديرًا للبث، بل هو عقل سياسي منسق يضع رؤية شاملة ويوحّد الرسائل الكبرى، دون مساس بالتعدد أو بحرية التعبير.
وعن سياسات ودور وزير الإعلام قال الصياد إنها تتمثل في:
صياغة السياسة الإعلامية العامة للدولة.
التنسيق بين المؤسسات الإعلامية وأجهزة الدولة المختلفة.
إدارة الإعلام سياسيًّا في أوقات الأزمات الكبرى.
تمثيل الدولة إعلاميًّا في المحافل الإقليمية والدولية.
الإسهام في بناء إستراتيجية طويلة المدى لإدارة الوعي العام.
التنسيق بين مؤسسة الرئاسة ووسائل الإعلام العمومية والخاصة.
بهذا الفهم، لا يكون الوزير بديلًا عن الهيئات، بل مظلة سياسية تُنسق عملها دون أن تنتقص من استقلالها.
هل نحتاج إلى وزير إعلام أم وزير دولة لشئون الإعلام ؟
وطرح الصياد سؤالًا آخر: هل نحتاج إلى وزير إعلام أم وزير دولة لشئون الإعلام؟
الفارق بين المنصبين جوهري، فوزير الإعلام يمتلك حقيبة كاملة وصلاحيات تنفيذية، وقدرة على التنسيق الأفقي مع الوزارات الأخرى، ويخضع للمساءلة البرلمانية.
أما وزير الدولة فعادةً ما يقتصر دوره على الاتصال والتصريحات، دون أدوات فعلية للتأثير أو التنفيذ.
وذكر الصياد في الماضى أنه كان الإعلام مركزيًّا، محدود المنصات، والجمهور فيه متلقٍّ سلبي.
أما اليوم فنحن أمام مشهد مفتوح، تتعدد فيه المنصات، ويتحول فيه الجمهور إلى شريك في صناعة المحتوى، وتتحكم فيه الخوارزميات بقدر ما تتحكم غُرف التحرير، فكيف يمكن اختزال هذا التعقيد في منصب رمزي بلا صلاحيات؟
وزير الإعلام، اليوم، مُطالَب بفهم الإعلام بوصفه منظومة تأثير لا مجرد وسيلة نقل، وبالتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي كواقع لا يمكن تجاهله أو احتواؤه بالمنع، بل بالفهم والتفاعل وبناء الثقة.
وأكد الصياد أن السؤال الحقيقي ليس: هل نعيد وزير الإعلام؟
بل: كيف نعيده؟ ولماذا؟ وبأي اختصاصات؟
وأضاف الصياد أن عودة وزير الإعلام قد تكون خطوة إصلاحية إذا جاءت محمولة برؤية حديثة، تحترم التعدد، وتؤمن بحرية التعبير، وتدرك أن ضبط المشهد لا يعني السيطرة عليه. أما إذا جاءت بعقلية الوصاية، أو باعتبار الإعلام أداة ترويج فقط، فلن تكون سوى إعادة إنتاج لأزمة قديمة بصيغة جديدة.
فالإعلام لا يحتاج إلى وصيّ، بل إلى قيادة واعية تدير التوازن الصعب بين الحرية والمسئولية.
إذا رأت الدولة إعادة وزارة الاعلام في التعديل الحكومي الجديد، أولًا أن تكون وزارة وليست وزارة دولة
وقال الإعلامى محمد على خير، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك، إذا رأت الدولة إعادة وزارة الإعلام في التعديل الحكومي الجديد، لرؤيتها أن “الإعلام في بلدنا بعافية ومحتاج وزارة” يبقى المطلوب:
أولًا: أن تكون وزارة وليست وزارة دولة.
ثانيًا: منح الوزير المختص صلاحيات المنصب دون تلقيه تعليمات.
ثالثًا أن يكون الإعلام بكل مفرداته تحت إدارة وزير الإعلام، وبالتالي من الضروري إعادة النظر في هيئات ومجالس ومنتديات الإعلام، حيث جرى وجودها وفق طبيعة مرحلة نعلم أن الدستور نص على وجودها، بعد ذلك يمكننا محاسبة الوزير والوزارة، لكن دون الشروط السابقة فلن تفلح ألف وزارة للإعلام في تحقيق المراد، وقبل وبعد ما سبق يبقى الشرط الجوهري وهو (الحرية) المسئولة طبعًا، لكن إعلام بلا حرية لن يفيد بشيء.

