حافظ هريدي:
هل نحن إزاء حالة ردة أم تلاعب بالأديان أم ممارسة مشروعة لحرية عقيدة ؟! هكذا تأرجحت تعليقات النخبة المصرية حول الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة برفضها طلب 45 من المسيحيين المصريين ، كانوا قد اعتنقوا الإسلام ثم رغبوا في العودة إلي المسيحية ، إلزام وزارة الداخلية بأن تغير ديانتهم في شهادات الميلاد و بطاقات الرقم القومي من الإسلام إلي المسيحية مرة أخري . القضية كان لابد لها أن تثير الكثير من الجدل ليس فقط لأنها تتعلق بالحدود التي تضعها الممارسات الحكومية و المجتمعية علي حرية العقيدة كواحدة من أهم الحريات التي ينص عليها الدستور المصري وجميع المواثيق الدولية التي وقعت و صدقت عليها مصر و أصبحت بالتالي تعتبر جزءاً من تشريعاتها الداخلي ، بل لأنها تعود لتثير من جديد قضية طبيعة الدولة المصرية هل هي دولة مدنية يتساوي فيها جميع المواطنين أمام القانون أم دولة دينية ترتب حقوقا و مزايا يختص بها أصحاب العقيدة التي تدين بها الدولة دون غيرهم ، كما أنها تثير أيضاً تساؤلات مشروعة حول المدي الذي يمكن أن يصل إليه الاختلاف - إن لم نقل التناقض - بين الأحكام القضائية التي تصدر عن نفس المحكمة في قضايا متماثلة
كانت محكمة القضاء الإداري ذاتها قد أصدرت في 2006/6/30 أحكاما في أكثر من 30 قضية بأحقية أصحاب الدعاوي بالرجوع إلي ديانتهم الأصلية و تم بالفعل تنفيذ هذه الأحكام و استخراج بطاقات الرقم القومي بالأسماء و الديانة المسيحية ، أما الفارق بين الحالتين فهو أن المستشار فاروق عبد القادر كان هو رئيس الدائرة الأولي ثم تغيرت الدائرة ابتداءً من 2006/7/1 أما الحكم الثاني فقد صدر من دائرة يرأسها المستشار محمد الحسيني )
و كانت دائرة المستشار الحسيني هي التي تبنت في حيثياتها نظرية أن ما قام به المدعون هو شكل من أشكال التلاعب بالأديان و أن هناك فارقا كبيراً بين حرية الاعتقاد _ وهي مكفولة دستورياً _ و بين التلاعب بالديانتين الإسلامية و المسيحية من خلال التنقل بينهما.
و يشرح ثروت الخرباوي ،المحامي بالمحكمة الدستورية و العضو المؤسس لحزب الوسط المنطق ، الذين تأسس عليه الحكم الأخير فيقول إنه من المفترض أن مهمة المحاكم - و علي رأسها محكمة القضاء الإداري -هي المحافظة علي المشروعية القانونية و منع تلاعب الناس بالقانون ، وحالة هؤلاء الذين دخلوا الإسلام ثم عادوا إلي ديانتهم الأولي بعد حين - سواء طال هذا الحين أو قصر - هي أنهم متلاعبون بالقانون، لذلك ينبغي منع أمثالهم من هذه اللعبة الخطرة التي قد تثير الضغائن في النفوس ، فهؤلاء لم يدخلوا الإسلام عن عقيدة أو قناعة و لكن لكي يحققوا أهدافاً غير مشروعة فمنهم من أراد أن يطلق زوجته أو أن يغير اسمه و عقيدته ليهرب من تنفيذ أحكام قضائية صادرة بحبسه ، و منهم من أراد أن يرفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر بسبب ارتكابهم جرائم اقتصادية ... الخ . و هكذا فانه إذا ما تركت المحكمة لهؤلاء الحق في العودة مرة أخري إلي دينهم الأصلي فإنها بذلك تكون قد ساعدتهم علي التهرب من تنفيذ أحكام القانون.
