عندما تغادر المخاطر القارة.. لماذا تفشل منظومة إعادة التأمين الأفريقية في الاحتفاظ بالخطر؟ (تحقيق استقصائي)

تحقيق استقصائي يرصد نمو سوق «إعادة التأمين» دون احتفاظ حقيقي.. ويحلل كيف أعادت التحولات التنظيمية في مصر طرح سؤال السيادة التأمينية

شركات إعادة التأمين

لم تعد المخاطر التي تواجه القارة الأفريقية مجرد خسائر موسمية تُسجَّل في تقارير شركات التأمين، ولا أحداثًا متفرقة ترتبط بكوارث طبيعية أو اضطرابات سياسية عابرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة ضغوط متشابكة تجمع بين المناخ والاقتصاد ورأس المال، وتعيد طرح السؤال الأهم: من يحتفظ بالخطر؟ ومن يديره؟ ومن يدفع ثمنه في النهاية؟

ورغم اتساع القارة الأفريقية جغرافيًا وديموغرافيًا، فإن حضورها في سوق التأمين العالمي لا يزال محدودًا؛ إذ لا تتجاوز مساهمة أفريقيا نحو 1.5% من إجمالي الأقساط التأمينية العالمية، بحسب تقارير قطاعية منشورة.

وفي المقابل، تضم القارة ما يقرب من 51  شركة إعادة تأمين بنهاية عام 2023، وهو عدد يعكس اتساع البنية المؤسسية للقطاع مقارنة بحجمه الفعلي في السوق العالمي، وفق ما أوردته تقارير متخصصة في صناعة التأمين الأفريقية.

لكن المفارقة الأشد لا تتعلق بعدد الشركات بقدر ما تتعلق بمكان "احتفاظ الخطر". فوفقًا لما تذكره المؤسسة الأفريقية لإعادة التأمين Africa Re  على موقعها الرسمي، فإن نحو 70% من أقساط إعادة التأمين في القارة لا تزال تغادر أفريقيا سنويًا إلى معيدي تأمين خارجها. ومعنى ذلك أن الجزء الأكبر من القيمة المضافة—من تسعير متقدم، وإدارة محافظ، وخبرة فنية—يتشكل خارج القارة، بينما تبقى الشركات الأفريقية في كثير من الأحيان أمام عبء تشغيلي كبير، دون امتلاك “سعات الاحتواء” الكافية.

الاحتفاظ بالمخاطر غير الكافي في سوق إعادة التأمين الأفرليقية
تم تصميمها من خلال المحرر - بواسطة برنامج بوربوينت

هذه الظاهرة ليست تفصيلًا ماليًا، بل مؤشرًا على خلل بنيوي: كيف تنمو سوق إعادة التأمين الأفريقية، دون أن تنمو بالقدر نفسه قدرتها على الاحتفاظ بالمخاطر؟ ولماذا لا تنجح عشرات الشركات العاملة في القارة في كسر حلقة الاعتماد المزمن على معيدي التأمين الدوليين، رغم اتساع الطلب وتزايد الأخطار؟

«المال» تُجري هذا التحقيق الاستقصائي لتفكيك الإشكالية من جذورها: قراءة خريطة إعادة التأمين في أفريقيا، ونماذج عمل أبرز الشركات، وفجوات الرسملة والتصنيف الائتماني والحوكمة والقدرات الفنية، في لحظة عالمية باتت فيها المخاطر أغلى، ورأس المال أكثر تحفظًا، والسعات أكثر انتقائية.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز مصر كحالة اختبار لافتة: سوق كبير في شمال أفريقيا، عميق الارتباط بأسواق إعادة التأمين الدولية، لكنه بلا كيان وطني لإعادة التأمين. ومع التحولات التنظيمية التي شهدها السوق مؤخرًا، عادت إلى الواجهة أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة: من يحتفظ بالمخاطر داخل السوق؟ من يعيد تمريرها؟ وهل تعكس هذه التحولات محاولة لتعزيز الصمود المالي، أم إعادة توزيع هادئة للعبء داخل المنظومة؟

هذا التحقيق لا يكتفي برصد ما تغيّر، بل يتتبع مسار الخطر منذ لحظة نشأته، مرورًا بسلسلة التأمين وإعادة التأمين، وصولًا إلى من يتحمل التكلفة في النهاية، وذلك في قارة ينمو فيها سوق إعادة التأمين، لكن السيطرة على المخاطر لا تزال خارجها.

