دعاء خليفة:
قضاء يوم في «الكواليس» تجربة مثيرة في حد ذاتها، وعندما تكون الكواليس هي مكاتب شركة مايكروسوفت إحدي كبري شركات التكنولوجيا فالتجربة تكون أكثر إثارة، خاصة أن هذه الشركة معروفة بقدراتها الدعائية وحرصها دائماً علي رسم صورة ذهنية إيجابية جداً لدي عملائها .
بعد الاتفاق وتحديد موعد الزيارة، تلاحقت علي ذهني الاسئلة عما سأراه، وهل سأقضي يوماً طبيعياً من أيام العمل، أم أن وجودي سيتطلب منهم اجراء «تجميلات» معينة أو الحرص علي إبراز الايجابيات وإخفاء مشكلات معينة حتي ولو كانت تحدث بشكل بسيط في التعاملات اليومية؟ هل هم مستعدون لحضوري وهل سيسمح لي بالتجول بحرية بين مكاتب الموظفين، والاطلاع علي تفاصيل العمل خاصة أنني أعلم أن الحصول علي معلومات أو أخبار معينة أو حتي عقد لقاء مع أحد موظفي مايكروسوفت يتطلب اجراءات محددة، ويقتضي إذناً مسبقاً من العلاقات العامة .
وصلت يومها تقريباً في الحادية عشرة صباحاً، أي بعد حوالي ساعتين ونصف من بدء يوم العمل، ولم انتظر كثيراً فقد كان لدي «إيناس» موظفة الاستقبال فكرة مسبقة عن مهمتي، وبعد بضع دقائق طالعت خلالها لقطات فوتوغرافية موضوعة في المدخل تمثل مراحل من حياة بيل جيتس «مؤسس الشركة الأم» بدأت التجول في مقر الشركة وسط دهشة البعض في البداية، لكنهم سرعان ما تذكروا الـ mails التي وصلتهم لتخبرهم بوجود صحفية ستشاركهم يومهم .
استقبل البعض وجودي بحماس بينما ظهرت علامات الضيق علي البعض الآخر وإن كانت غير معلنة، لكن لسان حالهم كان يقول «صحفية إيه مش وقته عندنا شغل »!
احدي الموظفات في مجال التسويق سمحت لي بحضور اجتماع مع اثنين من العملاء وجرت مناقشات طويلة وساخنة ولكن الموظفة فضلت الاهتمام بتفاصيل مشروعها عن الحديث مع «الصحفية».. فلا وقت للصحافة في تقديرها وهو ما لم يحدث من كريم رمضان مدير الشركة الذي حرص علي الإجابة علي كل الأسئلة بدون تعقيدات وبشكل تلقائي وحتي بدون تحفظات، وربما يرجع ذلك لطبيعته المرنة وخلفيته الثقافية وهي مزيج من الثقافة الغربية والشرقية، خاصة أنه أمضي جزءاً كبيراً من حياته بالخارج، المهم أنه سمح لي بالتجول في ارجاء المكان، حتي دون مصاحبة مسئولة العلاقات العامة التي اكتفت بتقديمي في البداية لعدد كبير من الموظفين وبدأت الجولة :
مكاتب بلا ورق.. فقط «لابتوب» يتبادل من خلالها أكثر من 45 موظفاً في شركة مايكروسوفت الـ Emails لتنظيم العمل وهناك موبايل يرن ليذكر صاحبه بأوقات الصلاة حتي في أوقات الفراغ، تقام مباريات ألعاب إلكترونية علي الكمبيوتر .
داخل مكتب مايكروسوفت مصر والذي تأسس كمكتب تمثيلي عام 1995 ثم تحول بعد ذلك ليصبح شركة ذات مسئولية محدودة سنة 1997 يبدو جو العمل مختلفاً .. سرعة، حركة، ولا مساحة لوقت بعيداً عن جهاز الكمبيوتر. موظفون عاشقون للتكنولوجيا، حتي أوشكت أن تكون بالنسبة لهم أسلوب حياة .
تساءلت هل هو حب للعمل الذي يأخذهم لساعات طويلة أم انه الحرص علي الاستمرار في مكان لا يتهاون في أخطاء العاملين به، وأيضاً الحرص علي أرباح شركتهم خاصة أنني علمت أن كل موظف يعتبر شريكاً بعدد معين من الأسهم بمجرد تعيينه .
وربما هذا هو ما يجعل البعض يتحمل حجم وضغوط العمل وعلي شفتيه ابتسامة !
