من التتبع إلى التحقق: لماذا لم تعد أدوات مكافحة الغش كافية؟

لكنه لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأخطر: هل هذا المنتج أصليّ من الأساس؟

حاتم زغلول

لم يعد الغش التجاري مجرد مخالفة اقتصادية عابرة، بل تحوّل إلى تهديد مباشر للصحة العامة، وسلاسل الإمداد، وسمعة الدول المنتجة. ويبرز قطاع الأدوية كنموذج صارخ لهذا الخلل، حيث تتداخل التقنيات الحديثة مع ثغرات تنظيمية تسمح بمرور منتجات مغشوشة رغم تطور أدوات الرقابة.

خلال السنوات الأخيرة، اتجهت دول عديدة إلى تبنّي نُظم التتبع الرقمي للمنتجات، وفي مقدمتها نظام GS1، الذي يهدف إلى متابعة حركة الدواء عبر سلسلة التوريد، من المصنع حتى نقطة البيع. وقد أسهم هذا النظام، بالفعل، في تحسين إدارة المخزون، والحد من بعض أشكال التلاعب اللوجستي، إلا أن الخلط بين التتبع والتحقق من الأصالة لا يزال يمثل إشكالية جوهرية.

التتبع لا يعني الأصالة

التتبع الرقمي يجيب عن سؤال:

أين تحرَّك المنتج؟

لكنه لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأخطر:

هل هذا المنتج أصليّ من الأساس؟

ففي أغلب النُّظم المعتمَدة حاليًّا، يكون الكود المستخدم ثابتًا أو قابلًا للتصوير وإعادة الاستخدام، ما يسمح للمُزوّرين بنَسخه ووضعه على عبوات مقلّدة تمر عبر المسار نفسه تقريبًا. النتيجة أن المنتج “يبدو” سليمًا داخل النظام، بينما هو في الحقيقة مغشوش.

ماذا يفعل العالم الآن؟

تنوّعت محاولات مواجهة هذه الفجوة بين:

الأكواد الثنائية (QR Codes)

الملصقات الهولوجرامية

شرائح RFID

حلول تعتمد على البلوك تشين

لكن التجربة العملية أظهرت أن كل حل من هذه الحلول يحمل قيودًا واضحة:

بعضها مرتفع التكلفة

بعضها معقد على المستخدم النهائي

وبعضها يضيف طبقة تقنية دون أن يمنع التزوير جذريًّا

المشكلة ليست في غياب التكنولوجيا، بل في فلسفة استخدامها.

الفجوة الكبرى: غياب المرجعية العالمية

الغش التجاري، اليوم، عابر للحدود، بينما أدوات مكافحته لا تزال محلية، أو إقليمية، أو مرتبطة بشركات بعينها. لا توجد حتى الآن مرجعية دولية موحدة للتحقق من أصالة المنتجات، يمكن الوثوق بها عبر الأسواق المختلفة، أو الاعتراف بها بين الدول.

هذا التشتت يخلق فراغًا تستغلّه شبكات الغش، ويجعل من السهل تمرير المنتجات المقلَّدة من سوق إلى أخرى، مستفيدة من اختلاف المعايير والأنظمة.

الحاجة إلى انتقال نوعي

ما يحتاج إليه العالم، اليوم، ليس كودًا جديدًا فحسب، بل انتقال من منطق التتبع إلى منطق التحقق.

أيْ من مجرد معرفة مسار المنتَج، إلى القدرة على التأكد - في أي لحظة - من أن كل وحدة إنتاج تحمل هوية رقمية فريدة لا يمكن نسخها أو إعادة استخدامها.

هذا التحول يفرض طرح أسئلة أعمق:

من يضع معايير التحقق؟

ومن يضمن حيادها؟

وكيف يمكن جعلها قابلة للاستخدام عالميًّا دون الإضرار بالسيادة التنظيمية للدول؟

مستقبل مكافحة الغش

من الواضح أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تعريف لدور التكنولوجيا في حماية الأسواق، ليس بوصفها أداة تقنية فحسب، بل كجزء من منظومة ثقة تشمل الدولة، والمنتِج، والمستهلك.

ومع تصاعد الخسائر الناتجة عن الغش التجاري، التي تُقدّر عالميًّا بمئات المليارات سنويًّا، يصبح الاستثمار في نُظم تحقق أكثر ذكاءً وأكثر صلابة خيارًا اقتصاديًّا قبل أن يكون تقنيًّا.

الخلاصة أن معركة مكافحة الغش لم تُحسَم بعد، لكنها دخلت مرحلة جديدة:

مرحلة السؤال عمّن يضمن الأصالة

لا فقط من يتتبع المنتج.

د.حاتم زغلول

مخترع تكنولوجيا الواى فاي السريع والمفاعلات الاندماجية وخبير تكنولوجيا الاتصالات والأمن السيبراني

* مخترع الواي فاي السريع وخبير تكنولوجيا الاتصالات