تشهد سوق التأمين المصرية ضغوطًا متزايدة فى ظل الارتفاع الملحوظ فى معدلات حوادث الحرائق، خاصة خلال أشهر الصيف، ما تسبب فى تفاقم حجم التعويضات المدفوعة، وإعادة النظر فى سياسات التسعير وشروط التغطية لدى غالبية الشركات.
وفى هذا السياق أوضح محمد مرسى مدير إدارة تطوير الأعمال وكبار العملاء بشركة كونتكت للوساطة التأمينية، أن تزايد معدل حوادث الحرائق قد يؤدى إلى ارتفاع فى الأسعار السنوية للوثائق التأمينية، ما ينعكس على العملاء الذين سيضطرون لدفع مبالغ كبيرة، كما يؤثر على الطاقة الاستيعابية المتاحة من قبل معيدى التأمين فى السوق المصرية.
وأشار «مرسى» إلى أن الارتفاع فى الخسائر يجعل من الصعب على معيدى التأمين تقبل الأخطار المرتبطة بهذا القطاع، مما يدفعهم إلى تشديد شروط القبول ورفض تغطية بعض المخاطر، وبالتالى قد نجد أنواعًا من الأخطار لا تتوفر لها تغطيات تأمينية فى السوق المحلية.
وأكد «مرسى» أن هناك مسؤولية مشتركة بين شركات التأمين والعملاء، خاصة فى ما يتعلق بإجراءات المعاينات، حيث من الضرورى أن تكون المعاينة دقيقة وشاملة، وأن يتوفر نظام مكافحة الحرائق والعوامل الأساسية للسلامة فى مواقع الخطر.
ولفت إلى أن الإهمال فى هذه المعاينات أو الاعتماد على تقارير شكلية يسهم فى ارتفاع معدلات الخطر والخسائر.
ونوّه بأن بعض الصناعات، مثل الورق والقطن، تتأثر بشكل كبير بدرجات الحرارة المرتفعة، ما يجعل احتمالية نشوب الحرائق أعلى
وأضاف أن دور شركات التأمين مهم فى تقديم استشارات فنية للعملاء، تتعلق بضرورة وجود أنظمة مكافحة حريق، وتخزين المواد بطريقة آمنة، وتوفير المسافات المناسبة بين المخازن، وهو ما يجب دراسته بعناية قبل إصدار الوثائق.
وأوضح أن هناك إشكالية قائمة، حيث إن الوثائق التأمينية فى السوق لا تغطى التغيرات المناخية بشكل مباشر، رغم إمكانية إضافة ملحقات لتغطية بعض الأخطار الطبيعية.
وأضاف أن التغيرات المناخية ليست مصنفة ضمن هذه الأخطار حتى الآن، نظرًا لعدم وصول درجات الحرارة إلى مستويات استثنائية، مؤكدا أن المشكلة تكمن فى عدم وجود معيار عالمى واضح يمكن من خلاله قياس هذه التأثيرات ووضعها ضمن شروط الوثائق.
وأكد أن شركات التأمين مطالبة بالتركيز على دقة تقارير المعاينة، والتأكد من جاهزية مواقع التأمين، بما يشمل تجنب وجود أسلاك كهربائية مكشوفة أو أى عوامل قد تؤدى إلى ماس كهربائي.
واعتبر أن تحسين مستوى المعاينات يمكن أن يساعد فى تقليل الخسائر، حتى إن لم يتم القضاء عليها بشكل كامل.
وأوضح أن شركات التأمين مرتبطة بمعيدى التأمين، وإذا ما لاحظ المعيدون ارتفاعًا فى معدل الخسائر، فسيضطرون إلى فرض زيادات فى الأسعار.
وأشار إلى أن السوق لم تسجل حتى الآن خسائر كبيرة هذا العام، إلا أن المؤشرات تنذر بإمكانية ارتفاعها، ما يتطلب من الشركات اتخاذ إجراءات وقائية خلال الفترة المتبقية من العام للحفاظ على استقرار الخسائر فى حدود مقبولة.
وبدوره قال محمد الغطريفى وسيط التأمين، إن ارتفاع معدلات حوادث الحرائق ينعكس سلبًا على نتائج أعمال شركات التأمين، نظرًا لزيادة التعويضات المدفوعة للعملاء، مما يؤدى إلى تآكل الأرباح واختلال توازن المحافظ التأمينية.