فأنت أمام موظفين يعملون وكأنهم في «سياتل» مقر الشركة الرئيسي في أمريكا ولكنهم مصريون لا يمكن فصلهم عن مجتمعهم، فهم يتأثرون بالمجتمع ويمكن ان يعدلوا «سياساتهم» تمشياً مع ظروف العمل ولكن ينبغي عليهم ألا ينسوا أنهم بعيدون عن أي انتماءات سياسية أو عقائدية أثناء عملهم ويفصلون تماما ـ كموظفين في شركة أمريكية ـ بين العمل والسياسة، فالجميع منكبون علي أجهزتهم يمارسون عملهم اليومي حتي في ظل تلاحق الأحداث السياسية في المنطقة العربية، والبعض فقط هو الذي يتلقي رسالة من وقت لآخر علي الموبايل لها علاقة بالأحداث الجارية أو يختلس بعض الوقت لمتابعة هذه الأحداث علي مواقع القنوات الفضائية علي الإنترنت .
ولأن أسلوب العمل مختلف وايقاعه سريع، فإن موظف مايكروسوفت له مواصفات مختلفة فمجرد الدخول إلي مقر الشركة وبملاحظة بسيطة بداية من «إيناس» موظفة الاستقبال التي تستقبل المكالمات وترسل الـ Emails والفاكسات الكترونيا لجميع الموظفين وحتي «حسن» عامل البوفيه تتأكد أنك في مكان يعمل بشكل مختلف، موظفون في العشرينات والثلاثينيات من عمرهم وأكبرهم لا يتعدي الأربعين، يتحركون بسرعة وفي خطوات محسوبة ويتحدثون العربية والانجليزية بسرعة وطلاقة قد يتعذر أحياناً علي بعض زائريهم ملاحقتها .
أهم شروط الالتحاق بالعمل في مايكروسوفت هو أن يتمتع الموظفون بدرجة عالية من الذكاء وأن يكونوا مقتنعين تماماً بأن التكنولوجيا أسلوب حياة حقيقي تلك هي الشروط وفقاً لما يؤكده كريم رمضان وحسن المسلمي مدير الموارد البشرية بمنطقة الشرق الأوسط وأهم ما يجب ان يتميز به من يعمل في مايكروسوفت أن يتمتع بقدرته علي تطوير نفسه وأن يكون لديه إحساس بالمسئولية وقدرة علي التصرف في المواقف المختلفة، لأنه بعد فترة يتصرف بمفرده في المواقف دون الرجوع لأحد، وهي مقومات أهم من «شهادات» تخرجه لدي القائمين علي الشركة، وذلك لأن أسلوب العمل بعد ذلك يعتمد علي المرونة وتحمل المسئولية واعطاء الثقة للموظف في اتخاذ القرارات بنفسه وتحمل مسئولياتها .
ويوضح حسن المسلمي ان موظف مايكروسوفت يمر بأكثر من 6 مقابلات قبل الموافقة علي تعيينه، وهو بعد ذلك يكون «شريكاً» من أول يوم تعيين فيعمل وهو عينه علي «السهم» الذي يمتلكه في الشركة، ليجعله ذلك أكثر ارتباطاً بالمؤسسة وأكثر تفهماً لضغوط العمل، وكذلك أكثر حرصاً علي تطوير أدائه لتطوير أداء شركته وخاصة في ظل ظروف اقتصادية مثل التي نعيشها حالياً .
«ضغوط العمل» كلمة تتردد كثيراً علي ألسنة الموظفين وحالة الانشغال الدائم التي يمكن رصدها في معظم مكاتب الشركة تشعرك وكأن العمل في هذا المكان لا ينتهي أبداً، وهو ما يبدو من حركة «ريجي» احدي مسئولي التكنولوجيا في الشركة والمسئولة أيضاً عن الشبكة وكل ما له علاقة بأجهزة الاتصالات من تليفونات وفاكسات، انها فتاة متحركة نشيطة جداً، لا تعمل أقل من 9 أو 10 ساعات يومياً، تتنقل بين المكاتب لتحل مشكلة ما هنا أو تصلح عطلاً هناك، واليوم تقوم بتحميل برنامج Office 11 علي أجهزة موظفي الشركة بهدف تجربته قبل ان ينزل إلي الأسواق .
«ريجي» تقاطع كريم رمضان ـ أكثر من مرة ـ حتي تستكمل عملها ولكنه يبدو متفهماً لضرورة عمل التحديث حتي ولو كان ذلك سيعطله بعض الوقت وهو يوضح أن عملية اختبار أي منتج جديد تتم ـ في البداية ـ بمعرفة الموظفين وبعض العملاء الكبار قبل طرح المنتج في الاسواق وذلك لكي «نعيش» في المزايا والمشاكل، وهي تجربة تضطر «ريجي» لبذل مجهود كبير لاقناع بعض الموظفين بها، رغم أنهم ـ حسب قولها ـ ربما اعتادوا علي التعامل بالنظام القديم ولكنهم بعد فترة قصيرة يضطرون إلي تقبل الأمر الواقع والاستجابة للتغيير .
