«الوطني» مشغول بمنشقيه و«الإخوان» بالملاحقات الأمنية

أحمد عبد الحافظ : شيرين راغب   قبل ساعات من بدء الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشوري رصدت المال تحركات جميع أطراف اللعبة في مثل هذا الموسم الانتخابي : ...

أحمد عبد الحافظ
: شيرين راغب

قبل ساعات من بدء الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشوري رصدت المال تحركات جميع أطراف اللعبة في مثل هذا الموسم الانتخابي : منظمات المجتمع المدني، أحجم أغلبها عن مراقبة الانتخابات ، الحزب الوطني انشغل في التعامل مع منشقيه و محاصرة مرشحي الاخوان ، أحزاب تضع أعينها علي التعيين بالرغم من مقاطعة الانتخابات و أخيراً الاخوان وهم يحاولون التعامل مع توابع التعديلات الدستورية و تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية و ملاحقات الأجهزة الأمنية ...


وإذن فإن أحد أهم ملامح انتخابات الشوري في الموسم الحالي يتمثل في تراجع العديد من منظمات المجتمع المدني عن مجرد محاولة مراقبة تلك الانتخابات علي عكس انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، التي شارك في مراقبتها30 منظمة حقوقية علي اختلاف اهتماماتها.و يرجع خالد علي ، أحد منسقي مراقبة منظمات المجتمع المدني لانتخابات المجلس الماضية ، أسباب تراجع المنظمات عن السعي الي مراقبة انتخابات الشوري الي أن تجربة انتخابات الشعب الماضية كانت التالية لأول انتخابات رئاسية تعددية في مصر ، الأمر الذي دفع العديد من المنظمات الي اقتحام التجربة بحماس ، لكن ما تلي ذلك من نتائج واحداث كان آخرها التعديلات الدستورية، أدت الي فقدان قطاعات غالبة وعريضة من المجتمع للثقة في الانتخابات ؛ بشكل عام في ظل احساس شبه يقيني بأن العملية الانتخابية أشبه بالتمثيلية معروفة النتائج سلفاًً، ولذلك فقد تراجع العديد من المنظمات عن مراقبة الانتخابات التالية حتي لا تضفي عليها شرعية لا تستحقها من وجهة نظر القائمين علي هذا المنظمات. ويضيف خالد علي أن هناك ضغوطا كبيرة علي المرشحين من أجل دفعهم اما للتنازل او الانسحاب من البداية ، كما أن اجهزة وزارة الداخلية الذراع التنفيذي القائم علي الانتخابات دائما ما تأخذ موقفاً منحازاً لمرشحي الحزب الوطني . ويوضح ان مساعي مراقبة الانتخابات كانت تهدف فيما مضي لرصد المخالفات الفردية الا ان النتيجة اوضحت ان الانتهاكات تمارس بالأساس من اللجنة العليا المشرفة علي الانتخابات وبشكل منهجي .ويرفض علي أن يقتصر دور مراقبة الانتخابات علي التوثيق ، فالصحافة تقوم بهذا الدور بالفعل منذ 5 سنوات، وهو يري انه يتعين علي المنظمات المراقبة أن تقوم بدور ايجابي في تقديم الدعم والمساعدة للمرشحين الذين يتعرضون لانتهاك حقوقهم من خلال تقديمها لبلاغات وإقامة دعاوي عن الوقائع التي تمارس فيها انتهاكات لحقهم في الترشيح أو الدعاية وكذلك تمكين مندوبيهم من اداء الدورالمنوط بهم.

وغير أن جمال عيد ، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، يختلف مع وجهة نظر خالد علي التي تقلل - في رأيه - من قيمة دور المنظمات الأهلية الرقابية في توثيق الانتهاكات ، فهذا الدور يسهم - كما يؤكد - في فضح انتهاكات ترتكب في مناطق مختلفة وبعيدة خاصة اذا ما اتسم توثيقها بالدقة وافرادها لديهم الخبرة الكافية لاداء الدور الرقابي بعكس العمل الصحفي غير الملزم بالتوثيق والتدقيق في كل انتهاك علي حدة .