خريطة إعادة التأمين في أفريقيا: من يلعب أي دور؟

لا تكشف أزمة إعادة التأمين في أفريقيا عن نقص في عدد الكيانات العاملة بقدر ما تكشف عن تفاوت حاد في الأدوار والقدرات داخل السوق نفسه.فخلف الأرقام التي تتحدث عن نمو الأقساط وتعدد الشركات، تختبئ خريطة غير متجانسة تضم لاعبين يتحملون أعباء مختلفة، ويعملون بسقوف احتفاظ متباينة، ويؤدون أدوارًا لا تتقاطع بالضرورة مع طموحات القارة في الاحتفاظ بالمخاطر.

وتُظهر قراءة هيكل سوق إعادة التأمين الأفريقية أن الشركات العاملة لا تمثل كتلة واحدة، ولا تتحرك بالمنطق ذاته. فبعضها يمتلك قدرة نسبية على الاحتفاظ بالمخاطر داخل القارة مدعومًا برأسمال وانتشار مؤسسي، بينما يعمل البعض الآخر في نطاق إقليمي محدود، أو يؤدي وظيفة حمائية داخل أسواقه الوطنية دون أن يمتد تأثيره خارج الحدود.

هذا التباين لا يعكس اختلاف الأحجام فقط، بل يحدد عمليًا من يحتفظ بالخطر، ومن يعيد تمريره، ومن يظل خارج معادلة القرار. ومن ثم، يصبح فهم خريطة إعادة التأمين في أفريقيا شرطًا أساسيًا لفهم سبب استمرار فجوة الاحتفاظ، ولماذا لا ينعكس نمو السوق تلقائيًا في صورة قدرة قارية على إدارة المخاطر.

تحديات سوق إعادة التأمين الأفريقي
تم تصميمها من خلال المحرر - بواسطة برنامج بوربوينت

وكشفت البيانات المالية والتشغيلية للشركات الكبرى أن الفارق الحقيقي بينها لا يتعلق بالحجم وحده، بل بقدرتها على تحويل النمو إلى احتفاظ فعلي بالمخاطر. فعلى مستوى اللاعبين المحوريين، تُعد Africa Re  النموذج الأوضح لقدرة نسبية على الاحتفاظ، مدعومة بقاعدة رأسمالية متنامية؛ إذ أظهرت بياناتها الرسمية نمو حقوق المساهمين بنحو 8.9% خلال 2024، إلى جانب تصنيفات ائتمانية قوية وانتشار إقليمي واسع، في إطار استراتيجية معلنة تقوم على الانضباط الاكتواري والنمو المتوازن.

وتتكرر الصورة، وإن بصيغة مختلفة، لدى ZEP-RE  التي استفادت من حصص إلزامية في عدد من الدول الأفريقية، وسجلت نسبة خسارة مجمعة تقارب 86.6% خلال الفترة 2022–2024 وفق بيانات منشورة لوكالة AM Best . هذا الانضباط الفني مكّن الشركة من توسيع انتشارها الجغرافي والتركيز على حلول التأمين المناخي والكوارث.

في المقابل، يظل نموذج SanlamAllianz Re  استثناءً داخل السوق، يجمع بين رأس المال الأفريقي والخبرة العالمية؛ إذ حصل على تصنيف A- (Excellent)  في 2024، ويعمل عبر شبكة تمتد لأكثر من 45 دولة أفريقية، غير أن هذا النموذج لا يزال محدود الانتشار مقارنة بحجم القارة.

وعلى مستوى اللاعبين الإقليميين، تكشف الأرقام مفارقة لافتة بين سرعة نمو الأقساط واستدامة الربحية. فقد سجلت Continental Reinsurance نموًا قياسيًا في الأقساط خلال 2024 بنسبة 133%  لتصل إلى نحو233  مليار نيرة نيجيرية، بحسب بياناتها المنشورة، إلا أن هذا التوسع صاحبه تراجع في صافي الأرباح، ما يعكس حساسية النمو السريع في بيئة مرتفعة المخاطر رغم الاستعداد التنظيمي.

