حافظ هريدي:
احتفل حزب التجمع الاسبوع الماضي بمرور 31 عاماً علي انشائه كأول حزب معلن لليسار المصري ، وجاء الاحتفال ليفجر الجدل حول دور الحزب في وقت شهد فيه الخطاب اليساري انحساراً شديداً وسط النخبة السياسية المصرية لصالح الخطاب الديني و الخطاب الليبرالي المتمحور حول قضايا الاصلاح الدستوري والسياسي
بداية ينفي حسين عبد الرازق ، أمين عام حزب التجمع ، أن يكون الخطاب اليساري للتجمع قد تراجع أمام الخطاب الليبرالي ، إنه يؤكد أن "التجمع" كحزب يساري، وعلي قدر اهتمامه بالقضايا الاجتماعية، وضع منذ انشائه قضية الديمقراطية علي رأس اهتماماته متجاوزاً بذلك النظرة السائدة التي تري أن الديمقراطية هي قضية الليبراليين .
في هذا السياق، تبني التجمع -كما يقول عبدالرازق- الفكر القائل بأنه لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية أو التطور الاقتصادي دون تحقيق الديمقراطية ، ومن ثم يصبح الاصلاح السياسي والدستوري هو المدخل لأي اصلاح اجتماعي ، وبهذا يكون التجمع قد حقق-وفقاً لرأي أمينه العام- نقلة مهمة في اطروحات و رؤي اليسار.
أما الايجابية الثانية لمسيرة التجمع ، من وجهة نظر عبد الرازق ، فهي تقديمه لنموذج مختلف للادارة الداخلية. فمنذ بداياته الأولي ،حرص الحزب علي تطبيق الديمقراطية الداخلية وتطويرها وتعميقها، ليس فقط من خلال صياغة لائحة ديمقراطية، ولكن أيضاً _ و هذا هو الأهم - من خلال الحرص علي تطبيق هذه اللائحة بحذافيرها ، و ذلك من خلال الاصرار علي أن تكون جميع المواقع والمستويات الحزبية منتخبة عبر انتخابات تتيح المنافسة أمام قوي سياسية متعددة ، وكذلك من خلال الاصرار علي أنتظام انعقاد كافة المستويات التنظيمية للحزب ، فالامانة المركزية تجتمع مرة أسبوعياً، و المكتب السياسي مرة كل أسبوعين، والأمانة العامة مرة كل شهر و اللجنة المركزية مرة كل 6 أشهر و المؤتمر العام مرة كل 4 سنوات ، و يضرب لنا عبد الرازق مثالاً بمدي الحرص علي انعقاد أعمال تلك المستويات التنظيمية بواقعة اعتقال 12 عضواً من أعضاء الأمانة المركزية في عام 81 وبالرغم من ذلك ظلت الامانة تعقد اجتماعاتها بواسطة الأعضاء الخمسة الباقين خارج المعتقل ! و يؤكد عبد الرازق أن هذه "الديمقراطية" هي التي مكنت حزب التجمع من أن ينجو بنفسه من الانقسامات و الانشقاقات التي عرفتها كافة أحزاب المعارضة المصرية الأخري .
و لكن يبدو أن هذا التماسك الذي اظهره حزب التجمع عبر مسيرته كان له ثمن غال لم يستطع أمين عام حزب التجمع إنكاره، فاعترف أن المبالغة في الحرص علي وحدة الحزب و تماسكه جعلته _ في بعض الأحيان - يتأخر في اتخاذ بعض المواقف الصحيحة ، فوفقاً له فإن الأستاذ خالد محيي الدين الرئيس السابق للحزب كان يقول إنه لو شعر أن الحصول علي قرار بأغلبية بسيطة يمكن أن يؤدي الي شعور الأقلية الكبيرة بالقهر وانسحابها، فإنه كان يفضل - في تلك الحالة - أن يؤجل اتخاذ القرار مرة أو اثنتين لأن استمرار الحزب و وحدته أهم من اتخاذ القرار في هذه اللحظة ، و لكن عبد الرازق يعود ليؤكد أن التجمع قد اجتازحالياً هذه المرحلة لأن درجة الانصهار و التفاهم في الحزب بعد مرور 31 سنة علي انشائه قد أصبحت عالية للغاية.