و لايستبعد عيد تأثير ان تكون هناك علاقة بين نقص التمويل واحجام منظمات المجتمع المدني عن مراقبة انتخابات الشوري ، فهذه الانتخابات ينظر اليها عادة علي انها أقل أهمية من الانتخابات الرئاسية و انتخابات مجلس الشعب التي تخصص لهما المنظمات المانحة تمويلاً أكبر.


و يؤكد احمد فوزي ، منسق مرصد حالة الديمقراطية ، ان أسباب التراجع ترجع اساسا الي التباس وتراجع المناخ السياسي سواء فيما يتعلق باللجنة العليا المشرفة علي الانتخابات التي لم يتضح بعد تفاصيل دورها، إلي جانب إحالة برلمانيين للمحاكمات وعقد محاكمات عسكرية لمدنيين، وإغلاق عدد من الصحف والمنظمات الحقوقية والسماح بتجاوزات في الانتخابات العمالية والطلابية . و يوضح ان ازمة التمويل التي تواجه العديد من المنظمات الاهلية إلي افتقار المجتمع لفكرة العمل التطوعي ولعدم توافر مصادر تمويل مؤسسية أو حتي فردية بصورة منهجية داخل مصر فليس هناك من المواطنين من لديهم ثقافة المساهمة في تمويل للجمعيات الاهلية كما يتم التبرع لصالح الجامع أو الكنيسة .


كانت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني و حقوق الإنسان قد أشارت في بيان اصدرته مؤخراً الي السمات السلبية التي تسود المناخ السياسي وهو ما يتبدي خلال انتخابات التجديد النصفي في عشرات الانتهاكات التي لحقت بها وخلص التقرير الي نتيجة مفادها ان اجهزة الدولة لا تحبذ وجود أي اتجاه معارض لها سواء في مجلس الشعب أو الشوري أو المحليات ، خاصة بعد تعديل المادة 88 من الدستور التي كانت تسمح بوجود إشراف قضائي كامل علي العملية الانتخابية.


و طالبت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان اللجنة العليا للانتخابات التي شكلت مؤخراً بأن تمارس دورا أكثر فاعلية في إدارة العملية الانتخابية بشكل أكثر شفافية ونزاهة ، بما يضمن حق كل المرشحين في الدعاية لأنفسهم دون التعرض لانتهاكات أمنية .


وأكد معدو البيان أن النظام يفضل - علي ما يبدو - أن ينافس القائمة الرسمية الوطني مع مجموعة اخري من أعضائه ـ غير الملتزمين حزبيا ـ الذين رشحوا أنفسهم في تلك الانتخابات كمستقلين ، واثقين من أن الحزب سوف يلهث وراءهم فيما بعد اذا ما حالفهم النجاح ويعتبرهم ممثليه .


وأما النائبة ابتسام حسيب ، عضو اللجنة العليا بالحزب الوطني لشئون العضوية ، فقد توقعت عدم ممانعة الحزب لعودة من يفوز من هؤلاء المنشقين الي صفوفه مرة أخري ، و ان كانت طالبت أن يقابل ذلك التزام حزبي من قبل هؤلاء الفائزين وبذلك يكون الشعب - كما قالت - هو الحكم في تلك الانتخابات .


علي الجانب الآخر فقد استمر الخلاف في الأحزاب حول ما اذا كان يتوجب مقاطعة الانتخابات ومدي صحة قبول تعيين بعض أعضائها في الشوري برغم المقاطعة . في هذا السياق ، يقول الدكتور وحيد عبد المجيد ، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، انه لايوجد اتفاق بين الأحزاب حول هذه النقطة ، فالتجمع سيشارك كضيف شرف ، أما الوفد والناصري فسيقاطعان الانتخابات ، وأعلنا أسباباً واضحة لهذا القرار ، ويضيف عبدالمجيد ان هذه ليست المرة الأولي التي لا يشارك فيها بعض الاحزاب في انتخابات الشوري ، فليس ثمة اهتمام بانتخابات الشوري حتي بعدما أضيفت صلاحيات تشريعية له وذلك بسبب الأجواء القاتمة التي ترتبت علي التعديلات الدستورية التي جعلت المشاركة في الانتخابات ساحة حرب بين النظام و الإخوان المسلمين ، وهو يري أنه لا يوجد احترام للانتخابات لا من الحزب الوطني ولا من الإخوان المسلمين في الوقت الذي يؤدي وجودهما في أي عملية سياسية الي افسادها وبهذا المعني ينتفي أي شعور بالمسئولية لدي اصحاب مثل هذا النهج ، و كل طرف منهما يريد ان يستحوذ علي كل شيء وهذا الوضع سيؤدي إلي كارثة .