و لكن ألا يمثل ذلك شكلا من أشكال التفتيش في ضمائر الناس ؟! فكيف يمكن أن نجزم أن تردد فرد ما بين ديانتين إنما هو ناتج عن رغبته في تحقيق مصالح و ليس نتاج حيرة وجودية حقيقية لشخص يبحث عن الطريق الذي يطمئن إليه لعبادة الخالق ؟! الخرباوي يري أن هذا الأمر يمكن أن يترك لتقدير المحكمة علي أن تتعامل مع كل حالة علي حدة .
و يلفت الخرباوي الانتباه إلي أن هذا الوضع يتماثل مع وضع التلاعب بتغيير الجنسية ، وأن لمحكمة القضاء الإداري أحكاما في هذا الصدد لم يهتم أحد بالحديث عنها أو مناقشتها في الصحافة و الإعلام رغم إنها تماثل ما حدث بالنسبة لهؤلاء المسيحيين الذين دخلوا الإسلام ثم رغبوا في العودة مرة أخري إلي مسيحيتهم ، فسبق أن كان هناك 3 أفراد تجنسوا بجنسية أخري غير مصرية وأصبحت لهم جنسياتهم الأوروبية و ترتب علي ذلك أن طلبوا إسقاط جنسياتهم المصرية ، و تم بالفعل إسقاط الجنسية عنهم إلا أنهم عادوا و طالبوا بعودتهم للجنسية المصرية مرة أخري و قدموا ما يفيد أنهم تخلوا عن جنسياتهم الأوروبية ، و لكن محكمة القضاء الإداري قالت أن هذا السلوك يمثل تلاعبا بالقانون لا ينبغي مساعدة الأفراد عليه لأن التنقل بين الجنسيات من شانه أن يرتب آثارا في منتهي الأهمية و الخطورة .
و لكن أليس الاختلاف بين الوضعين واضحا و بينا ، ففي حالة من طلبوا إسقاط الجنسية فإنهم يكونون بذلك قد تخلوا بأنفسهم عن صفة المواطنة و بالتالي فإنه من المفهوم أن يصبح البت في عودتهم للتمتع بهذه المواطنة أمرا متروكا للسلطات العامة و لكن من المفترض أن تغيير الإنسان دينه لا يفقده حقوق المواطنة والتي تعتبر حرية العقيدة من أهم أساسياتها ؟ الخرباوي لا يوافق تماما علي هذا الرأي فهو يري أن كينونة الشخص إنما يتم تحديدها من خلال أمرين هما جنسيته و دينه !
و يطرح الخرباوي رؤيته الشخصية للخروج من المأزق الحالي فيقترح وضع تشريع واضح يضع عقوبة جنائية للمتلاعبين علي أن يسمح في جميع الأحوال بكتابة العقيدة التي يعلنها الشخص في أوراقه الرسمية ، فهذا الأمر هو من مصلحة المجتمع ككل لتجنب المشاكل التي قد تطرأ بسبب إجبار أي إنسان علي تدوين عقيدة غير التي يؤمن بها بالفعل في مستنداته الرسمية ، وخاصة في المسائل المتعلقة بالزواج والميراث و الأحوال الشخصية !
أما محمد العمدة ، عضو مجلس الشعب عن الدائرة الثانية بأسوان ( مستقل ) و الذي نادي منذ فترة بإنشاء رابطة لمكافحة العلمانية ، فقد أعلن أسفه الشديد علي أن المحكمة لم تتطرق لمسألة الردة و اكتفت بتكييف الأمور علي أنها مجرد تلاعب بالأديان ، وهو أمر يدل علي مدي تحرج الكثير من الجهات للإشارة إلي القواعد الشرعية قطعية الدلالة و الثبوت ، فالشرع واضح في هذه النقطة فالردة عن الإسلام غير جائزة و المرتد له عقوبته المعروفة ، و يؤكد محمد العمدة أن المجتمع كله قد أصبح خاضعاً لتأثيرات الديمقراطية و الحرية الغربيتين ( !! ) ، ويري ضرورة أن يكون التزامنا بهذين المبدأين في حدود خصوصيتنا و معتقداتنا ، فحرية العقيدة لدينا مقيدة بالأحكام الشرعية ، أما إخضاع أحكام الشريعة للمناقشة و محاولة تطويعها لتتوافق مع المفاهيم الغربية فان ذلك يعتبر خطأ جسيما من وجهة نظره.