وتبرز مفارقة مشابهة لدى Atlantic Re  التي حققت أقساطًا تقارب 4 مليارات درهم مغربي خلال 2024، مع توسع إقليمي ملحوظ، لكنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على السوق المحلي الذي يستحوذ على نحو 70–75% من أقساطها، وهو ما يحد من قدرتها على لعب دور احتفاظ قاري واسع.

أما الشركات الوطنية، فتؤكد بياناتها أن دورها يظل أقرب إلى الحماية السيادية منه إلى بناء قدرة قارية على الاحتفاظ بالمخاطر. ففي ناميبيا، تعمل NamibRe  وفق حصة إلزامية تبلغ 20% من أقساط السوق المحلي، مع أصول قاربت 962 مليون دولار ناميبي بنهاية مارس 2024، دون تأثير إقليمي ملموس.

وفي زامبيا، حققت Zambia Re  تحسنًا ماليًا لافتًا خلال 2024، مع نمو الإيرادات بنسبة 56% وصافي الربح بنسبة 83%، مدفوعًا بتحديث الإطار التنظيمي وتطبيق معيار IFRS 17، وهو تحسن يعكس تطور البيئة التنظيمية المحلية أكثر مما يعكس قدرة تنافسية قارية.

وتشير بيانات منشورة في Atlas Magazine  إلى أن سوق إعادة التأمين الأفريقية ينمو بمعدل يتراوح بين 8و9% سنويًا، مع تركّز نحو 51% من الأقساط لدى عدد محدود من الشركات الكبرى. ورغم تحسن الرسملة والحوكمة، لا تمتلك القارة حتى الآن كيانًا قادرًا على لعب دور «مُعيد الملاذ الأخير» على المستوى الإقليمي، وهو ما يبقي فجوة الاحتفاظ قائمة رغم نمو السوق.

خريطة افريقيا
خريطة أفريقيا

 

خلل بنيوي يعطّل التكامل الأفريقي

فهم هذا الخلل لا يكتمل فقط عبر قراءة أرقام الأقساط أو نسب الاحتفاظ، بل يتطلب النظر فهمًا أوسع في السياق البنيوي الذي تتحرك داخله الأسواق الأفريقية.

وفي هذا الإطار، تكشف دراسة بحثية معمّقة بعنوان «مستقبل التكامل الإقليمي في إفريقيا.. قراءة في ضوء الدوافع والواقع والتحديات»، للباحث أ.د. محمد عاشور مهدي، والمنشورة في مارس 2017 عبر منصة «قراءات إفريقية» – اطّلعت «المال» على نسخة منها – عن جذور أعمق لفشل بناء أدوات قارية مشتركة قادرة على إدارة الموارد والمخاطر.

وتوضح الدراسة أن القارة، رغم أنها تضم نحو 13% من سكان العالم، لا تسهم بأكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما لا تتجاوز حصتها من التجارة الدولية 2%، وفق البيانات التي اعتمدت عليها الدراسة من مؤسسات دولية، وهو ما يعكس ضعفًا هيكليًا في القدرة على خلق كيانات اقتصادية ومالية ذات وزن تفاوضي حقيقي.

وتشير الدراسة إلى أن أغلب محاولات التكامل الإقليمي في أفريقيا اتسمت بطابع سياسي أكثر منه اقتصادي، مع غياب آليات تنفيذ فعّالة، وتداخل عضوية الدول في عشرات التجمعات الإقليمية دون تنسيق حقيقي، وهو ما أدى إلى تفكك الجهد بدلًا من تركّزه. هذا الواقع – بحسب الدراسة – أضعف قدرة الدول الأفريقية على بناء مؤسسات مشتركة قادرة على تجميع الموارد، أو توزيع الأعباء، أو إدارة المخاطر العابرة للحدود.

وتلفت الدراسة إلى أن أحد أخطر معوقات التكامل يتمثل في التمسك الحرفي بالسيادة الوطنية، ورفض نقل صلاحيات حقيقية إلى كيانات فوق وطنية، وهو ما يُنتج – في التطبيق العملي – مؤسسات إقليمية بلا أدوات إلزام، وبلا قدرة على لعب دور «الضامن الأخير» في الأزمات.