أما «كريم» الذي يعمل في مايكروسوفت العالمية منذ 5 سنوات وفي مصر منذ حوالي سنة ونصف، فيستكمل عمله حتي في وجود «ريجي» وعلي قائمة أعماله هذه الأيام مشروعات «الحكومة الإلكترونية» ومشروعات أخري مع وزارة التربية والتعليم وذلك في اطار العديد من الاتفاقيات لتوفير منتجات مايكروسوفت في الجامعات والمدارس المصرية فضلاً عن عدة مشروعات للتدريب .
وفي هذه الفترة التي يعاني فيها الاقتصاد المصري وخاصة بعد ظروف الحرب علي العراق، اضطرت مايكروسوفت مصر لإحداث بعض التغيير في سياستها فتم تقليل اللقاءات التي يعلن فيها عن منتجات جديدة وأصبح الاتجاه أكثر لتنفيذ المشاريع المتعلقة بالتنمية التكنولوجية في المجتمع، وهي كما يقول إيهاب عبدالعزيز مدير المبيعات والتوزيع: ضرورية للتقريب ما بين الشركة وعملائها وكذلك بينها وبين قطاعات المجتمع المختلفة .
ويؤكد كريم ان الأحداث الحالية لم تؤثر تأثيراً كبيراً علي مايكروسوفت كما هو الحال ـ حسب قوله ـ بالنسبة لشركات أمريكية مثل ماكدونالدز أو كنتاكي. فلا يمكن في تقديره مقاطعة التكنولوجيا لأنها ليس لها بدائل .
«كريم» يستعيد جهازه أخيراً بعد انتهاء «ريجي» من عملها ـ ويتنفس الصعداء لأنه سيعود إلي ممارسة عمله بشكل طبيعي ويطلع علي الـ Emails ـ وهي من الأدوات الأساسية التي يتابع بها سير عمله، فمعدل Emails كريم اليومي يصل إلي 200 ، هذا بالاضافة للاتصال المباشر لكنه يؤكد أنه واثق ـ بشكل كبير ـ من أن مجموعة العمل بالكامل يمكن الاعتماد عليها، لأنهم أصبحوا جزءاً من العمل الذي يسير بشكل تلقائي دون الحاجة للرجوع إليه في كل خطوة .
ومن جهته يقول شريف بيومي مدير مبيعات القطاع الحكومي ان أهم المباديء التي يعتمد عليها أسلوب العمل في مايكروسوفت هي اعطاء الثقة للموظف لإظهار مهاراته ولكن حين يتكرر الخطأ أو الأهمال تكون العقوبة رادعة .
في البداية نقوم بأداء عمل من يخطيء وحين يتكرر الخطأ ينتهي عمله معنا .
وإذا كان العمل في مايكروسوفت لم يتأثر كثيراً نتيجة لظروف الحرب، إلا ان الموظفين لم ينجوا من هذا التأثير خاصة ان مقر عملهم يقع بالقرب من السفارة الأمريكية .
فهم يقولون: لقد اضطررنا ـ للبقاء فترات طويلة داخل مكاتبنا أثناء المظاهرات كذلك تأجلت العديد من اللقاءات مع العملاء .
وبما ان التكنولوجيا أداة أساسية للعمل في الشركة، فإن «ريجي» تضطر لسرعة التنقل لحل المشاكل التي قد تنشأ نتيجة لعدم رغبة الجميع في توقف عملهم ولو لدقائق وفض النقاشات بينهم.. ويؤكد الجميع أن الحسابات والتحليل المالي للإيرادات والمصروفات من القطاعات التي لا تحتمل التأجيل، لذلك تسرع «ريجي» لضبط جهازي عمرو الريدي وخالد السعيد اللذين يعملان في هذا المجال الحيوي .
ويقول «خالد» ان حياته كلها أصبحت تكنولوجيا وربما «يبتلعه» العمل أحيانا لعدة أيام متتالية مما يؤثر بشكل سلبي علي حياته الخاصة، ولكنه يستمتع بعمله الذي يضيف له كل يوم جديداً وخاصة أنهم يتلقون تدريبات عدة مرات في السنة خارج وداخل مصر، أما «عمرو» وعمره في الشركة عدة أيام فقط، فقد بدأ في التعود علي ضغوط العمل ولكنه يتمني أن يستطيع ـ حسب قوله ـ تحقيق التوازن بين عمله وحياته وأنشطته الاجتماعية .
