CIFC مصر فى عالم متغير!

 CIFC مصر فى عالم متغير!
محمد بكري

محمد بكري

6:45 ص, الأربعاء, 26 أبريل 23

ما علاقة «مركز القاهرة المالى الدولى CIFC» بالنظام العالمى الأجدد؟

ذكرت بمقالى (من كبارى الأرض لجسور العقل) – جريدة المال 2021/2/1 – عن نهضة البنية التحتية بمصر آخر 9 سنوات، “أن من استطاع التعامل مع جسد مصر المتغضن بهذه السرعة والقدرة والكفاءة، جدير به الالتفات لتكامل الاستثمار فى عقلها، ليواكب تطورات المكان والأحداث، خصوصا مع أحداث عالمية ككورونا والانكماش الاقتصادى وانفجارات القيم والأخلاق والسلوك”. والمراقب لتطورات عالمنا منذ بداية القرن 21، يجد النظام العالمى الجديد يتحول بسرعة وقسوة لنظام أجدد! على مستوى الجغرافيا والتقنية وصناعة المال والتعامل مع البشرية، لإعادة كتابة التاريخ وإدارة مختلفة لكوكب الأرض! تحالفات إستراتيجية دولية جديدة، الصين وأشكال جديدة للاستعمار الاقتصادى بطريق الحرير، عودة الحروب والمنازعات للتغيرات الجيوسياسية، فيروسات مُخلقة للوصول للمليار الذهبى للبشر، قنوات مالية عالمية لمرور وتفاعل تريليونات العملات، سباق محموم بين المراكز المالية الدولية للاستئساد بفرص الاستثمار وتغييرات القطاع المالى العالمي، تغيرات اقتصادية متصاعدة النتائج والعواقب مع أزمات أوكرانيا، تايوان، طموح مجموعة البريكس، بزوغ نيوم مقابل دبي، فك رباط البترودولار، الفوران الأفريقى من الجنوب للشمال، ثورة العملات على الدولار، مضاعفات الشيخوخة لأوروبا العجوز بعد غروب الملكة إليزابيث، تقارب سعودى إيرانى صيني، تطبيع إسرائيلى شرق أوسطى واعٍ وحل عقدة العداء إلخ.

كل ذلك يلزمنا كمصريين بالانتباه لعدة محاور إستراتيجية إن رغبنا فى مستقبل آمن، يعتبر تمتين الأمن الداخلى والمحافظة على الحدود، التوازن الدولى بين التحالفات المختلفة والمصالح المتعارضة، الاشتراك فى صناعة المالى العالمي، تمتين مفهوم الجمهورية الثانية والصورة الذهنية لمصر الجديدة، إعادة اكتشاف واستثمار مصر الجديدة، تطوير وإعادة بناء المواطن، إنقاذ الوعى الجمعي. إن توافق وتكامل هذه المحاور على التوازي، سيمنح مصر دورا حقيقيا فى النظام العالمى الأجدد، ولا بديل عن تدبر هذه المحاور لضمان وتأمين استمرار وأمن مصر محليا وإقليميا ودوليا. فمصر كجغرافيا باقية لأبد الدهر، ولكن أى بقاء وأى استمرار وأى دهر؟

من هنا أعود لرؤيتى بحتمية الانتقال من كبارى الأرض إلى جسور العقل، وأهمها جسور الاستثمار فى الحجر والبشر بالتوازي، فالاقتصاد المصرى الحر المستنير هو محور تحقق هذه المحاور الإستراتيجية، لإمكانية كسر أنشوطة الديون، محاولة الاكتفاء الذاتي، كشف واستغلال وإدارة رشيدة للموارد الطبيعية، تطوير واعٍ للخبرات والموارد البشرية بالانفتاح على الخبرات العالمية لتقوية المنافسة وضخ دماء الابتكار والإبداع، نقل الخدمات من مالكها ومقدمها إلى منفذها بضمانات إلخ.

يمر تطوير مفاهيم وممارسات الاقتصاد الحر، بعدة مراحل يتضافر فيها مناظرة تجارب النجاح، دراسة الموارد والإمكانيات والأهداف والتمويل، توفير الأمن والاستقرار، بيئة تشريعية وقضائية وتنفيذية تتكلم اللغة العالمية، آليات اقتصادية وتنفيذية تترجم هذا التطوير بصورة آمنة. كل ذلك يجب تدبره بالنظر لحجم الدولة وموقعها وكثافتها السكانية ومواردها وأهميتها وتأثيرها فى المجتمع الدولي. من هنا كان لزاما على اعتبار مصر لكل ما سبق فى خطواتها الجادة نحو مستقبل مختلف، يخشاها فيه كثيرون، ويتحفظ عليه أكثر، ويناوئه عديدون سواء بمزيد من توريط المديونيات، أو أزمات داخلية، أو إفساد إداري، أو تأخير وإعاقة حل سد النهضة، وحديثا مشكلة التعرض لقوات التدريب بالسودان وخدش الصورة بوقت حرج! وجميعها خيوط لتشتيت الصورة الذهنية لمصر الجديدة وإهدار جهودها وصرف نظرها عن رؤية واستكمال آليات نموها.

