تتجه موانئ شرق بورسعيد والسخنة إلى تصدر مشهد التحول نحو الاقتصاد الأخضر، بوصفهما من أهم المناطق الاستراتيجية ضمن خطة الدولة للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
ففى ميناء شرق بورسعيد، تعمل الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس على إنشاء منطقة صناعية متخصصة فى الصناعات المكملة للهيدروجين الأخضر، إلى جانب تطوير الأرصفة، ومحطات تداول الغاز والسوائل، وتوسيع شبكة النقل اللوجستى لربط الميناء بالمناطق الصناعية المحيطة.
أما ميناء السخنة، فيُعد محورًا رئيسيًا ضمن منظومة الطاقة الجديدة، حيث يشهد إنشاء مجمعات صناعية خضراء متكاملة تشمل مصانع لإنتاج الهيدروجين والأمونيا، مدعومة بشبكة متطورة من المرافق والبنية التحتية، فضلاً عن الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مما يُعزز من مكانته كمركز إقليمى للطاقة النظيفة.
كشف مصدر مسؤول فى ميناء السخنة أن المنطقة باتت مركزاً رئيسياً لمشروعات الهيدروجين الأخضر فى مصر، ضمن نطاق المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مشيراً إلى توقيع عدد من مذكرات التفاهم لمشروعات كبرى فى هذا المجال.
وأوضح المصدر أن البنية التحتية القوية، إلى جانب التوسع فى إنشاء محطات تحلية المياه، تدعمان بقوة إنتاج الهيدروجين والأمونيا، مما يجعل من السخنة موقعاً مثالياً لإنتاج الأمونيا الخضراء.
وفى السياق ذاته، أفاد مصدر بميناء شرق بورسعيد أن الميناء مصنف كميناء “أخضر” وفقاً لمعايير الاتحاد الأوروبى والمعايير البيئية الدولية، حيث يتم استخدام معدات صديقة للبيئة فى بعض عمليات التداول، مع التركيز على الحد من الانبعاثات الكربونية.
وتوقع المصدر تدفق استثمارات كبيرة فى البنية اللوجستية والربط الكهربائى لدعم الأنشطة المرتبطة بإنتاج الهيدروجين، إلى جانب استثمارات ضخمة بالبنية التحتية فى المنطقة الصناعية شرق بورسعيد، تقدر بمليارات الدولارات، باعتبارها منطقة واعدة لاستثمارات متنوعة تشمل مشروعات الهيدروجين الأخضر.
وأشار المصدر إلى أن إنتاج الهيدروجين يتطلب توافر مياه عالية الجودة، إضافة إلى بنية تحتية متخصصة وآمنة لتخزين الهيدروجين أو الأمونيا أو الميثانول، مثل خزانات الضغط السائل، والأنابيب، ومرافق التصدير، والأرصفة المخصصة للشحن، إلى جانب وسائل نقل داخلية للنفايات التى تحتاج إلى إعادة تدوير.
وأوضح أنه على الرغم من توقيع عدد من مذكرات التفاهم، فإن عدداً كبيراً من المشروعات لا يزال فى مراحل دراسة الجدوى أو ما قبل التوقيع النهائى والتنفيذ الكامل.
ولفت إلى أن تنفيذ مرافق الهيدروجين يتطلب إطاراً قانونياً وتنظيمياً دقيقاً، بالإضافة إلى قرارات بيئية، وأذونات، وسياسات دعم تشمل الحوافز الضريبية وخيارات التمويل، إلى جانب ضرورة التوافق مع المعايير الدولية والانبعاثات البيئية، فى ظل الحاجة لاستثمارات ضخمة لتأمين مصادر الكهرباء والطاقة المتجددة، وبناء مصانع، وخزانات، وبوارج.
وطالب بسرعة تحويل مذكرات التفاهم إلى تنفيذ فعلى وفق جداول زمنية واضحة، مع تعزيز قدرات الشبكة الكهربائية.
من جانبه، أوضح مصدر مطلع بالهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أن ميناءى السخنة وشرق بورسعيد يعدان الأنسب لاستقبال مشروعات الطاقة النظيفة، من حيث توافر البنية التحتية الجاهزة، ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيل تلك المشروعات، مشيراً إلى أن الهيئة تتبنى خطة للتحول إلى الطاقة النظيفة فى الموانئ التابعة لها.