وهذا الهدف يتمني معظم موظفي الشركة تحقيقه، وتحرص الإدارة علي دعمه من وقت لآخر كما يؤكد حسن المسلمي مدير الموارد البشرية،الذي يقول إنهم يشجعون الموظفين علي الموازنة من بين العمل والحياة الاجتماعية، لذلك تنظم الشركة رحلات من آن لآخر لموظفيها وتحرص علي عقد تجمعات عائلية وذلك لاضفاء جو من الألفة والقرب بين الموظفين، وربما لهذا السبب فإن موظفي مايكروسوفت وخاصة في مجال التسويق يستخدمون مهاراتهم لاقناع العملاء كما لو كان نجاح الاتفاق أو ترويج المنتج أمرا شخصيا، فهم يتحدثون بلسان مايكروسوفت في حماسة المفاوض في قضية وطنية !
وهي نفس الحماسة التي تدعو بها غادة خليفة مدير عام العلاقات العامة بالشركة العملاء والصحفيين إلي الـ Events وهو لفظ متداول يعني اللقاءات التي تعقدها الشركة للإعلان عن منتج أو مشروع جديد، حماسة تستطيع دائماً ـ هي وغيرها من الموظفين ـ «تغليفها» بقدر كبير من الموضوعية في العرض والمناقشة، حتي يتسني لهم اقناع الطرف الآخر بحجج موضوعية ودون الاعتماد علي وسائل دعائية فقط .
الثقة في النفس وفي الشركة هي أهم صفات موظف مايكروسوفت الذي لا يتلقي أوامر معينة للتصرف بهذه الطريقة، ولكن يبدو أنهم بعد فترة «يتشربون» هذه الحماسة حتي تبدو سلوكاً تلقائياً مقنعاً لمن حولهم وهم يسارعون أيضاً بتقديم مقترحات وأفكار جديدة دون أن يطلب منهم ذلك .
كما تقول «منة» الموظفة في قطاع الخدمات والتي تقوم بإصدار الفواتير للعملاء وإعداد العقود، وهي تؤكد ان الظروف الاقتصادية وارتفاع سعر الدولار قد أثر بشكل ما علي بعض الاتفاقيات مع العملاء التي تأجلت لبعض الوقت، وإن كان قرار السماح بالتسديد بالجنيه المصري بدلاً من الدولار ـ لفترة مؤقتة ـ كما يقول كريم رمضان ـ قد ساهم في تقليل هذا التأثير إلي حد بعيد .
وهناك قدر ضروري من المرونة ـ كما يقول شريف بيومي ـ لمواكبة المتغيرات والظروف الحالية ، لذلك تهتم الشركة في الفترة الحالية بمشاريع التدريب والاتفاقيات الحكومية لميكنة وتطوير الأداء الحكومي «شريف» يقوم بفحص الـ Emails الخاص به قبل ان يترك مكتبه وهي عملية تتكرر كل أقل من نصف الساعة، فقد أصبحت كما يقول «عادة وإدمان» علي الرغم من أنه سيكمل عمله بعد ذلك من المنزل وذلك بادخال «كارت» خاص ـ كمعيار للأمان ـ ليدخل علي نظام مايكروسوفت، أما إيهاب عبدالعزيز فمازال أمامه بعض العمل لمتابعة المشروعات التدريبية التي يشرف عليها .
أما «ناتاليا» مسئولة الحجوزات الخاصة بالطيران والفنادق واستخراج الفيزا، فقد أوشكت علي إنهاء عملها خاصة انه مرتبط بمواعيد الأماكن التي تتعامل معها، بينما تظل «ريجي» لأطول وقت ممكن تحسباً لأي مشكلة قد تطرأ علي النظام أو تظهر في أحد أجهزة «اللابتوب» التي يبلغ عددها 58 جهازاً .
ويبدو أن يوم العمل ليس له نهاية ولكنني أخيراً تركت «كواليس» مايكروسوفت في الساعة السادسة مساء وظل بعض الموظفين في المكتب ليستكملوا عملهم، بينما حمل البعض الآخر أجهزته تاركاً المكان، والسؤال هل يكفي يوم واحد بين كواليس الشركة لمعرفة كل التفاصيل، أم ان هناك وجهاً لم أعرف بعد كل ملامحه ويحتاج إلي أيام عديدة لكشف النقاب عنه؟.. أم ان ايقاع العمل وضغوطه لا تترك مجالاً لغير العمل ليصبح التقييم الوحيد والمحك الرئيسي هو سير العمل وحسن أدائه في شركة لا تسمح بغير النجاح .
