حازم شريف:
لا توجد مهمة أصعب، وربما أسخف، لدي من الحديث عن الذات، سواء كان ذلك يتعلق بما هو شخصي محض، أو حتي فيما يخص تجربة جماعية أشمل وأعم، يتلاحم بها عشرات الأشخاص، ويتشارك في تحمل عواقبها مئات الأفراد المرتبطين، وتصنعها آلاف التفاصيل والأحداث.
وتزداد المهمة سخافة والكتابة مشقة، عندما تستشعر للوهلة الأولي، إنها لاتعدو أن تكون فعلا احتفاليا إجباريا، يفرضه عليك تاريخ أو ذكري أو مناسبة بعينها.
في يوم الأحد الموافق 16 مارس من عام 2003 صدر العدد الأول من جريدة المال، ويعني ذلك بحسابات الزمن والتاريخ، أن هذه التجربة قد تجاوزت عامها الرابع بنجاح، واستطاعت خلال هذه الفترة غير القصيرة الانتقال بين أطوار ومراحل مختلفة، الأولي أطلقنا عليها مرحلة تحدي البقاء «العامين الأول والثاني»، الثانية مرحلة الاستقرار«العام الثالث»، والثالثة مرحلة تحدي النمو «اعتبارا من العام الرابع».
وقد ناشدني العديد من الزملاء، أن أكتب نيابة عنهم في هذه المناسبة، وهو عبء نهضت به علي مضض، واستجبت له في استحياء، ولي عذري، بل أعذاري، في ذلك، بقدر ما لي من دوافع ومبررات.
أما الأعذار فأولها أننا لم نعتد في المال علي الاحتفال. يغني غيرنا ويطبل ويزمرلأقل إنجاز يحققونه، أو خطوة بسيطة يخطونها للأمام، أما نحن، فلا وقت لدينا للفرحة، فقط للعمل المضني المستمرالممتزج بفيض داخلي من الشعور بالاستمتاع.
شهوة المتعة تحركنا في كشفنا للأحداث، شبق السبق الصحفي يستأثر بغرائزنا، رغبتنا المحمومة في صياغة عدد تاريخي، تتملكنا بلا انقطاع مع كل إصدار.
وثانيها، أن ادعاء النجاح لم يعد حكرا علي الناجحين، وبالذات في العمل الصحفي، تماما كما لم يعد الشرف فضيلة يتفاخر بها الشرفاء فقط في أرض الواقع. فقد تحول الحديث عن الزهد لمقدمة منطقية لأغلب الفاسدين، حتي باتت الصورة الذهينة، لكل من يدعي الشرف أو النجاح،أشبه براقصة درجة ثالثة تتنقل من حانة إلي أخري دون أن تمل أو تكل من التشدق بالتقوي، ومن غير أن تغفل ملاحقة كل من تقابله بمدفع رشاش تطلق من فوهته في يسر سيل اتهامات الدعارة.
وفي وسط هذه الأجواء، من البديهي أن يتملك المرء شيء من الخجل، والكثير من الشعور بالابتذال، رغما عن أنفه، قبل أن يشرع -مجرد أن يشرع- في سرد ما يعتقد أنه رواية أو قصة تستحق أن تنعت بالنجاح.
وثالثها هو حق القارئ، الذي يتخيل بعض الزملاء من الصحفيين، أن من حقهم عليه، أن «يكفروا سيئاته» من حين لآخر بالحديث عن إنجازاتهم وعظمتهم، في حين أنه لاشكر علي واجب، وأن وظيفتهم هي خدمته والعمل علي راحته بتقديم ما يعتقدون أنه أفيد وأصوب له ولمصالحه، دون الحاجة إلي معايرته، أو نصب حلقة لاستعراض العضلات عليه، في حالة النجاح، فما بالك إذا أقدم الكثيرون علي مزاولة هذه الألعاب اللزجة مع القراء، أو بمعني أدق مع ما تبقي منهم دون أن يلوذوا بالفرار في حالات الفشل المبين.
أما الدوافع فهي متعددة، ويكفي منها الاستجابة لدعوة عدد من الزملاء بالجريدة للاحتفاء بذكري مرور 4 سنوات علي انصهارنا وتوحدنا معا، في مقر عمل نقضي فيه أضعاف أضعاف ما نقضيه من أوقات مع ذوينا في البيوت.
كذلك فإنه سيكون من دواعي سروري محاولة كسر حاجز الشعور بالخجل من الاحتفال بما استقر في نفسي أنه تجربة مميزة -ولن أقول فريدة- في الصحافة المصرية.
وثالثا، أري أن من حق القراء علينا، أن يتعرفوا -باختصار- أين كنا، وماذا أصبحنا، وإلي أين نسير؟
لقد بدأنا قبل أربع سنوات بحلم الجريدة الاقتصادية الأسبوعية المستقلة، التي تنفصل فيها الملكية عن الادارة، ويعمل بها صحفيون مدربون في مجال التحرير، وكوادر علي أعلي مستوي في مجال التسويق والمبيعات «الاعلانات والتوزيع».
والآن أصبح لدينا مؤسسة صحفية، يمتلك أسهمها أكثر من 20 مساهما، بحصص تتراوح من 1 إلي %10، وتتشكل هذه المؤسسة من 3 شركات، واحدة للتسويق والتوزيع، والثانية للنشر وبيع المحتوي، والثالثة لتنظيم المعارض والمؤتمرات، ويعمل بها نحو 150 موظفا.
وقبل انقضاء هذا العام -الرابع- سيتضاعف رأس مال هذه المؤسسة 5 أضعاف ما كان عليه في بدايته «بداية العام» وذلك تمهيدا لتنفيذ خطة توسع رأسي و أفقي، سيقفز معها عدد العاملين إلي قرابة الـ350 موظفا في مختلف التخصصات، وربما بكرنا قبل نهاية العام بتأسيس شركة رابعة، كان من المخطط لها أن تبدأ في عام 2008.
وسيشهد هذا العام أيضا مجموعة من المفاجآت سواء علي مستوي الخدمات المقدمة للقراء أو بالنسبة للزملاء الذين منحني العديد منهم في كثير من المناسبات والمواقف الصعبة، تفويضا لمشاركتهم الطريق إلي النجاح، وصكا جماعيا للمتعة والغفران نحمله معا إلي المستقبل.
بالنسبة لي كان صدور المال مجرد حلم، ولكنه لزملاء آخرين لم يكن أقل من ميلاد حقيقي، بل فرصة لمزاولة الحياة ذاتها، وخدشا محمودا لاشك فيه لجدار بكارتهم الأولي.
أعزائي القراء والزملاء والمساهمين ....أعدكم جميعا، أن أسعي معكم وبكم، أن أصبح جديرا، بما حملتموني به، أو حملت أنا نفسي به -لا يهم من حملني الآن- من تفويض بالنجاح.
تفويض بالنجاح
حازم شريف: لا توجد مهمة أصعب، وربما أسخف، لدي من الحديث عن الذات، سواء كان ذلك يتعلق بما هو شخصي محض، أو حتي فيما يخص تجربة جماعية أشمل وأعم،...