ولفت إلى أن مشروعات الهيدروجين الأخضر تتطلب طاقة كهربائية ضخمة، مع ضرورة توافر مصادر توليد طاقة نظيفة مثل الرياح والألواح الشمسية. وأكد أن الهيئة تتفاوض حالياً مع هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة – الذراع التنفيذى لوزارة الكهرباء – لتوفير احتياجاتها من الطاقة النظيفة، وضخها فى الشبكة القومية للكهرباء، لتشغيل المشروعات ومحطات الموانئ فى إطار التحول نحو المشروعات الخضراء.
وأشار إلى أن إجمالى ما تنتجه مصر حالياً من الطاقة المتجددة يبلغ 10 ميجاوات يتم ضخها فى الشبكة القومية، ويمكن للهيئة بيع جزء منها للقطاع الخاص بشرط عدم تجاوز النسبة المحددة التى يتم إنتاجها من محطات الطاقة الشمسية أو طواحين الهواء، مثل تلك الموجودة فى منطقة الزعفرانة.
وأكد المصدر أن الهيئة الاقتصادية تبذل جهوداً كبيرة لدعم البنية التحتية لاستقبال مشروعات الهيدروجين الأخضر، وتحويل موانئها إلى موانئ خضراء، بالإضافة إلى تجهيز المناطق الصناعية للعمل بالطاقة النظيفة.
وأوضح أنه تم بالفعل إنشاء محطات لتحلية المياه بالقرب من الموانئ والمناطق الصناعية، وخاصة فى ميناء السخنة، لتوفير المياه اللازمة لعمليات الإنتاج، حيث يتطلب إنتاج الهيدروجين الأخضر استخدام مياه محلاة ذات مواصفات خاصة.
وأضاف أن الهيئة وقعت مجموعة من الاتفاقيات لبناء محطات طاقة متجددة لتغذية المصانع والمشروعات المرتبطة بها، باستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح فى تشغيل مشروعات الهيدروجين الأخضر.
وأوضح أن الهيئة بدأت فى تنفيذ مشروع تطوير ميناء غرب بورسعيد ضمن خطة شاملة لتحسين البنية التحتية والمرافق اللوجستية، ويشمل المشروع تكريك وتكسير رصيف عباس بطول 675 متراً، إلى جانب تطوير مرافق خدمية مثل شبكات الحريق، والصرف الصحي، وتصريف مياه الأمطار، وتركيب أجهزة كشف تحت السيارات، فضلاً عن بوابات الدخول وأبراج المراقبة وصالات الركاب.
وأكد أن بعض الموانئ بدأت بالفعل فى إدخال خدمة تموين السفن بالوقود التقليدى والوقود الأخضر أو مشتقاته، فى إطار التحول إلى الموانئ الخضراء.
كما أشار إلى أن الهيئة الاقتصادية لقناة السويس أبرمت عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والشراكات الدولية مع شركات عالمية ومحلية لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وتسعى أيضاً إلى إنشاء مصانع متخصصة لإنتاج مكونات مثل المحللات الكهربائية والمعدات المرتبطة بالطاقة المتجددة.
من جهته قال قال الدكتور تامر أنور، خبير النقل الدولى واللوجستيات، ومستشار اللوجستيات بالمنطقة الصناعية غرب بورسعيد، إن تطوير البنية التحتية للموانئ المصرية يجرى بوتيرة متسارعة لتكون مؤهلة لتخزين ونقل الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وفقًا لأحدث معايير السلامة الدولية.
وأشار إلى أن العمل يجرى بالتوازى مع إنشاء محطات طاقة متجددة تعتمد على مصادر الرياح والطاقة الشمسية لتغذية عمليات الإنتاج، موضحًا أن التشغيل التجريبى لعدد من المشروعات سيبدأ اعتبارًا من عام 2026.
وأكد أنور أن الحكومة المصرية تسير بخطى واثقة نحو التحول إلى مركز إقليمى لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر خلال الخمسة إلى السبعة أعوام المقبلة، وفقًا للخطط المعتمدة ومشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتى تستهدف بدء التشغيل التجارى الكامل بين عامى 2028 و2030.
أشار إلى أن إطلاق الحكومة الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون، وتوقيع اتفاقيات استثمارية كبرى مع شركاء من أوروبا وآسيا، يمثلان تحولًا نوعيًا فى توجه الدولة نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات، لا سيما فى موانئ السخنة وشرق بورسعيد التى تُعد الأكثر جاهزية لاحتضان هذه المشروعات الواعدة.