في ضوء هذا التحليل، يمكن قراءة أزمة إعادة التأمين الأفريقية بوصفها امتدادًا منطقيًا لهذا الفشل البنيوي؛ فغياب الثقة، وضعف الرسملة المشتركة، وتشتت القرار، كلها عوامل تفسر لماذا لم تنجح القارة، حتى الآن، في بناء كيان إقليمي قادر على الاحتفاظ بالمخاطر داخل حدودها، رغم مرور عقود على إنشاء تجمعات اقتصادية ونقدية متعددة.

ومن هنا، يصبح سؤال التحقيق أكثر حدة:

إذا كانت الأطر القارية عاجزة عن إنتاج معيد تأمين أفريقي قوي، فهل يمكن لنهج مختلف – تقوده دولة ذات ثقل سوقي وتنظيمي مثل مصر – أن يفتح مسارًا بديلًا خارج قيود التجربة الجماعية التقليدية؟

وتنشر «المال» الدراسة كاملة كمرفق ضمن هذا التحقيق، باعتبارها إطارًا تفسيريًا يضيء الخلفية المؤسسية التي تشكلت داخلها أزمة الاحتفاظ بالمخاطر في أفريقيا.

تكشف خريطة إعادة التأمين في أفريقيا أن المشكلة لا تكمن في غياب اللاعبين، بل في حدود الأدوار التي يؤدونها. فحتى مع وجود شركات محورية وإقليمية ووطنية، يظل السؤال الجوهري قائمًا: لماذا تستمر المخاطر في مغادرة القارة؟ ولماذا لا ينعكس نمو السوق في صورة قدرة حقيقية على الاحتفاظ بالخطر داخلها؟

 

لماذا تستمر فجوة الاحتفاظ رغم نمو السوق؟

تكشف قراءة أعمق لأداء منظومة إعادة التأمين في أفريقيا أن استمرار فجوة الاحتفاظ لا يرتبط فقط بحجم السوق أو عدد الشركات، بل بعوامل تشغيلية وهيكلية تحدّ من قدرة الشركات على تحويل النمو إلى قوة احتفاظ فعلية. فحتى مع تحسن مؤشرات الأقساط، تظل قدرة كثير من الشركات على استيعاب الأخطار الكبيرة مقيدة بسقوف رأسمالية وتشغيلية ضيقة.

أحد هذه القيود يتمثل في بطء نمو رؤوس الأموال مقارنة بتسارع طبيعة الأخطار. فبحسب بيانات منشورة في Atlas Magazine، لم يتجاوز نمو رأس المال لدى بعض شركات إعادة التأمين الأفريقية الكبرى، مثل Ghana Re، نسبة 1.1% خلال عشر سنوات، في وقت توسعت فيه محافظ الأخطار لتشمل مشروعات طاقة وبنية تحتية ذات تعرض مرتفع للمخاطر المناخية. هذا الخلل الزمني بين نمو رأس المال وتطور الأخطار يضع الشركات أمام معادلة صعبة عند الاكتتاب في الأخطار الكبيرة.

وتتفاقم هذه القيود بسبب نقص القدرات الفنية المتخصصة، لا سيما في المجال الاكتواري. فوفق بيانات نشرتها صحيفة BusinessDay  النيجيرية، لا يتجاوز عدد الاكتواريين المؤهلين في نيجيريا نحو 30خبيرًا فقط، وهو ما يحد من قدرة الشركات على تطوير نماذج تسعير دقيقة تعكس الخصوصية الجغرافية والمناخية للأسواق الأفريقية، ويدفعها للاعتماد على خبرات خارجية في تقييم الأخطار المركبة.

كما تلعب التصنيفات الائتمانية المتواضعة دورًا مباشرًا في تعميق الفجوة. إذ تُظهر بيانات وكالات التصنيف، وعلى رأسها AM Best، أن غالبية شركات إعادة التأمين الأفريقية تعمل ضمن نطاق تصنيفات متوسطة أو منخفضة، وهو ما يرفع تكلفة رأس المال، ويقيد القدرة على التوسع في الاحتفاظ بالأخطار ذات القيم العالية، مقارنة بشركات عالمية تتمتع بتصنيفات مرتفعة تسمح لها بمرونة أكبر في إدارة المحافظ.

