رغم مرور سنوات طويلة على بداية احتراف اللاعبين المصريين في الخارج، فإن فترة محمد صلاح تعد نجاحا حقيقيا، لا تعتبر ظاهرة، وإنما حالة استثنائية.
هناك اسم واحد يتصدر المشهد بلا منازع هو محمد صلاح، بينما تتراجع أو تتعثر تجارب أخرى، بعضها انتهى سريعًا، والبعض لم يبدأ من الأساس.
محمد صلاح.. تألق لا يتكرر
بالحديث عن محمد صلاح، تجد أنه لم ينجح فقط فنيًا، بل صنع نموذجًا كاملًا للاحتراف، ذلك اللاعب الذي تطور تدريجيًا من سويسرا مرورًا بإيطاليا، ثم إنجلترا، إلى جانب صبره على الفشل المبكر في تشيلسي، والتزامه البدني والذهني الاستثنائي واختياره الذكي للخطوات التي خطاها بدلًا من عملية القفز السريع.
ولكن السؤال الأهم.. لماذا لم تتكرر تلك التجربة؟
تجارب لم تكتمل.. وأسماء كانت مرشحة
بالبحث تجد أن هناك عدة لاعبين خرجوا إلى أوروبا بأحلام كبيرة، لكن النتائج جاءت أقل من المتوقع.
من أحمد حسن كوكا، صاحب التجربة الطويلة ولكنها بلا قفزة حقيقية نحو الأندية الكبرى، مرورًا بـ محمود حسن تريزيجيه الذي شهد مشواره تألقا نسبيا، لكن الإصابات أثّرت على مسيرته، مرورًا بـ رمضان صبحي صاحب الموهبة الواضحة، إلا أن الاستعجال والانتقال المبكر ثم العودة السريعة أوقفت تطوره سريعا.
هذا إلى جانب مصطفى محمد، صاحب البداية القوية والتي لم تدم طويلًا قبل أن يتراجع مستواه لسوء اختيار الأندية وعدم الاستقرار الفني.
عمر مرموش - الذي كان حتى وقت قريب - لم يحقق نجاحًا ملموسًا، واحتاج وقتًا طويلًا ليفرض نفسه، وكاد يُصنّف كتجربة عادية قبل التحول الأخير وانتقاله إلى مانشستر سيتي في البريميرليج تحت قيادة بيب جوارديولا.
لماذا يفشل النجاح في التحول إلى ظاهرة؟
الاحتراف المتأخر: إذ أن معظم اللاعبين المصريين يخرجون لأوروبا في سن متأخرة مقارنة بنظرائهم، فالطبيعي أن اللاعب يحترف مع سن الـ17-18 سنة، إلا أن المصري يغادر بعد بلوغه الـ20 وأحيانًا الـ22 أيضًا، وهذا الفارق العمري يعني صعوبة في التأقلم وفرص أقل للتطوير طويل المدى.
السبب الثاني هو سوء اختيار الخطوة، فكثير من الانتقالات يحكمها العائد المالي، ضغط الوكلاء والرغبة في "الاسم الكبير"، إلى جانب ضعف الإعداد الذهني، فالاحتراف في أوروبا ليس مهارة فقط، بل انضباط وصبر على المنافسة.
وثالث الأسباب وأهمها هي غياب المنظومة الداعمة، إذ بالنظر إلى تجربة محمد صلاح فتجد أن نجاجه لم يكن فرديًا بل مدعمومًا بفريق إعداد بدني وتخطيط احترافي مدروس، إلى جانب وجود إدارة ذكية تُدير مسيرته وهو ما تفتقده معظم المواهب الأخرى.
ورابع الأسباب تكمن في اللغة والموطن نفسه، إذن نجد أنه على سبيل المثال محمد عبدالمنعم وإمام عاشور واجها تحديات كبيرة خلال احترافهما في الخارج، سواء في نادي نيس الفرنسي، أو ميتلاند الدنماركي.
الصعوبات لم تكن فقط على المستوى الفني، بل تعدتها إلى الجانب الشخصي والاجتماعي، إذ شكلت اللغة حاجزًا كبيرًا أمام التواصل مع زملائهم والجهاز الفني، ما أثر على شعورهم بالاندماج داخل الفرق. وهذا الأمر ظهر مع مدافع الأهلي المحترف في فرنسا.
كما أن البعد الجغرافي عن العائلة والأصدقاء زاد من شعورهم بالغربة والوحدة، مما جعل تجربة الاحتراف أكثر صعوبة وتحديًا من المتوقع، الأمر هذا حدث لـ إمام عاشور وتحدث عنه في أكثر من لقاء تليفزيوني قبل عودته إلى مصر وانتقاله إلى الأهلي.
البُعد الاقتصادي.. لماذا الاحتراف الأوروبي مكسب للرياضة المصرية؟
تحويل احتراف اللاعب المصري في أوروبا من نجاح فردي إلى ظاهرة مستمرة لا ينعكس فنيًا فقط، بل يحمل عائدًا اقتصاديًا مباشرًا على المنظومة الرياضية بالكامل.
فزيادة عدد المحترفين تعني ارتفاع قيمة اللاعب المصري تسويقيًا في سوق الانتقالات الأوروبية، عقود بيع وإعارة أكبر للأندية المحلية بدلا من الصفقات المحدودة الحالية، إضافة إلى نسبة إعادة بيع تدر ملايين على الأندية مع كل انتقال جديد، كما هو الحال مع المقاولون العرب ومحمد صلاح.
وبشكل عام، فوجود عدد كبير من المحترفين في الدوريات الكبرى يرفع قيمة الدوري المحلي ويزيد اهتمام الكشافين، كما يجذب رعاة واستثمارات مرتبطة بتصدير المواهب ويخلق صناعة كروية مستدامة بدلًا من الاعتماد على الدعم فقط.