وزارة الدولة للإعلام بلا ديوان عام وبلا موظفين وبلا صلاحيات تنفيذية
وقال الدكتور محمد لطفى، رئيس الإذاعة المصرية، إن عودة وزارة الإعلام تتطلب تغيير الدستور للمادتين 212 و213 من تعديلات 2014 الدستورية، وهذا ليس مطروحًا.

وعن المطالب بعودة الوزارة قال إن الإعلام لا يحتاج إليها، بل الإعلام يجب أن يتمتع بالاستقلالية وظبط الأداء الإعلامى، وهذا من صلاحيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على غرار BBC، وهو نموذج من أفضل النماذج الإعلامية.
الحديث عن وزارة الإعلام لا يعكس فراغًا سياسيًّا أو فراغًا فى الحقيبة بقدر ما يعكس إحساسًا بأن هناك أزمة بهذا القطاع
وقال الخبير الإعلامى الدكتور ياسر عبد العزيز: لماذا يجرى الحديث عن عودة وزارة الإعلام الآن، موضحًا أن هناك شعورًا داخل الدولة والمجتمع بأن هناك أزمة فى الأداء الإعلامى، وأن قطاع الإعلام لا يفي بالمطلوب منه فى ظل الظروف التى نمر بها الآن، فالحديث عن وزارة الإعلام لا يعكس فراغًا سياسيًّا أو فراغًا فى الحقيبة بقدر ما يعكس إحساسًا بأن هناك أزمة فى هذا القطاع.

وتابع عبد العزيز: كيف نحل أزمة الإعلام، وهى ألا يستلزم تعيين وزير للإعلام، لأن إدارة المجال الإعلامى وتنظيمه وتنميته والإشراف عليه وإخضاعه للتقييم والمساءلة يُناط بثلاث هيئات فى دستور 2014 وهي: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وفقًا للمادة 211 الذى ينظم ويدير المجال الإعلامى، ويحمى حق الجمهور ويتمتع بإعلام يتسم بالجودة وأن يتلقى الشكاوى فى حق الأنماط المثيرة للجدل ويحقق فى الشكاوى ويوقع أيضًا العقوبات، فإدارة المجال الإعلامى وحماية السيادة الوطنية وتنميته منوطة بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أما إدارة أملاك الدولة فى الإعلام فمنوطة بالهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة حسب المادتين 212 و213 من تعديلات 2014 الدستورية.
ماذا يتبقى لوزير الاعلام من صلاحيات؟
وتساءل عبد العزيز: ماذا يتبقى لوزير الاعلام من صلاحيات؟ أوضح أنه لا يتبقى له غير تطوير وتنظيم المجال الإعلامى، إذ إن دستور 2014 لا يمنع الدولة من تعيين وزير إعلام لكنه لا يوفر لوزير الإعلام صلاحيات دستورية للتأثير فى هذا المجال على نحو سليم، وبالتالى إذا كانت الدولة تريد تعيين وزير إعلام فيجب أن توفر له اختصاصات؛ وهي أن يتحدث باسم الحكومة، وأن يعظم قدرات أجهزة الاتصال الحكومى ويشارك فى المنتديات والمؤتمرات ذات الصلة باسم الحكومة المصرية، وأن يرشح الأسماء التى تعينها الدولة فى الهيئات الثلاث، لكن بعد تعيين وزير الإعلام هل سيتم حل أزمة الإعلام؟ “هل هيحل أزمة ماسبيرو؟ هيحل أزمة الصحف القومية؟” فلا بد أن تكون لديه صلاحيات، بالفعل.
الحل يكمن في الالتزام بالمواد 68 و70 و71 و72 و211 و212 و213 من الدستور
وأضاف عبد العزيز أن تعيين وزير للإعلام لن يجدي نفعًا حال وجود شكوى من سوء الأوضاع الإعلامية، بينما الحل يكمن في الالتزام بالمواد 68 و70 و71 و72 و211 و212 و213 من الدستور ، هذه المواد تنيب للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصلاحيات الكافية بضبط المشهد الإعلامي، وإخضاع الأداء للتقييم واتخاذ القرارات الفعالة، وبالتالي تعيين وزير للإعلام في مصر ليس عملًا خاطئًا أو مخالفًا للدستور، لكنه تطور غير مؤثر في تغيير المشهد الإعلامي أو إصلاحه.