و يري العمدة أن الالتزام بأحكام الردة لا يجب أن يغضب الأقباط ، و لا يجب أن يطالبوا بتطبيقها في الاتجاه المضاد لأنه ليس لديهم حكم لمن يرتد عن مسيحيته ، فهم أيضاً لا يقبلون تبديل الأحكام الخاصة بدينهم ، والدليل علي ذلك تصميمهم علي أنه لا طلاق إلا لعلة الزني و ذلك بالرغم من الأضرار الاجتماعية البينة الناتجة عن هذا الإصرار .
و يرفض المستشار نجيب جبرائيل ، رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان تصنيف حالة المدعين الـ 45 بأنها قضايا نصب و احتيال و ليست قضايا حرية عقيدة ، فوفقاً له ، فإنه لا يوجد نص في القانون يقول أن من يعود إلي عقيدته أو يعتنق دينا ما يعتبر نصابا أو محتالا ، ثم ماذا سيكون عليه الوضع لو إن مسلماً غير عقيدته إلي المسيحية ثم أراد أن يعود إلي الإسلام مرة أخري فهل ساعتها ستمتنع المحكمة عن الحكم له باعطائه بطاقة الرقم القومي مدونا فيه اسمه و ديانته الإسلاميين !؟ لذا يري جبرائيل ضرورة الاحتكام إلي نص القانون ، فإذا ما رأي المشرع ضرورة وقاية المجتمع من التلاعب بالأديان فليقم بتعديل تشريعي يعاقب بواسطته بالحبس من يتلاعب بالأديان و لكن دون أن يمنعه من حرية اختيار عقيدته .
و يري نجيب جبرائيل أن الحكم الأخير سيكون له تبعاته الخطيرة ، فهو قد اعتبر المدعين مرتدين عن الإسلام و بذلك يكون كما لو كان قد قنن حد الردة و هو الحد الذي يؤكد جبرائيل أن علماء المسلمين أنفسهم ما زالوا مختلفين عليه ، و هذا التقنين بالطبع سيؤدي إلي اقتراب الدولة المصرية أكثر فأكثر من صيغة الدولة الدينية ، كما أنه سيؤدي إلي تأكيد توجس الأقباط من بقاء المادة الثانية من الدستور بل يزرع في نفوسهم الشك في مصداقية التعديلات الدستورية، خاصة تلك المتعلقة بالمواطنة و التي يتغني الحزب الحاكم بها ليل نهار ، و في النهاية سيؤدي هذا الحكم إلي تحقق ما يقوله البعض عن أقباط المهجر والمنظمات الدولية و تلقفهم لهذا الموقف لإثبات أن مصر تنتهك حرية العقيدة .
كما يؤكد جبرائيل أن هذا الحكم سيكون له آثاره الاجتماعية و الإنسانية الخطيرة مثل ضياع مستقبل الطلاب الذين منعوا من تسلم بطاقات أرقام الجلوس لأنه ليس لديهم بطاقة شخصية ، و فسخ عقود زواج عدد من الفتيات في مقتبل سن الزواج لعدم استطاعتهم استخراج بطاقة ، كما أن هناك بعض الحالات التي تعاني بالفعل من مرض الموت و لا يعلم أحد ما إذا كانوا سيدفنون في مقابر المسلمين أم مقابر المسيحيين و هل سيصلي عليهم في المسجد أم في الكنيسة ؟! و يضيف جبرائيل أنه يربأ بالإسلام أن يقبل من يجبر علي الدخول فيه ، وهو ما حدث علي سبيل المثال مع الشاب المسيحي الذي ذهب لاستخراج بطاقة الرقم القومي فاكتشف أن الدولة تعتبره مسلما بالتبعية لوالده الذي أشهر إسلامه سراً منذ سنوات طويلة و دون أن يعلن أهله أو أولاده بذلك !!