وأوضح «الغطريفى» أن الزيادة تمثل ضغطًا مباشرًا على معدلات الاحتفاظ الفنى، وتدفع الشركات إلى إعادة تقييم تسعير الوثائق وشروط التغطية، فضلًا عن تأثيرها على ثقة السوق والمستثمرين.
وأكد «الغطريفى» أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يُعد أحد العوامل الرئيسة فى زيادة احتمالات اندلاع الحرائق، خاصة فى المناطق الزراعية والصناعية، مشيرًا إلى أن التغيرات المناخية زادت من حدة وانتشار هذه المخاطر.
وأضاف أن السوق التأمينية لا تزال تعانى من فجوة فى الاستعداد الشامل لمثل هذه الظواهر، لاسيما فيما يتعلق بنماذج تقييم المخاطر البيئية، وتحديث شروط الوثائق بما يتناسب مع المعطيات المناخية المستجدة.
وأشار إلى أن بعض الشركات بدأت باتخاذ خطوات إيجابية فى هذا الاتجاه، إلا أن هناك حاجة ملحة لتحديث السياسات ودمج أدوات تحليل مناخى متطورة على نطاق أوسع.
ولفت إلى أن تكرار الحرائق بوتيرة أعلى من التقديرات الاكتوارية يؤدى إلى اختلال نسب الخسائر فى السوق، وهو ما يدفع العديد من الشركات إلى إعادة النظر فى سياسات التسعير والتغطية.
وتوقع أن تلجأ الشركات إلى رفع الأقساط، وتقييد شروط الوثائق، وإضافة استثناءات جديدة، خاصة فى المناطق أو القطاعات الأكثر عرضة للمخاطر.
ورجّح أن تتشدد الشركات فى اشتراطات الوقاية والسلامة كأحد الشروط الأساسية للحصول على التغطية التأمينية.
وفيما يتعلق بكفاءة تقييم المخاطر فى وثائق تأمين الحريق، أشار إلى أن النماذج التقليدية المعتمدة حاليًا ترتكز على معايير ثابتة مثل نوع المنشأة، ونظام الإطفاء، والموقع الجغرافى، لكنها لا تأخذ فى الاعتبار التغيرات المناخية الحديثة التى رفعت مستوى الخطورة بشكل غير مسبوق.
وشدد على أن هناك فجوة حقيقية بين مستوى التغطيات الحالية ومستوى الخطر الفعلى، مما يتطلب تحديثًا عاجلًا لنماذج التقييم الفنى، بحيث تشمل مؤشرات بيئية ومناخية وتاريخ الحوادث المحلي.
وفيما يخص الإجراءات الوقائية المقترحة، أوصى بعدد من الخطوات التى ينبغى على الشركات التأمينية اعتمادها، من بينها: تحديث تقييمات الأخطار لتأخذ فى الحسبان عوامل الطقس الموسمية، والانتقال من نمط رد الفعل إلى الوقاية من خلال فرض أنظمة إنذار مبكر وإطفاء فعالة، إلى جانب تعزيز وعى العملاء بوسائل الحماية والصيانة الدورية.
ودعا إلى تفعيل الشراكة مع الجهات الحكومية والدفاع المدنى لتقوية البنية التحتية للسلامة، خاصة فى المناطق الصناعية والسكنية، فضلًا عن الاستثمار فى أدوات التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى لتحليل البيانات الحرارية والتنبؤ بالحوادث قبل وقوعها.
ومن جانبه أكد أحمد إبراهيم مدير وكالة أول بشركة الكويت للتأمين، أن ارتفاع معدلات حوادث الحرائق خلال السنوات الأخيرة يمثل تحديًا كبيرًا لسوق التأمين المصرية.
وأشار «إبراهيم» إلى أن البيانات الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تكشف عن تسجيل أكثر من 68 ألف حادث حريق سنويًا، بزيادة تتجاوز %15 مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حجم التعويضات والمخاطر المغطاة من قبل شركات التأمين.
وأوضح «إبراهيم» أن أغلب الحوادث تتركز فى المناطق الصناعية والتجارية والسكنية ذات الكثافة العالية.
ولفت إلى أن الأشهر الصيفية تشهد ارتفاعًا موسميًا فى وتيرة هذه الحوادث نتيجة لدرجات الحرارة المرتفعة والضغط الزائد على شبكات الكهرباء، ما يستدعى من جميع الأطراف المعنية اتخاذ إجراءات وقائية أكثر فاعلية.