قضاء يوم في «الكواليس» تجربة مثيرة في حد ذاتها، وعندما تكون الكواليس هي مكاتب شركة مايكروسوفت إحدي كبري شركات التكنولوجيا فالتجربة تكون أكثر إثارة، خاصة أن هذه الشركة معروفة بقدراتها الدعائية وحرصها دائماً علي رسم صورة ذهنية إيجابية جداً لدي عملائها .
بعد الاتفاق وتحديد موعد الزيارة، تلاحقت علي ذهني الاسئلة عما سأراه، وهل سأقضي يوماً طبيعياً من أيام العمل، أم أن وجودي سيتطلب منهم اجراء «تجميلات» معينة أو الحرص علي إبراز الايجابيات وإخفاء مشكلات معينة حتي ولو كانت تحدث بشكل بسيط في التعاملات اليومية؟ هل هم مستعدون لحضوري وهل سيسمح لي بالتجول بحرية بين مكاتب الموظفين، والاطلاع علي تفاصيل العمل خاصة أنني أعلم أن الحصول علي معلومات أو أخبار معينة أو حتي عقد لقاء مع أحد موظفي مايكروسوفت يتطلب اجراءات محددة، ويقتضي إذناً مسبقاً من العلاقات العامة .
وصلت يومها تقريباً في الحادية عشرة صباحاً، أي بعد حوالي ساعتين ونصف من بدء يوم العمل، ولم انتظر كثيراً فقد كان لدي «إيناس» موظفة الاستقبال فكرة مسبقة عن مهمتي، وبعد بضع دقائق طالعت خلالها لقطات فوتوغرافية موضوعة في المدخل تمثل مراحل من حياة بيل جيتس «مؤسس الشركة الأم» بدأت التجول في مقر الشركة وسط دهشة البعض في البداية، لكنهم سرعان ما تذكروا الـ mails التي وصلتهم لتخبرهم بوجود صحفية ستشاركهم يومهم .
استقبل البعض وجودي بحماس بينما ظهرت علامات الضيق علي البعض الآخر وإن كانت غير معلنة، لكن لسان حالهم كان يقول «صحفية إيه مش وقته عندنا شغل »!
احدي الموظفات في مجال التسويق سمحت لي بحضور اجتماع مع اثنين من العملاء وجرت مناقشات طويلة وساخنة ولكن الموظفة فضلت الاهتمام بتفاصيل مشروعها عن الحديث مع «الصحفية».. فلا وقت للصحافة في تقديرها وهو ما لم يحدث من كريم رمضان مدير الشركة الذي حرص علي الإجابة علي كل الأسئلة بدون تعقيدات وبشكل تلقائي وحتي بدون تحفظات، وربما يرجع ذلك لطبيعته المرنة وخلفيته الثقافية وهي مزيج من الثقافة الغربية والشرقية، خاصة أنه أمضي جزءاً كبيراً من حياته بالخارج، المهم أنه سمح لي بالتجول في ارجاء المكان، حتي دون مصاحبة مسئولة العلاقات العامة التي اكتفت بتقديمي في البداية لعدد كبير من الموظفين وبدأت الجولة :
مكاتب بلا ورق.. فقط «لابتوب» يتبادل من خلالها أكثر من 45 موظفاً في شركة مايكروسوفت الـ Emails لتنظيم العمل وهناك موبايل يرن ليذكر صاحبه بأوقات الصلاة حتي في أوقات الفراغ، تقام مباريات ألعاب إلكترونية علي الكمبيوتر .
داخل مكتب مايكروسوفت مصر والذي تأسس كمكتب تمثيلي عام 1995 ثم تحول بعد ذلك ليصبح شركة ذات مسئولية محدودة سنة 1997 يبدو جو العمل مختلفاً .. سرعة، حركة، ولا مساحة لوقت بعيداً عن جهاز الكمبيوتر. موظفون عاشقون للتكنولوجيا، حتي أوشكت أن تكون بالنسبة لهم أسلوب حياة .
تساءلت هل هو حب للعمل الذي يأخذهم لساعات طويلة أم انه الحرص علي الاستمرار في مكان لا يتهاون في أخطاء العاملين به، وأيضاً الحرص علي أرباح شركتهم خاصة أنني علمت أن كل موظف يعتبر شريكاً بعدد معين من الأسهم بمجرد تعيينه .
وربما هذا هو ما يجعل البعض يتحمل حجم وضغوط العمل وعلي شفتيه ابتسامة !
