عاد الدولار الأمريكي مؤخرًا إلى مسار التراجع، وسط مؤشرات على أن إدارة واشنطن قد تلجأ إلى إجراءات تتجاوز التصريحات للتأثير على ارتفاع قيمته الطويلة الأمد، في محاولة لإعادة ضبط التجارة العالمية، ويثير هذا التراجع تساؤلات حول تأثيره على الأسواق المالية العالمية، وأسعار الصرف، والاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة.
الدولار في مواجهة ضغوط عالمية
على الرغم من التوترات الجيوسياسية في بداية العام، بدا أن أسواق العملات الأجنبية شهدت هدوءًا نسبيًا، مما جعل المستثمرين يعتقدون أن الانخفاض الحاد للدولار في أوائل 2025 قد انتهى إلا أن محاولات السلطات اليابانية للتنسيق مع واشنطن لدعم الين الياباني قبل الانتخابات المقبلة أعادت التوقعات بإمكانية تدخل أمريكي مباشر للحد من قوة الدولار وربما عكس سنوات من ارتفاعه.
وأدى "فحص الأسعار" الأخير من السلطات الأمريكية، الذي يُعتبر غالبًا خطوة تمهيدية للتدخل في السوق، إلى انخفاض حاد في زوج الدولار/ين. ولم يقتصر تراجع الدولار على الين، إذ ارتفع الوون الكوري الجنوبي، وسجل اليوان الصيني والدولار الأسترالي أعلى مستوياتهما في ثلاث سنوات، بينما ارتفع اليورو والفرنك السويسري إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة.
سياسات أمريكية و"اتفاق مارالاجو"
تتعلق التوقعات السياسية بفرضية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى لتقليل ارتفاع الدولار الذي وصل إلى نحو 50% على مدى العقد الماضي، ضمن خطة لتقليص العجز التجاري الأمريكي ويرى مستشاروه المقربون أن رفع الرسوم الجمركية وتخفيف قيمة الدولار هما عنصران أساسيان لإعادة تنشيط الاقتصاد الصناعي الأمريكي.
ورغم انخفاض الدولار العام الماضي، فإن مؤشر سعر الصرف الفعّال لم يتراجع سوى نحو 8% فقط مقارنة بالذروة، وما زال أعلى بنسبة 35% عن مستويات 2011. وتزايدت التكهنات حول تدخل واشنطن لدعم العملة اليابانية لتجنب ارتفاع غير متحكم فيه لعوائد السندات اليابانية، مستندةً إلى أوراق عمل سابقة لمستشار ترامب الذي أصبح الآن عضوًا في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والتي طرحت فكرة "اتفاق مارالاجو" لتخفيض قيمة الدولار، مستوحاة من اتفاقية بلازا 1985.
المخاطر الاقتصادية لتراجع الدولار
وأحد أكبر المخاوف بالنسبة لواشنطن هو تأثير خفض قيمة الدولار على ملكية المستثمرين الأجانب للأصول الأمريكية، والتي تجاوزت 27 تريليون دولار في نهاية العام الماضي. وأي انخفاض مفاجئ قد يؤدي إلى خسائر بنسبة 10-20% في الأسهم الأمريكية والسندات الأمريكية، مما قد يزعزع التوازن الاستثماري العالمي. ويعتبر المستثمرون اليابانيون أكبر حاملي سندات الخزانة الأمريكية، بينما يمتلك المستثمرون الأوروبيون نحو 8 تريليونات دولار في الأسهم والسندات الأمريكية.
كما أن أي انخفاض حاد للدولار قد يعقد عمل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed)، الذي يراقب التضخم المستورد نتيجة الرسوم الجمركية، ويشير إلى استمرار التريث في خفض أسعار الفائدة رغم الضغوط السياسية.
حتى لو كانت توقعات "اتفاق مارالاجو" مبالغًا فيها، يرى بعض المحللين أن انخفاض الدولار قد يستمر. ويعتقد ستيفن جين من Eurizon SLJ Capital أن السوق بدأت مرحلة جديدة من تصحيح هيكلي للدولار، قد تتزامن مع نمو اقتصادي قوي وأسواق أسهم مرتفعة، مع الحفاظ على موقف واشنطن التجاري العدواني.
وأضاف جين: "في 2025، شهد الدولار نحو ثلث تصحيحه الهيكلي فقط، ومن المتوقع أن يكتمل الثلث التالي ضد آسيا، مع ارتفاع محتمل لليورو مقابل الدولار".
ومع نمو الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع الدين العام، وضغط الاحتياطي الفيدرالي، يبدو أن إدارة أي ضعف جديد للدولار ستكون مهمة صعبة قد تثير تقلبات كبيرة في الأسواق العالمية. ومن المتوقع أن يستمر الذهب في الارتفاع كملاذ آمن للمستثمرين مع تزايد المخاطر على العملات.