كما شدد على أهمية المرحلة القادمة، والتى تتطلب مزيدًا من التركيز على تأهيل الموانئ من النواحى التقنية والتشريعية، إلى جانب تدريب الكوادر البشرية العاملة فى مجالات النقل البحرى والطاقة المتجددة.
دعا المهندس محمد فوده، رئيس مجلس إدارة المجموعة الدولية للخدمات اللوجستية، إلى ضرورة الإسراع فى تأهيل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالبنية التحتية اللازمة لاستيعاب مشروعات الهيدروجين الأخضر، والذى بات يمثل توجهًا عالميًا فى مجال الطاقة النظيفة.
وأكد فودة أهمية توفير شبكات أنابيب متطورة قادرة على نقل الهيدروجين الأخضر من مناطق الإنتاج إلى مواقع التموين، موضحًا أن هذا العنصر يعد من الركائز الأساسية لإنجاح مشروعات الوقود النظيف داخل المنطقة.
وأشار إلى أن بعض الشركات الإماراتية بدأت بالفعل فى الاستثمار بمشروعات الهيدروجين، إلى جانب شركات عالمية وقّعت مذكرات تفاهم مع الهيئة الاقتصادية لقناة السويس تمهيدًا لإقامة مشروعات إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر.
وأضاف أن شركة ميرسك العالمية، إحدى أبرز شركات الشحن البحري، شرعت فى استخدام الهيدروجين الأخضر كوقود مستقبلى لأسطولها، مما يؤكد الاتجاه العالمى المتسارع نحو هذا النوع من الطاقة.
كما لفت فوده إلى أن نقل وتخزين الهيدروجين الأخضر يمثلان تحديًا كبيرًا، نظرًا لحساسية المادة واشتراطات الأمان العالية، مشددًا على أن مصر بحاجة إلى تدشين بنية تحتية قوية فى هذا المجال، لا سيما فى ظل غياب أنابيب النقل اللازمة داخل المنطقة الاقتصادية.
أكد على أن توافر البنية التحتية وشبكات النقل يمثلان عنصرين حاسمين لجذب الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، وتحقيق الأهداف الوطنية فى التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
من جانبه طالب المهندس خالد السنوسي، الرئيس التنفيذى لشركة “إم كى جلوبال لوجستيك”، بضرورة إطلاق استراتيجية وطنية للهيدروجين منخفض الكربون، إلى جانب الإسراع فى تأسيس المجلس الوطنى للهيدروجين الأخضر، ليكون مسؤولًا عن تنسيق السياسات، تسهيل الموافقات، ومتابعة سير المشروعات.
وأكد السنوسى أهمية أن يترافق ذلك مع تقديم حوافز مالية وضريبية، وتبسيط إجراءات دراسات الجدوى والحصول على التراخيص، بما يسهم فى تسريع تنفيذ المشروعات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر.
وأشار إلى أن نقل الهيدروجين وضغطه وتخزينه يُعد من أبرز التحديات التى تعيق تنفيذ هذه المشروعات داخل الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية، موضحًا وجود فجوة كبيرة فى شبكات النقل والتوزيع، مما يتطلب العمل على وضع مواصفات ومعايير محلية واضحة للهيدروجين الأخضر ومشتقاته.
وأضاف أن هناك ضرورة لتوفير شهادات بيئية وصحية معتمدة لضمان جودة المنتج وقبوله فى الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكلفة المشروعات يستدعى وجود ضمانات تمويل كافية وجذب استثمارات طويلة الأجل، مع الأخذ فى الاعتبار مخاطر الأسعار وتقلبات أسعار الوقود الأحفورى المنافس.
وشدد السنوسى على أهمية تأمين وجود مشتريات وعقود تصدير مسبقة للهيدروجين أو الأمونيا الخضراء، لضمان الجدوى الاقتصادية واستمرارية الإنتاج، خاصة أن المياه تُعد موردًا حيويًا فى عملية التحليل الكهربائي، وبالتالى فإن تأمين إمدادات المياه بالكميات والنوعية المناسبة يمثل عاملًا أساسيًا فى نجاح المشروع.
محتوى للمشتركين فقط
اشترك الآن للحصول علي كافة الأخبار الحصرية بالإضافة
لإشتراك النسخة الرقمية