وفي محاولة لمواجهة هذه القيود، اعتمدت بعض الأسواق الأفريقية على أدوات تنظيمية حمائية، مثل الحصص الإلزامية لصالح شركات إعادة التأمين الوطنية. غير أن تقارير قطاعية منشورة في Atlas Magazine  وInsurance Business  تشير إلى أن هذه الأدوات، رغم دورها في دعم الأسواق المحلية على المدى القصير، لا تؤدي بالضرورة إلى بناء طاقة احتفاظ مستدامة ما لم تُصاحبها إصلاحات أعمق في الحوكمة، والرسملة، وتطوير الكفاءات الفنية.

وتوضح هذه العوامل مجتمعة أن نمو سوق إعادة التأمين في أفريقيا لا يعني تلقائيًا تضييق فجوة الاحتفاظ. فالمشكلة لم تعد في “كم” الأقساط، بل في كيفية إدارتها، وتسعيرها، وامتصاصها داخل النظام. وهو ما يفتح الباب أمام السؤال الذي ينتقل به التحقيق إلى مرحلته التالية: هل تكفي الأدوات التنظيمية والفنية الحالية لمعالجة الخلل؟ أم أن القارة تحتاج إلى إعادة ترتيب أعمق لمعادلة الاحتفاظ بالمخاطر؟

معالجة فجوة الاحتفاظ في إعادة التأمين في أفريقيا
تم تصميمها من خلال المحرر - بواسطة برنامج بوربوينت

في ظل خريطة قارية تتسم بتفاوت الأدوار وحدود الاحتفاظ، تبرز بعض الأسواق الأفريقية كنقاط اختبار حقيقية لقدرة الإصلاحات التنظيمية على تغيير مسار الخطر. ومن بين هذه الأسواق، تكتسب مصر أهمية خاصة، ليس فقط بحكم حجم سوقها، بل لأن ما يحدث داخلها يعكس محاولة عملية لإعادة ضبط العلاقة بين الاحتفاظ بالمخاطر والانكشاف على أسواق إعادة التأمين الدولية.

 

مصر تحت المجهر: ماذا يحدث عندما تتغير قواعد إدارة الخطر؟

يُعد السوق المصري من أكبر أسواق التأمين في شمال أفريقيا، مع قاعدة أقساط متنامية وتركيز واضح في فروع الممتلكات والطاقة والهندسي. ووفق التقرير السنوي لنشاط التأمين للعام المالي 2023/2024 الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية، تجاوز إجمالي أقساط سوق التأمين المصري 90 مليار جنيه، مدفوعًا بنمو تأمينات الممتلكات والمسؤوليات، وهي الفروع الأكثر اعتمادًا على إعادة التأمين الخارجي.

غير أن التحول الأبرز خلال العامين الأخيرين لم يكن في حجم السوق بقدر ما كان في الإطار التنظيمي الحاكم لإدارة المخاطر. فمع بدء التطبيق الإلزامي لمعيار IFRS 17  اعتبارًا من يناير 2023، وتشدد متطلبات الملاءة وربط رأس المال بطبيعة الأخطار، اضطرت شركات التأمين إلى إعادة هيكلة برامج إعادة التأمين الخاصة بها. وأشارت نشرة تطبيق IFRS 17 في سوق التأمين المصرية (2023) الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية إلى أن المعيار الجديد أعاد تسليط الضوء على جودة الاحتفاظ بالمخاطر وتأثير الإعادة على النتائج الفنية والقوائم المالية.

تزامن ذلك مع تشدد عالمي في سوق إعادة التأمين. ووفق تقرير “Global Reinsurance Market Outlook 2024” الصادر عن AM Best، شهدت الأسواق الناشئة خلال 2023–2024 زيادات ملحوظة في أسعار إعادة التأمين، لا سيما في فروع الطاقة والكوارث الطبيعية، مع تشدد في الشروط وتقليص السعات المتاحة للأسواق ذات الانكشاف المرتفع للمخاطر.

