دروس رئيسية من منتدى دافوس 2026.. هيمنة ترامب تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

أوروبا تختبر حدودها مع واشنطن

دافوس

اختتم قادة العالم وكبار التنفيذيين فعاليات الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، وسط أجواء غير مسبوقة من التوتر السياسي والاقتصادي، هيمن عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعاد رسم أجندة النقاشات الدولية من الجغرافيا السياسية إلى التجارة والطاقة والدفاع.

أوروبا تختبر حدودها مع واشنطن

أدركت أوروبا، خلال منتدى دافوس 2026، أهمية إظهار موقف موحد وأكثر صلابة في مواجهة إدارة ترامب، خصوصًا بعد تصريحاته بشأن جزيرة جرينلاند، والتي اعتُبرت تجاوزًا صارخًا لكل الخطوط الحمراء المتعلقة بالسيادة الإقليمية.

ووفقا لوكالة رويترز، يرى مسؤولون أوروبيون أن التراجع الأمريكي عن التصعيد جاء جزئيًا نتيجة المقاومة الأوروبية، إضافة إلى التقلبات التي شهدتها الأسواق المالية. غير أن الثقة الأوروبية في العلاقة عبر الأطلسي مع واشنطن تعرضت لهزة عميقة.

وقال أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي:«هناك محاولات جادة لتسريع آليات اتخاذ القرار داخل أوروبا… نحن على الأرجح بطيئون أكثر مما ينبغي».

ورغم اعتراف بعض القادة الأوروبيين بأن ترامب أثار قضايا “مشروعة”، إلا أن غالبية المشاركين وصفوا أسلوب إدارته بأنه “فج وغير دبلوماسي”.

أوكرانيا تعود إلى الواجهة

في البداية، تراجعت القضية الأوكرانية عن صدارة الاهتمام، قبل أن تعود بقوة مع وصول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دافوس لإجراء محادثات سياسية مكثفة. ورغم حديث واشنطن وكييف وموسكو عن “تقدم”، أكد زيلينسكي أن القضايا الإقليمية لا تزال دون حل، ما يجعل اتفاق السلام بعيد المنال.

وفي تطور لافت، وصل كيريل دميترييف، مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى دافوس لإجراء محادثات مع مسؤولين أمريكيين، في أول حضور روسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، دون المشاركة رسميًا في جلسات المنتدى.

كما هيمنت تساؤلات حول احتمالية توجيه ضربة أمريكية لإيران وتداعياتها المحتملة على النقاشات، في ظل الغموض المستمر الذي يميز سياسات ترامب الخارجية.

الاقتصاد الكلي والأسواق 

أشعلت تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على حلفاء أوروبيين، على خلفية ملف جرينلاند، مخاوف جديدة بشأن تصاعد النزعة الحمائية، وأعادت فتح النقاش حول اعتماد أوروبا المفرط على الاقتصاد الأمريكي.

وقال وزير المالية الكندي فرانسوا-فيليب شامبان: «ما يريده الرؤساء التنفيذيون اليوم هو الاستقرار، والقدرة على التنبؤ، وسيادة القانون… وهذه العناصر أصبحت نادرة».

ودفعت هذه التطورات بعض الحكومات والشركات إلى الدعوة لتنويع الشراكات التجارية، وتقليص الاعتماد على السوق الأمريكية، وتعزيز التجارة البينية.

البنوك والعملات المشفرة

توقعت مؤسسات مالية عالمية نشاطًا أكبر في 2026، رغم المخاطر المرتبطة بالسياسات الأمريكية، والتوترات الجيوسياسية، وتسارع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية.

وحذر جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ JP Morgan، من أن مقترحات تحديد سقف لفوائد بطاقات الائتمان قد تقود إلى “كارثة اقتصادية”، بينما أكد مصرفيون آخرون أنهم يسعون للتأثير على سياسات الإدارة الأمريكية المتعلقة بتكاليف المعيشة.