و بالرغم من تأكيد النائب محمد العمدة أن القاضي قد نفذ هنا الحكم الشرعي الذي يجعل الطفل علي دين أبيه ، إلا أنه عاد و قال إنه من الممكن معالجة هذه الحالة الاستثنائية من خلال طعن هذا الصبي أمام المحكمة الإدارية العليا و استفتاء كبار رجال الدين ( و هكذا فوفقاً لهذه الرؤية سيصبح موقف هذا الابن الذي لم يؤمن قط بالإسلام متوقفاً علي رأي أو فـــتوي كبار رجال الدين الإسلامي !! )
و عن الاختلاف - الذي يصل إلي حد التناقض _ بين أحكام الدوائر المختلفة للمحكمة الإدارية فان جبرائيل يرجعه إلي التزام بعض القضاة بنص القانون بينما ينتهج البعض الآخر الشريعة الإسلامية في أحكامه و ذلك بالرغم من أنه من المفترض أن الأحكام الدستورية _ بما في ذلك المادة الثانية _ إنما تخاطب المشرع و ليس القاضي الذي يجب أن يقتصر عمله علي تطبيق القانون ، بل إن المادة الثانية من الدستور ذاتها لا تستوجب مثل هذا الحكم فالشريعة الإسلامية تقول إنه لا إكراه في الدين ، والمحكمة الدستورية في حكم مهم قالت إن المقصود بمبادئ الشريعة الإسلامية هو الأحكام قطعية الدلالة و الثبوت ، بينما حديث الردة مختلف عليه (علي حد قول جبرائيل) .
أما ثروت الخرباوي فيري أن الاختلاف بين أحكام القضاء الإداري أمر طبيعي ، فبالرغم من أن القواعد القانونية واحدة إلا أن فهم رجال القانون و الشراح و القضاة لها يختلف وفقاً للثقافة و الفهم و مصلحة المجتمع الآنية ، فحتي القاعدة الواحدة يمكن أن يختلف عليها من زمن لآخر و من جيل لآخر ، بل إن محكمة النقض تعدل في بعض الأحيان عن مبادئ قانونية كانت تعتبرها مبادئ مستقرة في مراحل سابقة ، لذلك فهناك دوائر في محكمة النقض أو المحكمة الإدارية العليا تختص بتوحيد المبادئ القانونية .
و لكن هل يمكن إن يصل الخلاف إلي درجة التناقض التام في الأحكام بين دائرة و أخري في نفس المحكمة ؟ ! الخرباوي يرجع ذلك إلي أن أغلب تشريعاتنا _ بما في ذلك الدستور ذاته - لم يقف وراءها عقلية دستورية واحدة بل هي في أغلبها _ الدستور كما القوانين _ تشريعات مرقعة صاغتها عقليات متعددة ، و في هذا الصدد يلفت الخرباوي انتباهنا إلي أن القانون المدني _ و برغم ما به من سلبيات متعددة - يعتبر أكثر التشريعات المصرية انضباطاً و ذلك لأن هناك عقلية قانونية واحدة ( الدكتور السنهوري رحمه الله ) هي التي قامت بصياغته الفكرية و الفلسفية و التشريعية ، كما أن هذا القانون قد خضع بعد ذلك لمزيد من الضبط من خلال المناقشات المطولة التي خضع لها في مجلس النواب حتي صدر عام 1974.