ورغم كل ذلك؛ نجد خطوتين غاية فى الأهمية فى أقل من شهر واحد، ولكن دلالتهما من أعمق ما يكون؟ فى 22 مارس 2023 وقع الرئيس التنفيذى للهيئة العام للاستثمار مع تحالف CIFC، مذكرة تفاهم دراسات وتنفيذ المركز، كأول مركز مالى دولى بمصر ينطلق من العاصمة الإدارية الجديدة، ليكون المركز الأحدث ورقم 22 فى سلسلة المراكز المالية الدولية التى تحيط شبكتها بصناعة المال على مستوى العالم، وفى 11 أبريل 2023 صدر القرار الرئاسى 141/2023 بتشكيل المجلس الأعلى للاستثمار، ليضع الإطار العام للإصلاح التشريعى والإدارى لبيئة الاستثمار وإقرار السياسات والخطة الاستثمارية.

وحسما هذا القرار هو بداية تطوير البنية التحتية القانونية والاقتصادية والاستثمارية لمصر الجديدة، التى تحتاجها للحديث بلغة صناعة المال والاستثمارات العالمية الحديثة. فالمراكز المالية الدولية ليست مجرد شركة مساهمة قابضة عملاقة، تقدم خدمات مالية وبنكية عالمية بذات النظم السارية (وإلا كانت قدمتها هذه النظم بالفعل)، ولكنها منظومة تتبنى التكامل والتعاون بين المراكز المالية الدولية على مستوى العالم، فى البنية التحتية لتكنولوجيا مالية واتصالات متقدمة، البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي، منظومة ضريبية وقانونية وفض منازعات، لتأسيس بيئة مال وأعمال وتداول دولى للمال بنظم مُحكمة وآمنة تتحدث لغة عالمية واحدة.

لا تتواجد المراكز المالية الدولية إلا وسط دولة توفر مقومات بيئية مواتية للنمو، واستقرار سياسى وأمني، ورؤية وإجراءات اقتصادية تستوعب التغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية، تراعى موقع هذه الدولة وحجمها ومواردها وعلاقتها بالمجتمع الدولي. ووسط العالم المتغير الذى صدرنا ملامحه، تتقدم مصر بصعوبة شديدة، ولكن بدون استحالة! ليتبادل مركزها الوليد CIFC مع باقى المراكز العالمية، انشطة تجميع وتصدير وتداول الأموال العالمية، وجذب الاستثمارات لمساعدة التدفقات الاستثمارية، كمنتجات مالية من داخل مصر وخارجها، تساعد فى رفع ناتجها المحلى GDB بكل أسسه وآثاره.

إن المنظومة الجديدة للمجلس الأعلى للاستثمار، والدور الجديد لقيادة الهيئة العامة للاستثمار، والرؤية الإستراتيجية لخطة مصر 2030 المؤتمنة عليها قيادة وزارة التخطيط، وCIFC مصر (كأحدث آليات تطوير الاقتصاد المصري)، هم من تحتاجهم مصر الجديدة للكفاح والبقاء والنمو وسط عمالقة النظام العالمى الأجدد. وهذا عين ما قاله جوستاف لوبون من أن “المهمة الأساسية الملقاة على عاتق الشعب تكمن فى الحفاظ على مؤسسات الماضى عن طريق تعديلها شيئا فشيئا”، فعمل وخدمات ونشاط وثقافة المراكز المالية الدولية وCIFC أحدثها، يحتاجون تعديلات موضوعية فى المفاهيم المصرية بأن تطوير نظم الاستثمار وحركة المال وحرية التجارة الدولية وأسس الاقتصاد الحر، لا تهدد الاقتصاد الوطنى أو تنحر فيه بل تطلقه للعالمية!

فالعالم يتغير بسرعة وحسم وحدّة، ومصر أيضا تحتاج ذلك، وجسور العقل الاستثمارى المستنير انطلقت الآن ومصر قادمة.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]