سجل الإنتاج الصناعي في ألمانيا ارتفاعًا فاق التوقعات خلال شهر مايو، مدعومًا بأداء قوي من قطاعي السيارات والطاقة، بحسب ما أعلنه مكتب الإحصاءات الفيدرالي الألماني، اليوم الإثنين. وارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 1.2% مقارنة بشهر أبريل، في حين كانت توقعات المحللين الذين استطلعت "رويترز" آراءهم تشير إلى استقرار النمو عند صفر%.
وعلق كارستن بريزسكي، رئيس الاقتصاد الكلي العالمي في مصرف ING، قائلًا: "من المبكر إعلان التعافي الكامل، لكن هناك إشارات متزايدة على وجود انتعاش دوري، ولو من مستويات منخفضة". ومع ذلك، حذر بريزسكي من أن المخاطر السلبية لا تزال قائمة على المدى القريب، في ظل تصاعد التوترات التجارية، وارتفاع قيمة اليورو، إلى جانب ظروف الطقس الحار والجاف الذي أدى إلى انخفاض مستويات المياه في الأنهار الألمانية، ما قد يؤثر على عمليات النقل والإمداد.
أداء قوي لقطاعات السيارات والطاقة والأدوية
وكانت الزيادة في الإنتاج مدفوعة بارتفاع ملحوظ بنسبة 4.9% في قطاع صناعة السيارات، مقارنة بشهر أبريل، إلى جانب قفزة بنسبة 10.8% في إنتاج الطاقة. كما ساهم قطاع الصناعات الدوائية بدور إيجابي، حيث ارتفع الإنتاج فيه بنسبة 10%، ما عزز الأداء العام للقطاع الصناعي خلال الشهر.
ورجّحت فرانزيسكا بالماس، كبيرة الاقتصاديين الأوروبيين في "كابيتال إيكونوميكس"، أن يكون أداء قطاع الأدوية مدعومًا بما وصفته بـ"الشراء الاستباقي" من قبل الولايات المتحدة قبيل دخول تعريفات جمركية جديدة حيز التنفيذ. وأشارت بالماس أيضًا إلى أن قطاعات أخرى أثبتت مرونة غير متوقعة في مواجهة تداعيات الرسوم الجمركية، ما ساهم في تجاوز التوقعات.
وقال سايروس دي لا روبيا، كبير الاقتصاديين في بنك "هامبورغ كوميرشال"، إن أداء مايو قد يشير إلى أن القطاع الصناعي الألماني بدأ دخول مسار تعافٍ تدريجي، مشيرًا إلى أن مستويات الإنتاج لا تزال أقل من تلك التي تحققت خلال فترة الانتعاش التي أعقبت جائحة كوفيد-19، لكنها تشهد اتجاهًا صعوديًا واضحًا منذ عدة أشهر.
وأضاف رالف سولفين، كبير اقتصاديي "كومرتس بنك"، أن إنتاج شهري أبريل ومايو جاء أعلى قليلًا من متوسط الربع الأول من العام، وهو ما يعزز الآمال بأن الصناعة الألمانية قد تجاوزت المرحلة الأسوأ. وأشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي قد لا يسجل نموًا يُذكر في الربع الثاني، لكن التوقعات ترجح تحسن النمو خلال الفصول المقبلة، مدفوعًا بإصلاحات وتعديلات مالية يتوقع أن تبدأ في إحداث أثر ملموس بحلول عام 2026.
في هذا السياق، أقرت الحكومة الألمانية حزمة تحفيزية تشمل تخفيضات ضريبية بهدف تنشيط الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي، بعد عامين متتاليين من الانكماش. وتستهدف هذه الإجراءات إعادة الاقتصاد إلى مسار النمو المستدام، لا سيما في ظل التباطؤ الذي يعاني منه القطاع الصناعي.
أوامر التوريد تتراجع في مايو
على الرغم من الأداء الإيجابي للإنتاج، كشفت بيانات سابقة أن الطلبات الصناعية تراجعت بنسبة 1.4% في مايو، ما أنهى موجة من التحسن المؤقت، وجاء ذلك نتيجة لانخفاض حاد في الطلب من داخل منطقة اليورو.
وفي هذا السياق، أكدت بالماس أن ضعف الطلب وتقدّم سعر صرف اليورو بشكل سريع خلال الأشهر الأخيرة سيشكلان عبئًا على وتيرة الإنتاج في الفترة القريبة المقبلة.
اتجاه صعودي في مقارنة الثلاثة أشهر
وأظهرت مقارنة الأداء على أساس ثلاثة أشهر أن الإنتاج في الفترة من مارس إلى مايو كان أعلى بنسبة 1.4% مقارنة بالثلاثة أشهر السابقة، ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في الزخم الصناعي رغم التحديات الهيكلية والظرفية.
من جهة أخرى، تم تعديل بيانات شهر أبريل لتُظهر تراجعًا بنسبة 1.6% في الإنتاج الصناعي، مقارنة بتقديرات سابقة كانت عند انخفاض نسبته 1.4%.
ويعكس هذا المشهد الصناعي في ألمانيا مزيجًا من المؤشرات الإيجابية والتحذيرات المستقبلية، وسط ترقب لفعالية السياسات الاقتصادية الجديدة في دعم النمو المستدام وتجاوز التحديات العالمية.