هل نحن إزاء حالة ردة أم تلاعب بالأديان أم ممارسة مشروعة لحرية عقيدة ؟! هكذا تأرجحت تعليقات النخبة المصرية حول الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة برفضها طلب 45 من المسيحيين المصريين ، كانوا قد اعتنقوا الإسلام ثم رغبوا في العودة إلي المسيحية ، إلزام وزارة الداخلية بأن تغير ديانتهم في شهادات الميلاد و بطاقات الرقم القومي من الإسلام إلي المسيحية مرة أخري . القضية كان لابد لها أن تثير الكثير من الجدل ليس فقط لأنها تتعلق بالحدود التي تضعها الممارسات الحكومية و المجتمعية علي حرية العقيدة كواحدة من أهم الحريات التي ينص عليها الدستور المصري وجميع المواثيق الدولية التي وقعت و صدقت عليها مصر و أصبحت بالتالي تعتبر جزءاً من تشريعاتها الداخلي ، بل لأنها تعود لتثير من جديد قضية طبيعة الدولة المصرية هل هي دولة مدنية يتساوي فيها جميع المواطنين أمام القانون أم دولة دينية ترتب حقوقا و مزايا يختص بها أصحاب العقيدة التي تدين بها الدولة دون غيرهم ، كما أنها تثير أيضاً تساؤلات مشروعة حول المدي الذي يمكن أن يصل إليه الاختلاف - إن لم نقل التناقض - بين الأحكام القضائية التي تصدر عن نفس المحكمة في قضايا متماثلة
كانت محكمة القضاء الإداري ذاتها قد أصدرت في 2006/6/30 أحكاما في أكثر من 30 قضية بأحقية أصحاب الدعاوي بالرجوع إلي ديانتهم الأصلية و تم بالفعل تنفيذ هذه الأحكام و استخراج بطاقات الرقم القومي بالأسماء و الديانة المسيحية ، أما الفارق بين الحالتين فهو أن المستشار فاروق عبد القادر كان هو رئيس الدائرة الأولي ثم تغيرت الدائرة ابتداءً من 2006/7/1 أما الحكم الثاني فقد صدر من دائرة يرأسها المستشار محمد الحسيني )
و كانت دائرة المستشار الحسيني هي التي تبنت في حيثياتها نظرية أن ما قام به المدعون هو شكل من أشكال التلاعب بالأديان و أن هناك فارقا كبيراً بين حرية الاعتقاد _ وهي مكفولة دستورياً _ و بين التلاعب بالديانتين الإسلامية و المسيحية من خلال التنقل بينهما.
و يشرح ثروت الخرباوي ،المحامي بالمحكمة الدستورية و العضو المؤسس لحزب الوسط المنطق ، الذين تأسس عليه الحكم الأخير فيقول إنه من المفترض أن مهمة المحاكم - و علي رأسها محكمة القضاء الإداري -هي المحافظة علي المشروعية القانونية و منع تلاعب الناس بالقانون ، وحالة هؤلاء الذين دخلوا الإسلام ثم عادوا إلي ديانتهم الأولي بعد حين - سواء طال هذا الحين أو قصر - هي أنهم متلاعبون بالقانون، لذلك ينبغي منع أمثالهم من هذه اللعبة الخطرة التي قد تثير الضغائن في النفوس ، فهؤلاء لم يدخلوا الإسلام عن عقيدة أو قناعة و لكن لكي يحققوا أهدافاً غير مشروعة فمنهم من أراد أن يطلق زوجته أو أن يغير اسمه و عقيدته ليهرب من تنفيذ أحكام قضائية صادرة بحبسه ، و منهم من أراد أن يرفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر بسبب ارتكابهم جرائم اقتصادية ... الخ . و هكذا فانه إذا ما تركت المحكمة لهؤلاء الحق في العودة مرة أخري إلي دينهم الأصلي فإنها بذلك تكون قد ساعدتهم علي التهرب من تنفيذ أحكام القانون.