سلبية أخري أعاقت مسيرة التجمع شخصها عبد الرازق وهي أن الكثير من المعارك و القضايا التي طرحها الحزب لم يستطع المواظبة علي العمل عليها بشكل مستمر.. فعلي سبيل المثال ، ركز التجمع في فترة ما علي قضية مقاومة التطبيع ثم أغفلها لينشغل بقضية محاربة قانون الطوارئ، بينما لم تكن قضية مقاومة التطبيع قد انتهت بعد ، و يري عبد الرازق أن سبب الوقوع في هذا الخطأ راجع في الأساس الي ندرة الكادر المدرب.
ويعترف عبد الرازق كذلك أن أخطر الأخطاء التي وقع فيها «التجمع» خلال مسيرته هو أنه قبل الخضوع للحصار الذي فرضه الحكم علي الأحزاب و القوي السياسية طوال فترة التسعينات، والذي تواكب مع تحديد اقامة الأحزاب في مقارها وحصر نشاطها في صحفها ومنعها بالتالي من الخروج الي الشارع ، و يقر أمين عام التجمع أن الحزب قد أخطأ خطأً فادحاً حين استسلم لهذه الخطوط الحمراء علي مدي فترة غير قصيرة وإن كان كما يري عبدالرازق «قد تجاوزها بعد 2003 ليعود مرة أخري للالتحام بجماهيره» .
غير أن اعترافات عبد الرازق لم تمنعه من أن يرفض وصف بعض قوي اليسار الأخري للتجمع بأنه قد تحول الي «حزب المعارضة المستأنسة» ، ويري أن التجربة العملية قد أثبتت عدم صحة ذلك فالتجمع أثبت وفقا لوجهة نظر عبدالرازق أنه من أعلي الأحزاب صوتاً في معارضة سياسات الحكم القائم ، و يري عبد الرازق أن الأصوات اليسارية التي تعالت بهذ الوصف _ و خاصة من قبل الاشتراكيين الثوريين _ قد خفتت كثيراً بعد تجربة العمل المشترك مع التجمع في اطار التحالف الاشتراكي .
و لكن يبدو أن تصور حسين عبد الرازق لرؤية الأوساط اليسارية لحزب التجمع يشوبها كثير من "التفاؤل" ، فها هو يحيي فكري ، الناشط بمركز الدراسات الاشتراكية ، يؤكد أن التجمع قد أصبح اليوم "حزب خالي الوفاض ومكان لا يرتاده أحد" بل أن فكري يذهب إلي حد القول بأن اليسار قد أصبح - في مجمله - خارج التجمع - اللهم الا نفر محدود ، و يري فكري أن هذه نتيجة طبيعية للدور الذي لعبه دكتور رفعت السعيد رئيس الحزب و أمينه العام السابق ، في تفريغ التجمع من الدور الذي لعبه منذ أواخر السبعينات و حتي منتصف الثمانينات كحزب جماهيري عريض يضم عشرات الآلاف من المعارضين ليتحول اليوم لكائن سياسي تابع و مكمل للشكل الديمقراطي ، و هو الأمر الذي أدي الي انفضاض جماهيره عنه بل وعن جريدته "الأهالي" التي كانت حتي منتصف الثمانينات توزع حوالي 150 ألف نسخة !!
و يري فكري أن موقف التجمع من الاخوان يعبر خير تعبير عن افتقاد الحزب للبوصلة السياسية السليمة ، فاذا كان التجمع في معاداته للاخوان يتذرع بأنه يدافع عن العقلانية و التنوير فإنه بذلك يكون قد نسي -أو تناسي- الطبيعة الاجتماعية لهذه الجماهير التي تؤيد الاخوان و الحركات الاسلامية لأنها تعاني من الفقر و الاضطهاد، وليس أمامها بديل سياسي آخر و يري فكري أن موقف "التجمع" هذا يحوله الي حزب معاد للجماهير !! فالمفترض أن يفرق الحزب ما بين الأفكار والواقع الاجتماعي وأن يحاول أن يفهم الطبيعة الاجتماعية للحركة السياسية للجماهير وأن لا يتحالف مع الدولة ضدها !! ( وهو الموقف الذي يتبناه الاشتراكيون الثوريون الذين قاموا بالفعل _ و بخلاف قوي اليسار الأخري - بأنشطة سياسية مشتركة بالتنسيق مع الاخوان !!)