وأشار إلى أن الأعطال الكهربائية تظل السبب الأول للحرائق بنسبة %42، تليها السلوكيات الخاطئة وعدم الالتزام بمعايير السلامة بنسبة %25، بينما تمثل الحرائق المتعمدة نحو %15، مؤكدًا أن هذه النسب تؤثر بشكل مباشر فى نماذج تقييم المخاطر التى تعتمدها شركات التأمين عند تسعير الوثائق.
وشدد على أن البنية التحتية القديمة، خاصة فى المناطق العشوائية، ساهمت فى تفاقم حوادث الحرائق، إذ تشير التقارير إلى أن أكثر من ثلث المبانى تعتمد على تمديدات كهربائية غير مطابقة للمواصفات، كما أن ضعف الرقابة وعدم تطبيق اشتراطات الدفاع المدنى يفاقم من حجم الخسائر فى حال وقوع الحوادث.
وأشار إلى أن قطاع التأمين شهد خلال العامين الماضيين زيادة فى قيمة التعويضات المدفوعة فى فرع تأمين الحريق بنسبة %32 لتصل إلى نحو 2.8 مليار جنيه سنويًا، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسب الخسارة لدى بعض الشركات إلى مستويات تتجاوز %78، مقابل متوسط %65 فى الأعوام السابقة، ما ضغط على الهوامش الفنية ودفع الشركات إلى إعادة تقييم سياساتها الاكتتابية.
وأضاف أن هذا التوجه ألقى بظلاله كذلك على علاقات شركات التأمين المحلية مع معيدى التأمين فى الخارج، حيث شهدت أقساط إعادة التأمين زيادات تراوحت بين 15 إلى %25، كما تم فرض شروط فنية أكثر صرامة، ما أثر على قدرة بعض الشركات على تغطية الأخطار الكبرى، لا سيما فى قطاعات كالمصانع والبتروكيماويات.
وأوضح أن السوق تشهد زيادات ملحوظة فى أقساط التأمين ضد الحريق، خاصة فى الأنشطة الصناعية مرتفعة الخطورة، حيث تتراوح نسب الزيادة ما بين 25 إلى %40 فى بعض الحالات، كما اتجهت الشركات إلى رفع قيمة التحملات، وتقييد نطاق التغطيات، وتشديد الاشتراطات الفنية الخاصة بأنظمة الوقاية.
وأكد أن هذه التغيرات ضاعفت من الأعباء المالية على العملاء، ودفعت بعض المنشآت الصغيرة إلى تقليص مستوى التغطية التأمينية أو الاكتفاء بتأمين جزئى، ما يعرضها لمخاطر مالية كبيرة فى حال وقوع خسائر.
وأشار إلى أن شركات التأمين بدأت فى تطبيق استراتيجيات متقدمة لإدارة المخاطر، تتضمن معاينات دورية وتطوير نماذج تقييم جديدة، إلى جانب تقديم استشارات فنية مجانية للمنشآت الصناعية، وربط مستويات التغطية بالالتزام بمعايير السلامة، وهى خطوات تسعى لتعزيز الاستدامة الفنية وتقليل الخسائر.
ونوه إلى أهمية مبادرات التوعية والتدريب، موضحًا أن الاتحاد المصرى للتأمين والهيئة العامة للرقابة المالية أطلقا مبادرة “السلامة أولًا” لتعزيز ثقافة الوقاية من المخاطر، مع منح خصومات للمؤمن لهم الملتزمين بالمعايير الفنية، وتقديم برامج “الخدمات الهندسية” التى أسهمت فى تقليل معدل الحوادث بنسبة تصل إلى %40 لدى بعض العملاء.
وأكد أن التحديات التنظيمية والتشريعية ما زالت قائمة، لاسيما فى ما يتعلق بغياب إلزامية التأمين ضد الحريق لعدد كبير من المنشآت، ما يؤدى إلى انخفاض نسب التغطية بالسوق، إضافة إلى محدودية قواعد البيانات الخاصة بالمخاطر، ما يصعب من عمليات التسعير الدقيقة.
وشدد على ضرورة تطوير إطار قانونى أكثر شمولًا ومرونة، يضمن حماية الحقوق وتعزيز قدرة الشركات على التكيف مع المخاطر المتزايدة، خاصة فى ظل المتغيرات المناخية والاقتصادية المتسارعة، مع دعم إنشاء صناديق وطنية للكوارث وتبنى حلول إعادة تأمين محلية تساهم فى تخفيف الاعتماد على الأسواق الخارجية.
مرسى: تهدد استقرار السوق
الغطريفى: فجوة بين التغطيات والمخاطر
إبراهيم: الخسائر تجاوزت 2.8 مليار جنيه