و لكن ألا يمثل ذلك شكلا من أشكال التفتيش في ضمائر الناس ؟! فكيف يمكن أن نجزم أن تردد فرد ما بين ديانتين إنما هو ناتج عن رغبته في تحقيق مصالح و ليس نتاج حيرة وجودية حقيقية لشخص يبحث عن الطريق الذي يطمئن إليه لعبادة الخالق ؟! الخرباوي يري أن هذا الأمر يمكن أن يترك لتقدير المحكمة علي أن تتعامل مع كل حالة علي حدة .
و يلفت الخرباوي الانتباه إلي أن هذا الوضع يتماثل مع وضع التلاعب بتغيير الجنسية ، وأن لمحكمة القضاء الإداري أحكاما في هذا الصدد لم يهتم أحد بالحديث عنها أو مناقشتها في الصحافة و الإعلام رغم إنها تماثل ما حدث بالنسبة لهؤلاء المسيحيين الذين دخلوا الإسلام ثم رغبوا في العودة مرة أخري إلي مسيحيتهم ، فسبق أن كان هناك 3 أفراد تجنسوا بجنسية أخري غير مصرية وأصبحت لهم جنسياتهم الأوروبية و ترتب علي ذلك أن طلبوا إسقاط جنسياتهم المصرية ، و تم بالفعل إسقاط الجنسية عنهم إلا أنهم عادوا و طالبوا بعودتهم للجنسية المصرية مرة أخري و قدموا ما يفيد أنهم تخلوا عن جنسياتهم الأوروبية ، و لكن محكمة القضاء الإداري قالت أن هذا السلوك يمثل تلاعبا بالقانون لا ينبغي مساعدة الأفراد عليه لأن التنقل بين الجنسيات من شانه أن يرتب آثارا في منتهي الأهمية و الخطورة .
و لكن أليس الاختلاف بين الوضعين واضحا و بينا ، ففي حالة من طلبوا إسقاط الجنسية فإنهم يكونون بذلك قد تخلوا بأنفسهم عن صفة المواطنة و بالتالي فإنه من المفهوم أن يصبح البت في عودتهم للتمتع بهذه المواطنة أمرا متروكا للسلطات العامة و لكن من المفترض أن تغيير الإنسان دينه لا يفقده حقوق المواطنة والتي تعتبر حرية العقيدة من أهم أساسياتها ؟ الخرباوي لا يوافق تماما علي هذا الرأي فهو يري أن كينونة الشخص إنما يتم تحديدها من خلال أمرين هما جنسيته و دينه !
و يطرح الخرباوي رؤيته الشخصية للخروج من المأزق الحالي فيقترح وضع تشريع واضح يضع عقوبة جنائية للمتلاعبين علي أن يسمح في جميع الأحوال بكتابة العقيدة التي يعلنها الشخص في أوراقه الرسمية ، فهذا الأمر هو من مصلحة المجتمع ككل لتجنب المشاكل التي قد تطرأ بسبب إجبار أي إنسان علي تدوين عقيدة غير التي يؤمن بها بالفعل في مستنداته الرسمية ، وخاصة في المسائل المتعلقة بالزواج والميراث و الأحوال الشخصية !
أما محمد العمدة ، عضو مجلس الشعب عن الدائرة الثانية بأسوان ( مستقل ) و الذي نادي منذ فترة بإنشاء رابطة لمكافحة العلمانية ، فقد أعلن أسفه الشديد علي أن المحكمة لم تتطرق لمسألة الردة و اكتفت بتكييف الأمور علي أنها مجرد تلاعب بالأديان ، وهو أمر يدل علي مدي تحرج الكثير من الجهات للإشارة إلي القواعد الشرعية قطعية الدلالة و الثبوت ، فالشرع واضح في هذه النقطة فالردة عن الإسلام غير جائزة و المرتد له عقوبته المعروفة ، و يؤكد محمد العمدة أن المجتمع كله قد أصبح خاضعاً لتأثيرات الديمقراطية و الحرية الغربيتين ( !! ) ، ويري ضرورة أن يكون التزامنا بهذين المبدأين في حدود خصوصيتنا و معتقداتنا ، فحرية العقيدة لدينا مقيدة بالأحكام الشرعية ، أما إخضاع أحكام الشريعة للمناقشة و محاولة تطويعها لتتوافق مع المفاهيم الغربية فان ذلك يعتبر خطأ جسيما من وجهة نظره.