في هذا السياق، اتجهت شركات التأمين المصرية ذات القواعد الرأسمالية الأقوى إلى رفع نسب الاحتفاظ الانتقائي في بعض الأخطار المتوسطة للحد من أثر ارتفاع تكلفة الإعادة الخارجية، بينما فضّلت شركات أخرى، أقل قدرة على التحمل، زيادة تمرير الأخطار إلى الخارج لتجنب الضغط على مؤشرات الملاءة، حتى وإن انعكس ذلك على هوامش الربحية. ويعكس هذا الاتجاه ما ورد في تقرير “Reinsurance Pricing and Capacity 2024” الصادر عن Insurance Business، الذي أشار إلى إعادة تسعير تصاعدية وشروط أكثر تحفظًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وامتد أثر هذه التحولات إلى السوق ككل. فبحسب نشرة سوق التأمين – الربع الثاني 2024 الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، ظهرت مؤشرات على ارتفاع متوسط أسعار بعض التغطيات عالية المخاطر، إلى جانب زيادة الاعتماد على برامج إعادة تأمين أكثر تعقيدًا للامتثال لمتطلبات الملاءة.

ورغم أن هذه التغييرات ساهمت في تحسين جودة الاكتتاب والانضباط المالي، فإنها كشفت في الوقت نفسه عن حدود الإصلاح التنظيمي دون وجود طاقة احتواء محلية. فالسوق المصري لا يمتلك حتى الآن كيانًا وطنيًا لإعادة التأمين يمكنه لعب دور داعم في فترات تشدد السوق العالمي أو المساهمة في بناء قدرة احتفاظ طويلة الأجل.

ومن هنا، تتحول الحالة المصرية إلى حالة اختبار إقليمية: إذا كان سوق بحجم وتعقيد السوق المصري، وبهذا المستوى من التنظيم والرقابة، لا يزال شديد الاعتماد على إعادة التأمين الخارجية في الأخطار الجوهرية، فكيف هو حال الأسواق الأصغر؟ وهل تكفي القواعد وحدها لإعادة ضبط مسار الخطر، أم أن غياب أدوات الاحتواء المحلية يظل فجوة مؤجلة تظهر مع كل دورة تشدد جديدة في سوق الإعادة العالمي؟

تحديات سوق التأمين المصري
تم تصميمها من خلال المحرر - بواسطة برنامج بوربوينت

فقد أكدت دراسة أكاديمية محكّمة بعنوان «تقييم مدى حاجة سوق التأمين المصري لشركة إعادة تأمين وطنية في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية»، أعدّتها أمل أحمد حسن الدالي، والمنشورة في مجلة البحوث المالية والتجارية – عدد يوليو 2020 –حصلت «المال» على نسخة منها– أن غياب كيان وطني لإعادة التأمين لا يمثل مجرد فراغ مؤسسي، بل يترتب عليه نزيف مالي مباشر يحد من قدرة السوق على الاحتفاظ بالمخاطر داخل الاقتصاد المحلي.

وأوضحت الدراسة، التي اعتمدت على بيانات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية خلال الفترة من 2008  إلى 2018، أن أقساط إعادة التأمين الصادر من السوق المصري إلى الخارج بلغت نحو 42.2 مليار جنيه، في مقابل تعويضات مستردة لم تتجاوز 20.9 مليار جنيه، ما يعني تسربًا صافيًا يقترب من 21.3 مليار جنيه لصالح معيدي التأمين في الخارج خلال عشر سنوات فقط، دون أن يقابله بناء طاقة احتفاظ محلية موازية.

وبيّنت الباحثة أن متوسط الاحتفاظ الفعلي في سوق تأمينات الممتلكات ظل أقل بكثير من المستوى الممكن تحقيقه؛ إذ بلغ الاحتفاظ الفعلي نحو 4.6 مليار جنيه، في حين أظهرت النماذج الكمية التي استخدمتها الدراسة أن السوق يمتلك قدرة استيعابية تسمح برفع الاحتفاظ إلى نحو 8.7 مليار جنيه دون تعريض الملاءة المالية للخطر، ما يعكس فجوة غير مستغلة في إدارة المخاطر داخل السوق المصري.

كما أشارت الدراسة إلى أن معدل الخسائر في عمليات إعادة التأمين الواردة من الخارج بلغ نحو 71%، مقابل 49% لعمليات إعادة التأمين الصادرة، وهو ما يعكس اختلالًا في هيكل تبادل المخاطر، ويؤكد أن السوق المصري يتحمل أخطارًا أعلى في العمليات الواردة، بينما يمرّر جزءًا كبيرًا من مخاطره الجوهرية إلى الخارج بشروط أقل كفاءة.

