فى عصر تتحول فيه الرقمنة إلى شريان الحياة لجميع القطاعات، من المصارف إلى الصحة والتعليم والأمن، أصبحت مراكز البيانات بمثابة «القلب النابض» للبنية التحتية الحديثة.
إلا أن سلسلة من الحرائق التى ضربت مراكز اتصالات خلال الأعوام الأخيرة سلطت الضوء على هشاشة هذا القلب، والتى أظهرت كيف يمكن لحادث عرضى أن يُحدث شللاً تكنولوجيًا واقتصاديًا يمتد أثره محليًا ودوليًا؟.
لبنان.. انفجار فى قلب العاصمة
فى مساء27يونيو2019، اهتزّت العاصمة اللبنانية بيروت على وقع انفجار تكنولوجى صامت فى مركز بيانات شركة «ميديا تليكومMTTC»، إحدى أكبر مزودى خدمات الاتصالات والاستضافة فى لبنان.
الحريق بدأ نتيجة انفجار فى وحدة التغذية الكهربائية غير المنقطعة (UPS)، ما أدى لاشتعال أجهزة التبريد والخوادم فى طابق سفلى بمبنى يقع فى منطقة الأشرفية الحيوية، وخلال دقائق، تحولت النيران إلى تهديد كامل للبنية الاتصالية داخل العاصمة.
وبحسب ما أوردته قناةMTVاللبنانية، أدى الحريق إلى انقطاع خدمات الإنترنت والاتصال الأرضى ليس فقط عن المستخدمين العاديين، بل امتد إلى الأنظمة المصرفية حيث توقفت تطبيقات بنوك كبرى مثل بنك لبنان والمهجر وبيبلوس لما يصل إلى12ساعة.
وفقدت شركات ناشئة عدة بياناتها جزئيًا، وبعضها تكبد خسائر مادية مباشرة بسبب فشل النسخ الاحتياطى الخارجي.
وزارة الاتصالات اللبنانية أعلنت عن لجنة تحقيق مشتركة بالتعاون مع شركتى «ألفا» و«تاتش»، وشملت التحقيقات مراجعة كاملة للبروتوكولات الأمنية فى مراكز البيانات، واتضح أن نظام كشف الدخان لم يعمل بشكل فوري، ما فاقم من حجم الحريق.
وفى محاولة لاحتواء الأزمة، أنشأت الشركة مركزًا بديلًا سريعًا فى ضاحية الدكوانة، وقدّمت تعويضات تجارية، تضمنت باقات مجانية وتخفيضات للعملاء المتضررين، كما أجرت تحديثًا شاملاً شمل نظام الطاقة والتبريد، مع اعتماد تقنية إنذار مبكر تعتمد على الليزر وتفعيل بروتوكولات استجابة بالتنسيق مع الدفاع المدني.
فرنسا.. 3.6 مليون موقع خارج الخدمة
أما فى فرنسا، فقد وقع ما يُعدّ من أخطر حوادث البنية الرقمية فى أوروبا، عندما اندلع حريق هائل فجر10مارس2021فى مركز بياناتSBG2التابع لشركةOVHcloudفى ستراسبورج.
ووفقًا لتقارير «رويترز» و«لوموند»، اندلع الحريق فى غرفة الطاقة، وسرعان ما دمر المبنى بالكامل، بينما تضرر مركزSBG1المجاور جزئيًا.
وبحلول الصباح، كان أكثر من3.6مليون موقع إلكتروني، من بينها مواقع حكومية وتجارية وتعليمية، خارج الخدمة.
وتجاوزت الخسائر المالية المباشرة90مليون يورو، فى حين فقدت بعض الشركات بياناتها نهائيًا بسبب غياب النسخ الاحتياطية الخارجية.
ووعدت الشركة بالتعويض الكامل، وقدمت باقات استضافة مجانية لعام كامل، وأعلنت خططًا لبناء مراكز بيانات جديدة فى ألمانيا وبولندا لتوزيع الأحمال وخفض المخاطر.
من جهتها، طالبت الحكومة الفرنسية بإجراء مراجعة وطنية لبروتوكولات السلامة فى مراكز البيانات، وبدأت الوكالة الوطنية لأمن أنظمة المعلوماتANSSIتحقيقًا شاملاً لتقييم الحادث والبنية التحتية ذات الصلة.
بين بيروت وستراسبورج اختلاف السياقات
رغم اختلاف السياقات السياسية والتقنية فى لبنان وفرنسا، فإن الحادثين يشتركان فى استخلاص دروس مصيرية تتعلق بأمن البنية التحتية الرقمية، أبرزها، غياب النسخ الاحتياطية الخارجية أدى إلى فقدان بيانات لا تُعوض، وأظهر ضعفًا فى استراتيجيات إدارة الكوارث التقنية.
كما فشلت أنظمة الإنذار المبكر،والتى كشفت الحاجة إلى حلول استباقية أكثر تطورًا وتكاملًا.
وأظهرت تلك الحوادث أن الاستجابة المؤسسية الشفافة والسريعة كانت عاملًا مهمًا فى استعادة الثقة، كما فعلتOVHبإعلان خطة تعويض وإعادة بناء، وكما حاولتMTTCعبر الانتقال السريع وتقديم الباقات المجانية.
وكشفت هذه الحوادث أن أمن مراكز البيانات لم يعد مسألة تقنية فقط، بل مسألة سيادية تتطلب يقظة استراتيجية من الحكومات والشركات،فمع اعتماد القطاعات المالية والتعليمية والصحية والأمنية على بنية الإنترنت، فإن أى اختراق أو عطل أو حريق يمكن أن يتحول إلى أزمة وطنية تمس الاقتصاد والأمن الاجتماعي.
وأظهرت أن البيانات ليست فقط «نفط العصر الرقمي»، بل هى أيضًا أحد أضعف نقاطه إذا لم تُصن بالبروتوكولات الصارمة والحوكمة الرقمية السليمة، فكما يُحمى المطار والحدود والمنشآت النووية، يجب أن تُحمى مراكز البيانات باعتبارها عصب الدولة الحديثة.
ومع تصاعد التهديدات الإلكترونية والطبيعية، تدعو هذه الحوادث إلى إعادة تقييم شاملة لسياسات الحماية، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص لبناء بنى تحتية أكثر مرونة واستعدادًا لأى طارئ، قبل أن يتحول الحريق المقبل إلى كارثة كبري.