مني كمال:
في الوقت الذي تطالب فيه جهات حكومية وأخري خاصة باللجوء إلي التمويل المتخصص في توفير متطلبات المشروعات الصغيرة من التسهيلات الائتمانية، مازال هناك عائق هيكلي يقيد سوق التمويل، ولا تؤثر فيه مثل هذه الدعاوي وهي تنافسية سعر الفائدة في اقراض تلك المشروعات التي يمكنها أن تقود القطاع إلي تطور ملحوظ يساعد في توفير المزيد من فرص العمل خاصة أن القطاع يقدم ما يقرب من %70 من إجمالي فرص العمل المتاحة إلي السوق سنوياً ويملك فرصاً حقيقية للتطور في حجم وبنية سوق العمل.
ويري عدد من خبراء التمويل أنه لا غبار علي تأسيس بنك متخصص في تمويل المشروعات الصغيرة تكون مهمته توفير التمويل المناسب سعراً وكماً، ولكن هذا لا يستبدل الحاجة إلي إصلاح هيكل أسعار الفائدة لتحقيق طفرة في القطاع يظل دونها الحديث عن تأسيس بنك متخصص للتمويل الصغير ضجيجاً بلا طحين .
وتكمن المشكلة الحقيقية فيما يتعلق بعملية التمويل التي تمثل العنصر الأساسي بعد دراسة الجدوي من تطور هذا القطاع وكون هذا الأخير يظل أكثر عرضة للصدمات التي تصيب المؤسسات الإنتاجية بصرف النظر عن حجمها جراء التشوه الذي أصاب هيكل أسعار العائد داخل السوق منذ فترة حتي إن العائد علي الأصول داخل السوق المصرفية لم يعد يسمح باعطاء مزايا في تسعير الفائدة علي القروض خاصة في ظل اضطرار البنوك مؤخراً إلي زيادة أسعار الفائدة علي الودائع لترتفع معها تكلفة الأموال وبالتالي يكون خفض تكلفة الاقراض أمراً بالغ الصعوبة.
هذا الوضع يلحق كثيرا من الضرر بالمشروعات الصغيرة تحديداً لأنها لا تتحمل مواجهة عوارض ارتفاع تكلفة الإنتاج بالاسواق علي غرار ما يحدث حاليا من امتداد للأزمة المالية الدولية إلي الأسواق الناشئة واحياناً بصورة أكثر حدة في تداعياتها ولهذا فإن المشروعات الصغيرة غالباً ما تكون أقل قدرة علي تحمل تلك الصدمات وتحتاج أكثر من غيرها علي غرار الفئات محدودة الدخل إلي دعم حقيقي يساعدها علي الصمود والتطور بمرور الوقت وهذا لا يتحقق في ا لغالب بإضافة التمويل المتخصص عبر تأسيس أحد البنوك التي تقدم تمويلها لهذا القطاع وإنما عن طريق إصلاح تلك المنظومة.
ويري الصندوق الاجتماعي أن تعاون البنوك معه في نطاق أوسع فيما يتعلق بتنشيط الخدمات التمويلية لا يرتبط فقط بتسعير عائد الاقراض ولكن بالوصول إلي الشرائح المستهدفة والعمل علي التسويق الجيد للمشروعات والتمويل من خلال البرامج التي يتيحها الصندوق إضافة إلي ما تتيحه البنوك من مواردها الذاتية.
ولا يعتبر الصندوق الاجتماعي بدوره في هذا القطاع تمويلياً فحسب ولهذا فهو لا يعارض قيام بنك متخصص في تمويل المشروعات الصغيرة فهو يعد مؤسسة متكاملة للتخطيط والتدريب والتطوير والتسويق إلي جانب التمويل وبالتالي فإن دور مثل هذا البنك سيكون أساسياً إذا استطاع أن يولد عائداً يساعد علي التوسع التمويلي تدريجياً دون الاصطدام بأسعار الاقراض التي تحتاج إلي تدخل سلطات هي التي تعدل أسعار العائد إلا إذا اعتمد علي ما يتيحه الصندوق له من مصادر تمويل ميسرة.