و يؤكد يحيي فكري كذلك عدم تفاؤله حيال محاولات اصلاح الحزب التي يبذلها من أسماهم «بالمناضلين الشرفاء» كالأستاذ عبد الغفار شكر ، ووفقاً له فإن الرهان علي اصلاح "التجمع" هو رهان خاسر بسبب الدور الذي لعبته قيادة التجمع علي مدي عشرين عاما ، و يؤكد فكري أن الحل يكمن في بناء حزب جديد لليسار يستطيع أن يملأ الفراغ السياسي ، و يضرب مثالاً علي ذلك بما اسماه " مشروع اتحاد اليسار "الذي تتبناه مجموعة من اليساريين من مختلف المشارب ( و هو غير " التحالف الاشتراكي " القائم بالفعل و الذي يعتبر اطاراً للتنسيق بين 7 أحزاب و منظمات سياسية و مجموعة من الشخصيات العامة المنتمية لليسار)
و من جانب آخر ، يري الدكتور سامر محروس ، الباحث و عضو المجموعة الداعية لانشاء للحزب الديمقراطي الاجتماعي ( اليسار الديمقراطي ) أن المتأمل لمسيرة التجمع لابد و أن يلاحظ انقسامها لمرحلتين :
> الأولي استمرت حتي منتصف الثمانينات و كان للحزب و لجريدته فيها تواجد قوي ومؤثر.
< أما المرحلة الثانية و الممتدة حتي الآن فقد تراجع اداؤه فيها تراجعاً ملحوظاً ، فخلال هذه المرحلة فشل "التجمع" في تحقيق العديد من الأهداف ، حيث فشل في أن يصبح حزبا لليسار في مصر، أو أن يجمع في اطاره -أو حتي حوله- قوي اليسار ، كما فشل في أن يصبح حزبا جماهيريا، فتحول الي حزب صغير و معزول و الأهم من ذلك كله أن حزب التجمع قد فشل في أن يفعل شيئاً يعتد به علي طريق تغيير الوضع في مصر .
و بالرغم من التوافق بين محروس و فكري حول التدهور الذي أصاب أداء التجمع خلال العشرين عاماً الماضية الا أنه يخالف فكري الرأي فيما يتعلق بتحديد أسباب هذا التدهور.. فمحروس يري أن تصوير الأمر و كأن المشكلة تكمن فقط في قيادات التجمع يعتبر تبسيطاً مخلاً للمسألة ، فجزء من المشكلة له علاقة -في رأيه- بضعف الأحزاب عموماً ، و جزء آخر له علاقة بأسباب تخص الأحزاب الرسمية بالذات ؛ فالشرعية كما تعطيك مقرات و تراخيص اصدار صحف فانها تفرض عليك أعباء و قيوداً، فالدور المسموح به للأحزاب الرسمية في الأنظمة شبه السلطوية - كما هو الحال في مصر _ ليس هو محاولة الوصول للسلطة و لكن أن تعارض فقط ، و حتي هذه المعارضة تقتصر علي حرية الصراخ.. أما حرية الحركة فمحدودة للغاية.
و يضيف محروس أن هناك أسباباً أخري وراء تدهور أداء التجمع تتعلق بضعف اليسار عامة بعوامل دولية و اقليمية و محلية ، أما العوامل الدولية، تتمثل في فشل النموذج ، وهذا الفشل تجسد حتي قبل انهيارالاتحاد السوفيتي و معسكره و ذلك عندما فقد هذا النموذج القدرة علي الالهام ، وهناك أيضاً أسباب اقليمية تتمحور حول اسرائيل و البترول : فوجود اسرائيل ادي الي تأجيج الصراع الديني ، في حين غزي البترول حالة ريعية في المنطقة ، كما وقام بتغذية التيار الاسلامي ، وأدي الي سحب العمالة من مصر و تعزيز الحل الفردي، فأصبح المواطن يتصور أنه يمكن له أن يغير وضعه الطبقي من خلال السفر الي الخليج لعام أو عامين. وكل ذلك أدي -في رأي محروس- الي حدوث حالة سيولة أو فوضي طبقية ، و هو ما أثر سلبيا علي أداء اليسار، الذي يرتكز في عمله أساسا علي الطبقات و تمثيل المصالح.