و اتفقت - فريدة النقاش، رئيس تحرير جريدة الاهالي مع الرأي القائل بأن تعيين بعض أعضاء الأحزاب في مجلس الشوري لا يؤثر علي نية هذه الأحزاب في خوض الانتخابات، و دللت علي ذلك بحزب التجمع، الذي يشارك - برغم افتقاره للموارد المالية - بثلاثة مرشحين مع ان رئيسه عضو معين في مجلس الشوري ، و تري النقاش أن المشكلة الحقيقية في انتخابات الشوري هي أن الدوائر الكبيرة تحتاج إلي إنفاق واسع لا يمكن توفيره الا عن طريق حزب غني أو مرشح قادر مالياً ، وهذا الوضع يؤدي إلي عدم اهتمام الأحزاب بانتخابات الشوري، بالاضافة الي أنه ليس مجلساً تشريعياً بل استشارياً حتي بعد إضافة بعض اختصاصات تشريعية له ولذا اعتادت المعارضة التقدمية واليسارية أن تنتقد مجلس الشوري وتري انه لا ضرورة له اصلا باعتبار أنه مكان يتم التحدث به فقط مثل التليفزيون .


و علي الجانب الإخواني، لا يزال مرشحو الجماعة يعانون من آثار تعديل المادة الخامسة و تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية التي حظرت أي نشاط سياسي علي أساس ديني بما في ذلك طبعاً استخدام شعارات دينية مثل الشعار الإخواني الأشهر «الاسلام هو الحل» . وقد وصف النائب صبحي موسي ، عضو مجلس الشعب عن كتلة الإخوان المسلمين ، الحزب الوطني وحكومته بأنهما ضحية حالة إفلاس سياسي حاد، وغير قادرين علي المواجهة ومن ثم لجآ إلي ثقافة «الأمن المركزي» باعتبارها حاسمة.


و عن شعار الإخوان قال صبحي ، إن الجماعة قامت بتقسيم مرشحيها الي عدة مجموعات ، إحداها تصر علي رفع شعار «الإسلام هو الحل» بينما الأخري ترفع شعارات مغايرة وذلك للهروب من المواجهات الأمنية لحين الفصل في الدعوي المقامة في مجلس الدولة لإثبات ان شعار «الإسلام هو الحل» لا يتعارض مع الدستور مؤكدا ان المحافظة علي الشعار جزء من المعركة الانتخابية.


و علي الجانب الآخر ، لفتت فريدة النقاش الانتباه الي قضية دستورية خطيرة جدا تري انها لابد وأن تعرض علي المحكمة الدستورية العليا و تتعلق بوجود تناقضات دستورية بين المادة الثانية التي تنص علي ان الإسلام دين الدولة والمادة الخامسة التي تحظر العمل السياسي علي أساس ديني باعتبار ان الذين يستخدمون المساجد في الدعاية الانتخابية يلعبون علي هذه التناقضات .


وفي حين أكد الدكتور وحيد عبد المجيد ضرورة - و سهولة - فرض حظر علي استخدام دور العبادة في الدعاية الانتخابية .


بينما أوضحت الدكتورة عزة كريم ، أستاذ علم الاجتماع ، أن قيم وفكر الشعب المصري ترتبط ارتباطا كبيراً بالاتجاه الديني وآراء رجال الدين ، خاصة في المناطق الشعبية والريفية ، وأشارت الي استخدام دور العبادة منذ فترات طويلة من اجل إقناع الجماهير بأفكار معينة حتي ان فكرة تنظيم الأسرة كان يتم الترويج لها من خلال دور العبادة ، لذلك يلجأ المرشحون اليوم - كما تقول د. كريم - لاستخدام هذه الدور في دعايتهم الانتخابية ، و هو أمر يجب في رأيها منعه لأنه لايمكن قبول فكرة استخدام الدين لمصالح شخصية