استهلّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية بإحياء ملف الصراع التجاري والسياسي مع الصين، عبر استخدام ورقة الفنتانيل — المخدر الصناعي القاتل الذي تسبب في مقتل عشرات الآلاف من الأمريكيين — كأداة ضغط جديدة في المفاوضات مع بكين.
ففي بداية فترته الثانية، أعلن ترامب أن المحادثات السابقة مع الصين لوقف تدفق الفنتانيل لم تحقق نتائج ملموسة، وفرض على إثرها رسومًا جمركية بنسبة 20% على الواردات الصينية، في محاولة لإجبار بكين على التحرك ضد شبكات تهريب المواد الكيميائية التي تُستخدم في تصنيع المخدر.
غير أن التطورات الأخيرة أظهرت تحولاً في الموقف الأمريكي، إذ أعلن ترامب، عقب لقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية الأسبوع الماضي، عن خفض الرسوم المرتبطة بالفنتانيل إلى النصف مقابل اتفاق جديد بين البلدين لتأسيس مجموعة عمل ثنائية تُعنى بمكافحة تهريب هذا المخدر.
وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الاتفاق الجديد "يمهّد لتفاهم عملي بين الجانبين من خلال آلية عمل مباشرة تركز على النتائج"، بينما اعتبر مراقبون أن تشكيل مجموعة العمل يمثل تنازلاً من واشنطن بعد سنوات من الإصرار على العقوبات كوسيلة ضغط.
وقالت هنرييتا ليفين، المديرة السابقة لشؤون الصين في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن، إن الإدارة الأمريكية "قدّمت تنازلاً واضحاً في موقفها تجاه بكين" بقبولها العودة إلى أسلوب مجموعات العمل، مشيرة إلى أن الصين نجحت في استخدام هذا النموذج ثلاث مرات على الأقل خلال العقد الماضي لإقناع واشنطن بالتخفيف من العقوبات، دون تحقيق تغييرات حقيقية على الأرض.
لكن مسؤولين في إدارة ترامب يؤكدون أن مجموعة العمل الجديدة ستكون "منصة تنفيذ وليست مجرد حوار"، وأن الهدف منها تحقيق نتائج ملموسة في ضبط شبكات إنتاج وتصدير الفنتانيل وليس تبادل البيانات أو عقد اجتماعات رمزية.
من جانبها، دافعت الصين بشدة عن سجلها في مكافحة المخدرات، مؤكدة أنها "اتخذت إجراءات واسعة لتنظيم المواد الكيميائية الأولية" المستخدمة في إنتاج الفنتانيل، واتهمت واشنطن باستخدام القضية وسيلة للابتزاز السياسي.
وفي الوقت الذي لم تتضمن فيه بيانات وزارة الخارجية الصينية أي إشارة مباشرة إلى الفنتانيل بعد لقاء ترامب وشي، اكتفت وزارة التجارة بالإشارة إلى أن الجانبين "توصلا إلى توافق حول التعاون في مجال مكافحة المخدرات". كما نقلت السفارة الصينية في واشنطن تصريحات أكدت فيها أن بكين "منفتحة على استمرار التعاون"، لكنها شددت على أن "الولايات المتحدة مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتهيئة الظروف اللازمة".
وتأتي هذه التطورات بعد انهيار مجموعة العمل السابقة التي أنشأتها إدارة بايدن في أعقاب فرض ترامب تعريفاته الجمركية الجديدة مطلع هذا العام، حيث كانت تلك الآلية قد تعرضت سابقاً لهجوم من الجمهوريين الذين اعتبروها "تنازلاً غير مبرر" من واشنطن.
وفي عام 2023، كان السيناتور جاي دي فانس – نائب الرئيس الحالي – من أبرز المنتقدين لإدارة بايدن، إذ اتهمها بالتراجع عن العقوبات المفروضة على الصين بهدف استئناف محادثات الفنتانيل. وكتب فانس حينها مع عدد من النواب الجمهوريين أن "الرئيس شي لا يستجيب إلا للقوة، ويجب إرغامه على وقف إنتاج المواد الكيميائية المميتة قبل رفع أي عقوبات".
ورغم الانتقادات، تصر إدارة ترامب الحالية على أن الاتفاق الجديد يضمن التزامات واضحة من الجانب الصيني، حيث ذكرت البيت الأبيض في بيان أن الصين "ستوقف شحنات مواد كيميائية محددة إلى أمريكا الشمالية وستفرض رقابة صارمة على تصدير مواد أخرى إلى باقي أنحاء العالم".
وفي الوقت ذاته، أكد الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير في مقابلة مع قناة "فوكس بزنس" أن واشنطن ما زالت تحتفظ بـ تعريفات بنسبة 10% على البضائع الصينية المرتبطة بالفنتانيل، مضيفاً أن هذه الإجراءات "توفر وسيلة ضغط فعالة لضمان التزام بكين بتعهداتها".
غير أن مراقبين حذروا من أن إعادة فرض الرسوم الجمركية في حال فشل الصين في تنفيذ الاتفاق قد تهدد الهدنة التجارية الهشة بين البلدين، وربما تعرقل زيارة مرتقبة لترامب إلى بكين في أبريل المقبل.
وقال مايكل فرومان، الرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية والممثل التجاري الأمريكي الأسبق، إن رسوم ترامب "شكلت وسيلة ضغط فعالة طالما التزمت الصين بالاتفاق"، لكنه أضاف: "إذا لم تفعل، فمن المرجح أن تعود تلك الرسوم إلى الارتفاع مجددًا".
بهذا الاتفاق، يعيد ترامب استخدام تكتيك قديم بصيغة جديدة: تصعيد تجاري يتبعه تفاهم دبلوماسي مؤقت، في علاقة معقدة بين واشنطن وبكين تمتزج فيها ملفات التجارة والمخدرات والسياسة الخارجية في إطار واحد لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
ما يجري ليس «انتصاراً دبلوماسياً» بقدر ما هو رهان على التنفيذ: إذا نجحت بكين في تقديم نتائج ملموسة في الأسابيع المقبلة، فسيُقرأ الاتفاق على أنه نموذج جديد للتعامل مع الصين عبر مزيج من ضغط اقتصادي وحوار منظم. أمّا إن أخفقت، فسيبدو أن الإدارة الأمريكية اختارت تكتيكاً معاداً لتلك التي اتُبعت سابقاً، لكنه يعاني من ذات نقاط الضعف.