و يري العمدة أن الالتزام بأحكام الردة لا يجب أن يغضب الأقباط ، و لا يجب أن يطالبوا بتطبيقها في الاتجاه المضاد لأنه ليس لديهم حكم لمن يرتد عن مسيحيته ، فهم أيضاً لا يقبلون تبديل الأحكام الخاصة بدينهم ، والدليل علي ذلك تصميمهم علي أنه لا طلاق إلا لعلة الزني و ذلك بالرغم من الأضرار الاجتماعية البينة الناتجة عن هذا الإصرار .
و يرفض المستشار نجيب جبرائيل ، رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان تصنيف حالة المدعين الـ 45 بأنها قضايا نصب و احتيال و ليست قضايا حرية عقيدة ، فوفقاً له ، فإنه لا يوجد نص في القانون يقول أن من يعود إلي عقيدته أو يعتنق دينا ما يعتبر نصابا أو محتالا ، ثم ماذا سيكون عليه الوضع لو إن مسلماً غير عقيدته إلي المسيحية ثم أراد أن يعود إلي الإسلام مرة أخري فهل ساعتها ستمتنع المحكمة عن الحكم له باعطائه بطاقة الرقم القومي مدونا فيه اسمه و ديانته الإسلاميين !؟ لذا يري جبرائيل ضرورة الاحتكام إلي نص القانون ، فإذا ما رأي المشرع ضرورة وقاية المجتمع من التلاعب بالأديان فليقم بتعديل تشريعي يعاقب بواسطته بالحبس من يتلاعب بالأديان و لكن دون أن يمنعه من حرية اختيار عقيدته .
و يري نجيب جبرائيل أن الحكم الأخير سيكون له تبعاته الخطيرة ، فهو قد اعتبر المدعين مرتدين عن الإسلام و بذلك يكون كما لو كان قد قنن حد الردة و هو الحد الذي يؤكد جبرائيل أن علماء المسلمين أنفسهم ما زالوا مختلفين عليه ، و هذا التقنين بالطبع سيؤدي إلي اقتراب الدولة المصرية أكثر فأكثر من صيغة الدولة الدينية ، كما أنه سيؤدي إلي تأكيد توجس الأقباط من بقاء المادة الثانية من الدستور بل يزرع في نفوسهم الشك في مصداقية التعديلات الدستورية، خاصة تلك المتعلقة بالمواطنة و التي يتغني الحزب الحاكم بها ليل نهار ، و في النهاية سيؤدي هذا الحكم إلي تحقق ما يقوله البعض عن أقباط المهجر والمنظمات الدولية و تلقفهم لهذا الموقف لإثبات أن مصر تنتهك حرية العقيدة .
كما يؤكد جبرائيل أن هذا الحكم سيكون له آثاره الاجتماعية و الإنسانية الخطيرة مثل ضياع مستقبل الطلاب الذين منعوا من تسلم بطاقات أرقام الجلوس لأنه ليس لديهم بطاقة شخصية ، و فسخ عقود زواج عدد من الفتيات في مقتبل سن الزواج لعدم استطاعتهم استخراج بطاقة ، كما أن هناك بعض الحالات التي تعاني بالفعل من مرض الموت و لا يعلم أحد ما إذا كانوا سيدفنون في مقابر المسلمين أم مقابر المسيحيين و هل سيصلي عليهم في المسجد أم في الكنيسة ؟! و يضيف جبرائيل أنه يربأ بالإسلام أن يقبل من يجبر علي الدخول فيه ، وهو ما حدث علي سبيل المثال مع الشاب المسيحي الذي ذهب لاستخراج بطاقة الرقم القومي فاكتشف أن الدولة تعتبره مسلما بالتبعية لوالده الذي أشهر إسلامه سراً منذ سنوات طويلة و دون أن يعلن أهله أو أولاده بذلك !!