وخلصت الباحثة إلى أن إنشاء شركة إعادة تأمين وطنية لا ينبغي النظر إليه باعتباره خطوة تنظيمية أو توسعية فقط، بل كأداة لتعزيز السيادة التأمينية وتقليل الضغط على النقد الأجنبي، ورفع كفاءة إدارة الأخطار الكبيرة، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والبنية التحتية، مؤكدة أن استمرار الاعتماد المكثف على الإعادة الخارجية يُبقي السوق عرضة لتقلبات القرارات الائتمانية وشهية المخاطرة لدى معيدي التأمين الدوليين.

وتنشر «المال» الدراسة كاملة كمرفق ضمن هذا التحقيق، باعتبارها إحدى المرجعيات الرقمية التي تسلط الضوء على جذور الفجوة بين نمو سوق التأمين المصري وقدرته الفعلية على الاحتفاظ بالمخاطر داخل الاقتصاد الوطني.

 

لماذا لا تكفي القواعد وحدها؟

تكشف التجربة الأفريقية أن تشديد القواعد التنظيمية، رغم ضرورته، لا يضمن بالضرورة بناء قدرة حقيقية على الاحتفاظ بالمخاطر إذا لم يتوافر لاعب مؤسسي قادر على امتصاصها. هذا الاستنتاج تدعمه دراسة أكاديمية حديثة بعنوان «دور الأجهزة القومية للرقابة على التأمين في تطوير أداء شركات التأمين – دراسة حالة سوق التأمين السوداني»، صادرة عن جامعة النيلين، ونُشرت في مجلة الدراسات العليا عام 2024، واطّلعت «المال» على نسخة منها.

الدراسة، التي اعتمدت على تحليل ميداني واختبارات إحصائية لبيانات سوق التأمين في السودان، خلصت إلى وجود علاقة إيجابية ذات دلالة معنوية بين تدخل الجهة الرقابية وتشديد الأطر التنظيمية من جهة، وتحسن الأداء الفني لشركات التأمين من جهة أخرى، لا سيما من حيث خفض معدلات الخسائر وتعزيز الانضباط الاكتتابي.

غير أن النتائج كشفت في الوقت نفسه عن حدود هذا التأثير. فالدراسة أوضحت أن إلزام الشركات بهوامش ملاءة، وتعيين خبراء اكتواريين، والتدخل في اتفاقيات إعادة التأمين، ساهم في تحسين مؤشرات الأداء، لكنه لم يؤدِّ إلى قفزة نوعية في قدرة السوق على الاحتفاظ بالمخاطر الكبيرة، بسبب ضعف البنية الرأسمالية وغياب معيد تأمين قوي قادر على لعب دور داعم عند الصدمات.

وأشارت الدراسة إلى أن إعادة التأمين تمثل عنصرًا حاسمًا في استقرار المراكز المالية لشركات التأمين، وأن تدخل الجهة الرقابية في تنظيم برامج الإعادة يظل ذا أثر محدود إذا اقتصر على الجانب الإجرائي، دون أن يصاحبه وجود كيان قادر على تجميع المخاطر وإدارتها على مستوى السوق ككل. وبعبارة أخرى، فإن التنظيم حسّن السلوك، لكنه لم يخلق طاقة احتواء جديدة.

هذه الخلاصة تكتسب دلالة أوسع عند إسقاطها على أسواق أخرى في القارة. فإذا كان سوق مثل السودان، الذي شهد تشددًا تنظيميًا واضحًا، لا يزال يواجه قيودًا هيكلية في الاحتفاظ بالمخاطر لغياب لاعب إعادة قوي، فإن الرهان على القواعد وحدها في أسواق أكبر وأكثر تعقيدًا يظل رهانًا ناقصًا.

ومن هنا، يصبح السؤال المطروح في هذا التحقيق أكثر وضوحًا: هل يكفي تحسين الأطر التنظيمية وإعادة ضبط القواعد؟ أم أن التجربة الأفريقية، مدعومة بالدليل الميداني، تشير إلى أن غياب لاعب وطني أو إقليمي قوي لإعادة التأمين يظل الحلقة الأضعف في معادلة الاحتفاظ بالمخاطر؟

وتنشر «المال» الدراسة كاملة كمرفق ضمن هذا التحقيق، باعتبارها إحدى المرجعيات.