فأنت أمام موظفين يعملون وكأنهم في «سياتل» مقر الشركة الرئيسي في أمريكا ولكنهم مصريون لا يمكن فصلهم عن مجتمعهم، فهم يتأثرون بالمجتمع ويمكن ان يعدلوا «سياساتهم» تمشياً مع ظروف العمل ولكن ينبغي عليهم ألا ينسوا أنهم بعيدون عن أي انتماءات سياسية أو عقائدية أثناء عملهم ويفصلون تماما ـ كموظفين في شركة أمريكية ـ بين العمل والسياسة، فالجميع منكبون علي أجهزتهم يمارسون عملهم اليومي حتي في ظل تلاحق الأحداث السياسية في المنطقة العربية، والبعض فقط هو الذي يتلقي رسالة من وقت لآخر علي الموبايل لها علاقة بالأحداث الجارية أو يختلس بعض الوقت لمتابعة هذه الأحداث علي مواقع القنوات الفضائية علي الإنترنت .
ولأن أسلوب العمل مختلف وايقاعه سريع، فإن موظف مايكروسوفت له مواصفات مختلفة فمجرد الدخول إلي مقر الشركة وبملاحظة بسيطة بداية من «إيناس» موظفة الاستقبال التي تستقبل المكالمات وترسل الـ Emails والفاكسات الكترونيا لجميع الموظفين وحتي «حسن» عامل البوفيه تتأكد أنك في مكان يعمل بشكل مختلف، موظفون في العشرينات والثلاثينيات من عمرهم وأكبرهم لا يتعدي الأربعين، يتحركون بسرعة وفي خطوات محسوبة ويتحدثون العربية والانجليزية بسرعة وطلاقة قد يتعذر أحياناً علي بعض زائريهم ملاحقتها .
أهم شروط الالتحاق بالعمل في مايكروسوفت هو أن يتمتع الموظفون بدرجة عالية من الذكاء وأن يكونوا مقتنعين تماماً بأن التكنولوجيا أسلوب حياة حقيقي تلك هي الشروط وفقاً لما يؤكده كريم رمضان وحسن المسلمي مدير الموارد البشرية بمنطقة الشرق الأوسط وأهم ما يجب ان يتميز به من يعمل في مايكروسوفت أن يتمتع بقدرته علي تطوير نفسه وأن يكون لديه إحساس بالمسئولية وقدرة علي التصرف في المواقف المختلفة، لأنه بعد فترة يتصرف بمفرده في المواقف دون الرجوع لأحد، وهي مقومات أهم من «شهادات» تخرجه لدي القائمين علي الشركة، وذلك لأن أسلوب العمل بعد ذلك يعتمد علي المرونة وتحمل المسئولية واعطاء الثقة للموظف في اتخاذ القرارات بنفسه وتحمل مسئولياتها .
ويوضح حسن المسلمي ان موظف مايكروسوفت يمر بأكثر من 6 مقابلات قبل الموافقة علي تعيينه، وهو بعد ذلك يكون «شريكاً» من أول يوم تعيين فيعمل وهو عينه علي «السهم» الذي يمتلكه في الشركة، ليجعله ذلك أكثر ارتباطاً بالمؤسسة وأكثر تفهماً لضغوط العمل، وكذلك أكثر حرصاً علي تطوير أدائه لتطوير أداء شركته وخاصة في ظل ظروف اقتصادية مثل التي نعيشها حالياً .
«ضغوط العمل» كلمة تتردد كثيراً علي ألسنة الموظفين وحالة الانشغال الدائم التي يمكن رصدها في معظم مكاتب الشركة تشعرك وكأن العمل في هذا المكان لا ينتهي أبداً، وهو ما يبدو من حركة «ريجي» احدي مسئولي التكنولوجيا في الشركة والمسئولة أيضاً عن الشبكة وكل ما له علاقة بأجهزة الاتصالات من تليفونات وفاكسات، انها فتاة متحركة نشيطة جداً، لا تعمل أقل من 9 أو 10 ساعات يومياً، تتنقل بين المكاتب لتحل مشكلة ما هنا أو تصلح عطلاً هناك، واليوم تقوم بتحميل برنامج Office 11 علي أجهزة موظفي الشركة بهدف تجربته قبل ان ينزل إلي الأسواق .
«ريجي» تقاطع كريم رمضان ـ أكثر من مرة ـ حتي تستكمل عملها ولكنه يبدو متفهماً لضرورة عمل التحديث حتي ولو كان ذلك سيعطله بعض الوقت وهو يوضح أن عملية اختبار أي منتج جديد تتم ـ في البداية ـ بمعرفة الموظفين وبعض العملاء الكبار قبل طرح المنتج في الاسواق وذلك لكي «نعيش» في المزايا والمشاكل، وهي تجربة تضطر «ريجي» لبذل مجهود كبير لاقناع بعض الموظفين بها، رغم أنهم ـ حسب قولها ـ ربما اعتادوا علي التعامل بالنظام القديم ولكنهم بعد فترة قصيرة يضطرون إلي تقبل الأمر الواقع والاستجابة للتغيير .