وفيما يتعلق بتنافسية أسعار العائد علي القروض التي تمثل نقطة تحول مهمة في تطوير القطاع تري الدكتورة فائقة الرفاعي النائب الأسبق لمحافظ البنك المركزي أن معدل أسعار الفائدة السائد يمثل عنصراً طارداً لنمو المشروعات في هذا القطاع ويضغط علي المشروعات التي لا تزال في طور البداية والتي تحتاج إلي المساندة والدعم حتي لا تكون خطط التوسع التي تطرحها الحكومة أو أي مؤسسات حالية داخلية مجرد جذر معزولة لا تتسم بالنضج وهي لا تعارض من هذا المنطلق قيام بنوك متخصصة.
ولفتت الرفاعي إلي أن تمويل تأسيس المشروعات الصغيرة ينبغي أن يأخذ في اعتباره حاجة هذه المشروعات المتكررة لتمويل رأس المال التشغيلي الذي يعد نقطة تحول في تطور المشروع وقدرته علي تجاوز صعوبات التمويل.
وانتقدت ضعف الدور الذي تقوم به شركات التأجير التمويلي في دفع مؤسسات القطاع إلي العمل والتطوير كما شهدت تجارب العديد من الدول التي حققت نجاحاً منقطع النظير في مجال تطور ونضج تلك المشروعات حيث تولت توفير التمويل اللازم لرأس المال العامل مما ساعد علي توفير احتياجات أساسية لم تتحمل تلك المشروعات تكلفتها خصماً من رؤوس أموالها وهو ما ساعد علي تحقيق طفرة في الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول.
وتوقعت نائبة المحافظ أن تولي البنوك اهتماماً خاصاً بتلك المشروعات بعد فراغها من عمليات إعادة الهيكلة في أعقاب زيادة رؤوس أموالها وإتاحة التمويل اللازم للقطاع مع الأخذ في الاعتبار أن تأسيس بنك متخصص في اقراض المشروعات الصغيرة يمكنه أن يزيد من فرص التمويل المتاحة للقطاع طالما تم إصلاح الصغيرة أوجه الخلل الهيكلي في تسعير العائد علي القروض والتسهيلات.
وأشارت إلي أن الخلل الراهن يمثل العبء الأكبر في إصلاح المنظومة الخاصة بتسعير العائد وهو في عهد البنك المركزي حالياً الذي يسعي إلي هذا الاصلاح تدريجياً ولكنها أكدت أن التجاوز علي خلق تنافسية في تسعير القروض للمشروعات الصغيرة يمكن أن يؤثر سلباً في تطور القطاع ولا يمكن بدونه تحقيق أي تقدم حتي لو قدرت السلطات تأسيس بنك متخصص لهذه المهمة.
من جانبه اعتبر أحمد قورة الخبير المصرفي ضعف التمويل للقطاع في عهده كل من الحكومة والقطاع الخاص علي السواء ولكن هذا لا يبرر من وجهة نظره استمرار تلك المشكلة التي تتعلق بضعف تنافسية سعر الفائدة المقدم لهذا القطاع في أهميته بالنسبة للحكومة في عرض فرص العمل وللقطاع الخاص في خفض التكلفة الخاصة بالإنتاج ومع ذلك لا يتلقي القطاع أي مساندة من الطرفين لاصلاح هيكل أسعار الفائدة أو لبحث صيغ التمويل المتخصص للقطاع والتي أصبحت في حاجة إلي مراجعة في ظل تطور مهفوم البنوك المتخصصة ولجوئها إلي ممارسة دور البنوك التقليدية في الفترة الأخيرة سعياً وراء الربحية.
ونبه قورة إلي أن تنافسية سعر الفائدة علي قروض المشروعات الصغيرة عنصر بالغ الأهمية في نمو القطاع وينبغي ألا يكون مجرد عنصر تتحكم به عروض القروض الميسرة التي تمنحها الجهات الدولية وحدها ولكن لابد من إيجاد آلية محلية لتثبت هذه التنافسية كاعفاء البنوك التي تخصص شريحة كبيرة من محافظتها الائتمانية للمشروعات الصغيرة.