 

التنظيم وحده لا يكفي
تم تصميمها من خلال المحرر - بواسطة برنامج بوربوينت

هل تستطيع مصر كسر القاعدة؟

يكشف هذا التحقيق، عبر تتبع خريطة إعادة التأمين في أفريقيا، وتحليل أداء الشركات، وقراءة تجارب تنظيمية وبحثية متعددة، أن أزمة الاحتفاظ بالمخاطر في القارة ليست أزمة سوق ينقصه النمو، بل منظومة ينقصها مركز ثقل. فالأقساط تتوسع، والكيانات تتعدد، والقواعد التنظيمية تتشدد، لكن الخطر يظل عابرًا للحدود، والقيمة المضافة تتشكل خارج القارة.

في هذا السياق، لا تبدو الحالة المصرية مجرد مثال محلي، بل نقطة اختبار. فسوق بحجم السوق المصري، وبمستوى التنظيم والرقابة الذي شهده خلال السنوات الأخيرة، ما زال يعتمد بشكل كبير على إعادة التأمين الخارجية في الأخطار الجوهرية، رغم امتلاكه قاعدة أقساط واسعة، وخبرات فنية متراكمة، وبنية مؤسسية أكثر تطورًا مقارنة بعدد من الأسواق الأفريقية الأخرى.

وتُظهر الأدلة التي استعرضها التحقيق أن الإصلاح التنظيمي، على أهميته، لا يخلق بمفرده طاقة احتواء جديدة. فالتجربة السودانية، المدعومة بدراسة ميدانية حديثة، تؤكد أن تشديد القواعد يحسن السلوك الفني، لكنه لا يعوض غياب لاعب إعادة قوي قادر على تجميع المخاطر وامتصاص الصدمات. كما تكشف الدراسة الأكاديمية حول السوق المصري أن فجوة الاحتفاظ ليست افتراضية، بل رقمية وقابلة للقياس، وأن جزءًا معتبرًا من القدرة الاستيعابية يظل غير مستغل.

وعلى المستوى القاري، يفسر فشل نماذج التكامل الإقليمي، كما أظهرت الدراسات، لماذا لم تنجح أفريقيا في بناء كيان جامع لإعادة التأمين رغم تعدد التجمعات والمؤسسات. فالقرار المشتت، وضعف الرسملة المشتركة، والحساسية المفرطة تجاه نقل الصلاحيات، أنتجت كيانات محدودة التأثير، غير قادرة على لعب دور «مُعيد الملاذ الأخير».

من هنا، يطرح التحقيق سؤالًا مختلفًا: بدلًا من انتظار حل قاري شامل قد لا يأتي قريبًا، هل يمكن لدولة ذات ثقل سوقي وتنظيمي مثل مصر أن تسلك مسارًا مغايرًا؟ مسار لا يقوم فقط على تحسين القواعد، بل على بناء أداة مؤسسية جديدة تعيد تعريف مكان بقاء الخطر داخل الاقتصاد، وتحوّل إعادة التأمين من قناة لتسرب القيمة إلى رافعة للاحتفاظ بها.

الإجابة ليست بسيطة، ولا ينبغي أن تكون كذلك. فبناء كيان وطني لإعادة التأمين يطرح أسئلة معقدة تتعلق بالرسملة، والحوكمة، ودور الدولة، وحدود المنافسة، والعلاقة مع معيدي التأمين العالميين. لكن ما يبدو أكثر وضوحًا، في ضوء ما سبق، أن استمرار الوضع القائم يحمل كلفة صامتة تتراكم مع كل دورة تشدد في سوق الإعادة العالمي، ومع كل صدمة مناخية أو جيوسياسية جديدة.

وهنا، لا ينتهي التحقيق بإعلان حل، بل بتحديد مفترق طرق:

إما الاكتفاء بإدارة القيود داخل منظومة قائمة أثبتت حدودها،أو الانتقال إلى مرحلة إعادة هندسة أعمق تعيد رسم خريطة الاحتفاظ بالمخاطر.

السؤال لم يعد: هل تحتاج أفريقيا – أو مصر – إلى إعادة تأمين أقوى؟
بل: من يملك الجرأة المؤسسية لكسر القاعدة؟