و من ناحية أخري هناك الدور الذي لعبته الدولة الناصرية في "كسر" اليسار المصري ، ليس فقط عن طريق الملاحقات و الاعتقالات، ولكن _ و هذا هو الأهم _ عن طريق تأميمها للصراع الاجتماعي و تخريبها لمؤسسات المجتمع و سيطرتها علي النقابات ، و هكذا أممت الدولة ملعب المصالح الذي يجيد اليسار اللعب فيه و لم تبق مفتوحاً أمامها سوي ملعب مزيف هو "ملعب الهوية"، الذي وفر فرصة نمو هائلة للتيار الاسلامي .
وينتقد محروس - هو الآخر - موقف "التجمع" من جماعة الاخوان المسلمين و يصفه بالموقف "العصابي" الذي يصاب فيه الطرف الأضعف بهاجس الطرف الأقوي، وإن كان يؤكد أن "التجمع" دافع دائماً عن حقوق الاخوان كبشر ، و لكن ليس بالقوة و الحماس المطلوبين . لكن انتقاد محروس لأسلوب تعامل التجمع مع الاخوان لم يمنعه من انتقاد أسلوب تعامل الاشتراكيين الثوريين معهم ، فهو يري أن الموقفين وجهان لعملة واحدة ، فهيستريا تنادي التعامل مع الاخوان لا يصح أن يتم معادلتها بالدخول في تحالف مباشر معهم مثلما حدث في " التحالف الوطني من أجل الاصلاح و التغيير "الذي ضم "الجماعة" مع "الاشتراكيين الثوريين"!
غير أن محروس يعود ليؤكد ان "التجمع" قد لعب أدواراً ايجابية لا يمكن أن تنسي لعل من أهمها اهتمامه بالعمل الثقافي، فالتجمع هو الحزب الوحيد الذي يصدر مجلة تهتم بالثقافة وهي مجلة أدب و نقد ، و يضاف إلي ذلك مساهمته في تخفيف حدة الاحتقان الطائفي (وان كان يتحفظ علي العلاقة الوثيقة بين قيادة التجمع و قيادة الكنيسة الأرثوذكسية).
احتفل حزب التجمع الاسبوع الماضي بمرور 31 عاماً علي انشائه كأول حزب معلن لليسار المصري ، وجاء الاحتفال ليفجر الجدل حول دور الحزب في وقت شهد فيه الخطاب اليساري انحساراً شديداً وسط النخبة السياسية المصرية لصالح الخطاب الديني و الخطاب الليبرالي المتمحور حول قضايا الاصلاح الدستوري والسياسي
بداية ينفي حسين عبد الرازق ، أمين عام حزب التجمع ، أن يكون الخطاب اليساري للتجمع قد تراجع أمام الخطاب الليبرالي ، إنه يؤكد أن "التجمع" كحزب يساري، وعلي قدر اهتمامه بالقضايا الاجتماعية، وضع منذ انشائه قضية الديمقراطية علي رأس اهتماماته متجاوزاً بذلك النظرة السائدة التي تري أن الديمقراطية هي قضية الليبراليين .
في هذا السياق، تبني التجمع -كما يقول عبدالرازق- الفكر القائل بأنه لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية أو التطور الاقتصادي دون تحقيق الديمقراطية ، ومن ثم يصبح الاصلاح السياسي والدستوري هو المدخل لأي اصلاح اجتماعي ، وبهذا يكون التجمع قد حقق-وفقاً لرأي أمينه العام- نقلة مهمة في اطروحات و رؤي اليسار.