في المقابل، روج مسؤولو قطاع العملات المشفرة لأهمية العملات المستقرة وتقنية البلوك تشين، في وقت لا يزال فيه جزء من القطاع المصرفي يتعامل بحذر مع هذه التقنيات.

كما ألقت المخاوف بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واحتمالات تكون فقاعات في أسهم الذكاء الاصطناعي، بظلالها على توجهات المستثمرين.

الذكاء الاصطناعي 

حضر قطاع التكنولوجيا بقوة إلى دافوس 2026، مع ظهور نادر لإيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لـ Nvidia جنسن هوانغ، في مؤشر على مركزية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي.

وشهد المنتدى تحركًا لافتًا لشركات ناشئة مثل Anthropic، التي افتتحت مقرًا مؤقتًا في قلب دافوس بهدف تعزيز مبيعاتها للشركات.

وأكد قادة أعمال أن المخاوف من المبالغة في تقييم شركات الذكاء الاصطناعي، التي سادت نهاية 2025، بدأت تتراجع. ورغم الإقرار بفقدان بعض الوظائف، شددوا على أن وظائف جديدة ستنشأ، وأن الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يُستخدم كمبرر لتسريحات العمال، وليس السبب الحقيقي لها.

في المقابل، حذر قادة نقابيون من تفاقم البطالة وعدم المساواة، مطالبين بإطار تنظيمي وبرامج تدريب واسعة.

عودة للنفط وتراجع الخطاب الأخضر

عاد قطاع النفط بقوة إلى دافوس، مدعومًا بسياسات ترامب، الذي أوقف مشروعات طاقة الرياح، ودعا الشركات الأمريكية إلى تكثيف عمليات الحفر محليًا ودوليًا.

وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن إنتاج النفط العالمي يجب أن يتضاعف أكثر من مرة لتلبية الطلب المتزايد، في تحدٍ مباشر لتقديرات تشير إلى قرب ذروة الطلب خلال العقدين المقبلين.

وانتقد رايت ما وصفه بـ”الإفراط الأوروبي” وولاية كاليفورنيا في الإنفاق على الطاقة الخضراء، معتبرًا أن إدارة ترامب تعيد صياغة السردية العالمية للطاقة، وهو ما رحب به مسؤولو شركات النفط.

وعلى خلاف هذا التوجه، أكد إيلون ماسك أن الولايات المتحدة قادرة على تلبية كامل احتياجاتها من الكهرباء عبر الطاقة الشمسية، حتى مع التوسع الهائل في مراكز البيانات.

وقال ماسك إن جزءًا صغيرًا من ولايات مثل يوتا أو نيفادا أو نيو مكسيكو يكفي لإنتاج كل الكهرباء اللازمة، منتقدًا في الوقت نفسه الرسوم الجمركية المرتفعة على الطاقة الشمسية، والتي وصفها بأنها ترفع التكاليف بشكل مصطنع.

 آمال بإنفاق عسكري أكبر

تنفس العالم الصعداء بعد تأكيد ترامب عدم وجود حل عسكري لمطالبه المتعلقة بجرينلاند. غير أن بعض التنفيذيين رأوا في المرحلة المقبلة فرصة لزيادة الإنفاق الدفاعي في أوروبا والولايات المتحدة، بما يشمل مشروعات بنية تحتية وتوظيفًا واسع النطاق.

وفي تصريح مثير للجدل، تحدث ترامب عن “سلاح صوتي سري” قال إنه استُخدم خلال عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ما أثار ردود فعل متباينة، وأكد الكرملين أن الأجهزة الأمنية الروسية تحقق في هذه الادعاءات.

كشف منتدى دافوس 2026 عن عالم أكثر انقسامًا، وأقل يقينًا، تقوده سياسات أمريكية غير متوقعة، وتبحث فيه أوروبا عن استقلالية أكبر، بينما يتأرجح الاقتصاد العالمي بين صعود الذكاء الاصطناعي، وعودة الوقود الأحفوري، وتزايد المخاطر الجيوسياسية.