الصين تشدد تنظيم الطيران منخفض الارتفاع.. تعديلات شاملة لضبط سوق الدرونز وتعزيز معايير السلامة

وافقت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني على التعديلات الجديدة في 27 ديسمبر، لتضيف بنودًا صريحة تنظم صلاحية الطيران للطائرات غير المأهولة

 الطيران المدني

أقرت الصين تعديلات واسعة على قانون الطيران المدني، في خطوة تنظيمية هي الأولى من نوعها التي تُدخل الطائرات غير المأهولة “الدرونز” بشكل رسمي ضمن الإطار القانوني للطيران، بما يمهد لإعادة رسم ملامح أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد الصيني، وهو قطاع الطيران منخفض الارتفاع.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يتسارع فيه توسع استخدام الدرونز تجاريًا ولوجستيًا، وسط مخاوف متزايدة من فجوات تنظيمية ومخاطر تتعلق بالسلامة والأمن الجوي.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام صينية رسمية، وافقت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني على التعديلات الجديدة في 27 ديسمبر، لتضيف بنودًا صريحة تنظم صلاحية الطيران للطائرات غير المأهولة، وعلى رأسها اشتراطات “شهادات الصلاحية الجوية”، وهو ما اعتبره مراقبون سدًا لفجوة تنظيمية ظلت قائمة مع الانتشار السريع لهذه التكنولوجيا.

قطاع واعد بأكثر من تريليوني يوان بحلول 2030

تأتي التعديلات في سياق استراتيجية وطنية أوسع تُعرف بـ“اقتصاد الارتفاعات المنخفضة”، وهي مبادرة تركز على الأنشطة التجارية التي تُمارس على ارتفاعات تقل عن 3 آلاف متر، وتشمل النقل الجوي الخفيف، والدرونز اللوجستية، والتاكسي الجوي، وخدمات المراقبة والتصوير. وتشير تقديرات صادرة عن الأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة بكين وهيئة الطيران المدني الصينية إلى أن حجم هذا الاقتصاد مرشح للارتفاع إلى أكثر من تريليوني يوان (نحو 280 مليار دولار) بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 1.5 تريليون يوان متوقعة في عام 2025.

ويعكس هذا النمو الطموح إدراك بكين للأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للطيران منخفض الارتفاع، ليس فقط كقطاع تكنولوجي متقدم، بل كرافعة جديدة لتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، ودعم التجارة الإلكترونية، وتعزيز الخدمات في المناطق الريفية والنائية.

قواعد صارمة تبدأ في يوليو المقبل

وبموجب التعديلات الجديدة، التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو العام المقبل، ستُفرض متطلبات تنظيمية أكثر صرامة على جميع الجهات العاملة في منظومة الدرونز، بدءًا من التصميم والتصنيع، مرورًا بالاستيراد والصيانة، وصولًا إلى التشغيل الفعلي. ويلزم القانون المعدل هذه الجهات بالحصول على شهادات الصلاحية الجوية، بما يضمن توافق الطائرات غير المأهولة مع معايير السلامة المعتمدة.

كما يُلزم المصنعين بتخصيص رمز تعريف فريد لكل طائرة يتم إنتاجها، وفقًا للمعايير الوطنية ذات الصلة، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرة على التتبع والمساءلة، والحد من الاستخدام غير القانوني أو العشوائي للطائرات غير المأهولة.

ولا تأتي هذه التعديلات بمعزل عن إجراءات تنظيمية سابقة، إذ كانت الصين قد بدأت منذ عام 2024 تطبيق “لوائح مؤقتة” تنظم استخدام الطائرات غير المأهولة، وتشترط تسجيل الطائرات المدنية بأسماء حقيقية. كما فرّقت تلك اللوائح بين فئات الدرونز المختلفة، حيث أعفت الطائرات الصغيرة جدًا والخفيفة والصغيرة من متطلبات الصلاحية الجوية، في حين ألزمت الطائرات المتوسطة والكبيرة بالتقدم بطلبات للحصول على شهادات صلاحية من هيئة الطيران المدني الصينية.

إلا أن التوسع السريع في السوق، والذي فاق في كثير من الأحيان قدرة الجهات التنظيمية على المتابعة، أدى إلى بروز مشكلات ملموسة على أرض الواقع، فقد شهدت عدة مدن صينية خلال السنوات الماضية تأخيرات في حركة الطيران المدني بسبب تشغيل غير قانوني للدرونز قرب المطارات أو في مسارات جوية حساسة، ما دفع السلطات إلى فرض غرامات وعقوبات إدارية، وأعاد إلى الواجهة الحاجة لإطار قانوني أكثر إحكامًا.

من المتوقع أن تنعكس القواعد الجديدة بشكل مباشر على شركات رائدة في صناعة الطائرات غير المأهولة، في مقدمتها شركة “دي جي آي” الصينية، أكبر مصنع للدرونز الاستهلاكية في العالم، إلى جانب شركات ناشئة ومتخصصة مثل “إي هانغ”، التي تطور طائرات غير مأهولة لنقل الركاب ضمن رؤية التاكسي الجوي. ويرى محللون أن التشديد التنظيمي قد يرفع تكاليف الامتثال على المدى القصير، لكنه في المقابل سيساهم في تعزيز ثقة السوق والمستثمرين، ويدعم نموًا أكثر استدامة للقطاع.

الدرونز اللوجستية محرك رئيسي للنمو

ويُعد قطاع الخدمات اللوجستية أحد أبرز محركات “اقتصاد الارتفاعات المنخفضة” في الصين. فوفقًا لبيانات وزارة النقل، جرى خلال عام 2024 توصيل نحو 2.7 مليون طرد باستخدام الدرونز، شملت منتجات متنوعة تتراوح بين وجبات الطعام السريعة والأدوية المنقذة للحياة، ما يعكس الدور المتنامي لهذه التكنولوجيا في تحسين سرعة وكفاءة التوصيل.

وقد أعلنت شركات كبرى في التجارة الإلكترونية وتوصيل الطعام، مثل “جيه دي دوت كوم” و“ميتوان”، عن خطط واستثمارات طويلة الأجل في مجال التوصيل عبر الطائرات غير المأهولة، بهدف تقليل التكاليف وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، أجرت شركة “جيه دي لوجيستكس” تجارب موسعة لشبكات توصيل بالدرونز في مقاطعات جيانغسو وشنشي وسيتشوان، مؤكدة أن هذه التكنولوجيا قادرة على تقليص زمن الشحن للعملاء في المناطق الريفية بنسبة تصل إلى 70%.

وتشير التعديلات الأخيرة إلى أن الصين تسعى إلى موازنة دقيقة بين تشجيع الابتكار التكنولوجي وفرض ضوابط صارمة للسلامة والأمن، في قطاع يُتوقع أن يكون أحد أعمدة النمو الاقتصادي خلال العقد المقبل. فبينما يفرض القانون الجديد أعباء تنظيمية إضافية، فإنه يضع في المقابل أسسًا أكثر وضوحًا واستقرارًا لنمو صناعة الدرونز والطيران منخفض الارتفاع، بما يعزز فرصها في التحول من تجارب محدودة إلى نشاط اقتصادي واسع النطاق ومنظم.