أما «كريم» الذي يعمل في مايكروسوفت العالمية منذ 5 سنوات وفي مصر منذ حوالي سنة ونصف، فيستكمل عمله حتي في وجود «ريجي» وعلي قائمة أعماله هذه الأيام مشروعات «الحكومة الإلكترونية» ومشروعات أخري مع وزارة التربية والتعليم وذلك في اطار العديد من الاتفاقيات لتوفير منتجات مايكروسوفت في الجامعات والمدارس المصرية فضلاً عن عدة مشروعات للتدريب .
وفي هذه الفترة التي يعاني فيها الاقتصاد المصري وخاصة بعد ظروف الحرب علي العراق، اضطرت مايكروسوفت مصر لإحداث بعض التغيير في سياستها فتم تقليل اللقاءات التي يعلن فيها عن منتجات جديدة وأصبح الاتجاه أكثر لتنفيذ المشاريع المتعلقة بالتنمية التكنولوجية في المجتمع، وهي كما يقول إيهاب عبدالعزيز مدير المبيعات والتوزيع: ضرورية للتقريب ما بين الشركة وعملائها وكذلك بينها وبين قطاعات المجتمع المختلفة .
ويؤكد كريم ان الأحداث الحالية لم تؤثر تأثيراً كبيراً علي مايكروسوفت كما هو الحال ـ حسب قوله ـ بالنسبة لشركات أمريكية مثل ماكدونالدز أو كنتاكي. فلا يمكن في تقديره مقاطعة التكنولوجيا لأنها ليس لها بدائل .
«كريم» يستعيد جهازه أخيراً بعد انتهاء «ريجي» من عملها ـ ويتنفس الصعداء لأنه سيعود إلي ممارسة عمله بشكل طبيعي ويطلع علي الـ Emails ـ وهي من الأدوات الأساسية التي يتابع بها سير عمله، فمعدل Emails كريم اليومي يصل إلي 200 ، هذا بالاضافة للاتصال المباشر لكنه يؤكد أنه واثق ـ بشكل كبير ـ من أن مجموعة العمل بالكامل يمكن الاعتماد عليها، لأنهم أصبحوا جزءاً من العمل الذي يسير بشكل تلقائي دون الحاجة للرجوع إليه في كل خطوة .
ومن جهته يقول شريف بيومي مدير مبيعات القطاع الحكومي ان أهم المباديء التي يعتمد عليها أسلوب العمل في مايكروسوفت هي اعطاء الثقة للموظف لإظهار مهاراته ولكن حين يتكرر الخطأ أو الأهمال تكون العقوبة رادعة .
في البداية نقوم بأداء عمل من يخطيء وحين يتكرر الخطأ ينتهي عمله معنا .
وإذا كان العمل في مايكروسوفت لم يتأثر كثيراً نتيجة لظروف الحرب، إلا ان الموظفين لم ينجوا من هذا التأثير خاصة ان مقر عملهم يقع بالقرب من السفارة الأمريكية .
فهم يقولون: لقد اضطررنا ـ للبقاء فترات طويلة داخل مكاتبنا أثناء المظاهرات كذلك تأجلت العديد من اللقاءات مع العملاء .
وبما ان التكنولوجيا أداة أساسية للعمل في الشركة، فإن «ريجي» تضطر لسرعة التنقل لحل المشاكل التي قد تنشأ نتيجة لعدم رغبة الجميع في توقف عملهم ولو لدقائق وفض النقاشات بينهم.. ويؤكد الجميع أن الحسابات والتحليل المالي للإيرادات والمصروفات من القطاعات التي لا تحتمل التأجيل، لذلك تسرع «ريجي» لضبط جهازي عمرو الريدي وخالد السعيد اللذين يعملان في هذا المجال الحيوي .
ويقول «خالد» ان حياته كلها أصبحت تكنولوجيا وربما «يبتلعه» العمل أحيانا لعدة أيام متتالية مما يؤثر بشكل سلبي علي حياته الخاصة، ولكنه يستمتع بعمله الذي يضيف له كل يوم جديداً وخاصة أنهم يتلقون تدريبات عدة مرات في السنة خارج وداخل مصر، أما «عمرو» وعمره في الشركة عدة أيام فقط، فقد بدأ في التعود علي ضغوط العمل ولكنه يتمني أن يستطيع ـ حسب قوله ـ تحقيق التوازن بين عمله وحياته وأنشطته الاجتماعية .