و بالرغم من تأكيد النائب محمد العمدة أن القاضي قد نفذ هنا الحكم الشرعي الذي يجعل الطفل علي دين أبيه ، إلا أنه عاد و قال إنه من الممكن معالجة هذه الحالة الاستثنائية من خلال طعن هذا الصبي أمام المحكمة الإدارية العليا و استفتاء كبار رجال الدين ( و هكذا فوفقاً لهذه الرؤية سيصبح موقف هذا الابن الذي لم يؤمن قط بالإسلام متوقفاً علي رأي أو فـــتوي كبار رجال الدين الإسلامي !! )
و عن الاختلاف - الذي يصل إلي حد التناقض _ بين أحكام الدوائر المختلفة للمحكمة الإدارية فان جبرائيل يرجعه إلي التزام بعض القضاة بنص القانون بينما ينتهج البعض الآخر الشريعة الإسلامية في أحكامه و ذلك بالرغم من أنه من المفترض أن الأحكام الدستورية _ بما في ذلك المادة الثانية _ إنما تخاطب المشرع و ليس القاضي الذي يجب أن يقتصر عمله علي تطبيق القانون ، بل إن المادة الثانية من الدستور ذاتها لا تستوجب مثل هذا الحكم فالشريعة الإسلامية تقول إنه لا إكراه في الدين ، والمحكمة الدستورية في حكم مهم قالت إن المقصود بمبادئ الشريعة الإسلامية هو الأحكام قطعية الدلالة و الثبوت ، بينما حديث الردة مختلف عليه (علي حد قول جبرائيل) .
أما ثروت الخرباوي فيري أن الاختلاف بين أحكام القضاء الإداري أمر طبيعي ، فبالرغم من أن القواعد القانونية واحدة إلا أن فهم رجال القانون و الشراح و القضاة لها يختلف وفقاً للثقافة و الفهم و مصلحة المجتمع الآنية ، فحتي القاعدة الواحدة يمكن أن يختلف عليها من زمن لآخر و من جيل لآخر ، بل إن محكمة النقض تعدل في بعض الأحيان عن مبادئ قانونية كانت تعتبرها مبادئ مستقرة في مراحل سابقة ، لذلك فهناك دوائر في محكمة النقض أو المحكمة الإدارية العليا تختص بتوحيد المبادئ القانونية .
و لكن هل يمكن إن يصل الخلاف إلي درجة التناقض التام في الأحكام بين دائرة و أخري في نفس المحكمة ؟ ! الخرباوي يرجع ذلك إلي أن أغلب تشريعاتنا _ بما في ذلك الدستور ذاته - لم يقف وراءها عقلية دستورية واحدة بل هي في أغلبها _ الدستور كما القوانين _ تشريعات مرقعة صاغتها عقليات متعددة ، و في هذا الصدد يلفت الخرباوي انتباهنا إلي أن القانون المدني _ و برغم ما به من سلبيات متعددة - يعتبر أكثر التشريعات المصرية انضباطاً و ذلك لأن هناك عقلية قانونية واحدة ( الدكتور السنهوري رحمه الله ) هي التي قامت بصياغته الفكرية و الفلسفية و التشريعية ، كما أن هذا القانون قد خضع بعد ذلك لمزيد من الضبط من خلال المناقشات المطولة التي خضع لها في مجلس النواب حتي صدر عام 1974.