وهذا الهدف يتمني معظم موظفي الشركة تحقيقه، وتحرص الإدارة علي دعمه من وقت لآخر كما يؤكد حسن المسلمي مدير الموارد البشرية،الذي يقول إنهم يشجعون الموظفين علي الموازنة من بين العمل والحياة الاجتماعية، لذلك تنظم الشركة رحلات من آن لآخر لموظفيها وتحرص علي عقد تجمعات عائلية وذلك لاضفاء جو من الألفة والقرب بين الموظفين، وربما لهذا السبب فإن موظفي مايكروسوفت وخاصة في مجال التسويق يستخدمون مهاراتهم لاقناع العملاء كما لو كان نجاح الاتفاق أو ترويج المنتج أمرا شخصيا، فهم يتحدثون بلسان مايكروسوفت في حماسة المفاوض في قضية وطنية !
وهي نفس الحماسة التي تدعو بها غادة خليفة مدير عام العلاقات العامة بالشركة العملاء والصحفيين إلي الـ Events وهو لفظ متداول يعني اللقاءات التي تعقدها الشركة للإعلان عن منتج أو مشروع جديد، حماسة تستطيع دائماً ـ هي وغيرها من الموظفين ـ «تغليفها» بقدر كبير من الموضوعية في العرض والمناقشة، حتي يتسني لهم اقناع الطرف الآخر بحجج موضوعية ودون الاعتماد علي وسائل دعائية فقط .
الثقة في النفس وفي الشركة هي أهم صفات موظف مايكروسوفت الذي لا يتلقي أوامر معينة للتصرف بهذه الطريقة، ولكن يبدو أنهم بعد فترة «يتشربون» هذه الحماسة حتي تبدو سلوكاً تلقائياً مقنعاً لمن حولهم وهم يسارعون أيضاً بتقديم مقترحات وأفكار جديدة دون أن يطلب منهم ذلك .
كما تقول «منة» الموظفة في قطاع الخدمات والتي تقوم بإصدار الفواتير للعملاء وإعداد العقود، وهي تؤكد ان الظروف الاقتصادية وارتفاع سعر الدولار قد أثر بشكل ما علي بعض الاتفاقيات مع العملاء التي تأجلت لبعض الوقت، وإن كان قرار السماح بالتسديد بالجنيه المصري بدلاً من الدولار ـ لفترة مؤقتة ـ كما يقول كريم رمضان ـ قد ساهم في تقليل هذا التأثير إلي حد بعيد .
وهناك قدر ضروري من المرونة ـ كما يقول شريف بيومي ـ لمواكبة المتغيرات والظروف الحالية ، لذلك تهتم الشركة في الفترة الحالية بمشاريع التدريب والاتفاقيات الحكومية لميكنة وتطوير الأداء الحكومي «شريف» يقوم بفحص الـ Emails الخاص به قبل ان يترك مكتبه وهي عملية تتكرر كل أقل من نصف الساعة، فقد أصبحت كما يقول «عادة وإدمان» علي الرغم من أنه سيكمل عمله بعد ذلك من المنزل وذلك بادخال «كارت» خاص ـ كمعيار للأمان ـ ليدخل علي نظام مايكروسوفت، أما إيهاب عبدالعزيز فمازال أمامه بعض العمل لمتابعة المشروعات التدريبية التي يشرف عليها .
أما «ناتاليا» مسئولة الحجوزات الخاصة بالطيران والفنادق واستخراج الفيزا، فقد أوشكت علي إنهاء عملها خاصة انه مرتبط بمواعيد الأماكن التي تتعامل معها، بينما تظل «ريجي» لأطول وقت ممكن تحسباً لأي مشكلة قد تطرأ علي النظام أو تظهر في أحد أجهزة «اللابتوب» التي يبلغ عددها 58 جهازاً .
ويبدو أن يوم العمل ليس له نهاية ولكنني أخيراً تركت «كواليس» مايكروسوفت في الساعة السادسة مساء وظل بعض الموظفين في المكتب ليستكملوا عملهم، بينما حمل البعض الآخر أجهزته تاركاً المكان، والسؤال هل يكفي يوم واحد بين كواليس الشركة لمعرفة كل التفاصيل، أم ان هناك وجهاً لم أعرف بعد كل ملامحه ويحتاج إلي أيام عديدة لكشف النقاب عنه؟.. أم ان ايقاع العمل وضغوطه لا تترك مجالاً لغير العمل ليصبح التقييم الوحيد والمحك الرئيسي هو سير العمل وحسن أدائه في شركة لا تسمح بغير النجاح .