أما الايجابية الثانية لمسيرة التجمع ، من وجهة نظر عبد الرازق ، فهي تقديمه لنموذج مختلف للادارة الداخلية. فمنذ بداياته الأولي ،حرص الحزب علي تطبيق الديمقراطية الداخلية وتطويرها وتعميقها، ليس فقط من خلال صياغة لائحة ديمقراطية، ولكن أيضاً _ و هذا هو الأهم - من خلال الحرص علي تطبيق هذه اللائحة بحذافيرها ، و ذلك من خلال الاصرار علي أن تكون جميع المواقع والمستويات الحزبية منتخبة عبر انتخابات تتيح المنافسة أمام قوي سياسية متعددة ، وكذلك من خلال الاصرار علي أنتظام انعقاد كافة المستويات التنظيمية للحزب ، فالامانة المركزية تجتمع مرة أسبوعياً، و المكتب السياسي مرة كل أسبوعين، والأمانة العامة مرة كل شهر و اللجنة المركزية مرة كل 6 أشهر و المؤتمر العام مرة كل 4 سنوات ، و يضرب لنا عبد الرازق مثالاً بمدي الحرص علي انعقاد أعمال تلك المستويات التنظيمية بواقعة اعتقال 12 عضواً من أعضاء الأمانة المركزية في عام 81 وبالرغم من ذلك ظلت الامانة تعقد اجتماعاتها بواسطة الأعضاء الخمسة الباقين خارج المعتقل ! و يؤكد عبد الرازق أن هذه "الديمقراطية" هي التي مكنت حزب التجمع من أن ينجو بنفسه من الانقسامات و الانشقاقات التي عرفتها كافة أحزاب المعارضة المصرية الأخري .
و لكن يبدو أن هذا التماسك الذي اظهره حزب التجمع عبر مسيرته كان له ثمن غال لم يستطع أمين عام حزب التجمع إنكاره، فاعترف أن المبالغة في الحرص علي وحدة الحزب و تماسكه جعلته _ في بعض الأحيان - يتأخر في اتخاذ بعض المواقف الصحيحة ، فوفقاً له فإن الأستاذ خالد محيي الدين الرئيس السابق للحزب كان يقول إنه لو شعر أن الحصول علي قرار بأغلبية بسيطة يمكن أن يؤدي الي شعور الأقلية الكبيرة بالقهر وانسحابها، فإنه كان يفضل - في تلك الحالة - أن يؤجل اتخاذ القرار مرة أو اثنتين لأن استمرار الحزب و وحدته أهم من اتخاذ القرار في هذه اللحظة ، و لكن عبد الرازق يعود ليؤكد أن التجمع قد اجتازحالياً هذه المرحلة لأن درجة الانصهار و التفاهم في الحزب بعد مرور 31 سنة علي انشائه قد أصبحت عالية للغاية.
سلبية أخري أعاقت مسيرة التجمع شخصها عبد الرازق وهي أن الكثير من المعارك و القضايا التي طرحها الحزب لم يستطع المواظبة علي العمل عليها بشكل مستمر.. فعلي سبيل المثال ، ركز التجمع في فترة ما علي قضية مقاومة التطبيع ثم أغفلها لينشغل بقضية محاربة قانون الطوارئ، بينما لم تكن قضية مقاومة التطبيع قد انتهت بعد ، و يري عبد الرازق أن سبب الوقوع في هذا الخطأ راجع في الأساس الي ندرة الكادر المدرب.
ويعترف عبد الرازق كذلك أن أخطر الأخطاء التي وقع فيها «التجمع» خلال مسيرته هو أنه قبل الخضوع للحصار الذي فرضه الحكم علي الأحزاب و القوي السياسية طوال فترة التسعينات، والذي تواكب مع تحديد اقامة الأحزاب في مقارها وحصر نشاطها في صحفها ومنعها بالتالي من الخروج الي الشارع ، و يقر أمين عام التجمع أن الحزب قد أخطأ خطأً فادحاً حين استسلم لهذه الخطوط الحمراء علي مدي فترة غير قصيرة وإن كان كما يري عبدالرازق «قد تجاوزها بعد 2003 ليعود مرة أخري للالتحام بجماهيره» .
غير أن اعترافات عبد الرازق لم تمنعه من أن يرفض وصف بعض قوي اليسار الأخري للتجمع بأنه قد تحول الي «حزب المعارضة المستأنسة» ، ويري أن التجربة العملية قد أثبتت عدم صحة ذلك فالتجمع أثبت وفقا لوجهة نظر عبدالرازق أنه من أعلي الأحزاب صوتاً في معارضة سياسات الحكم القائم ، و يري عبد الرازق أن الأصوات اليسارية التي تعالت بهذ الوصف _ و خاصة من قبل الاشتراكيين الثوريين _ قد خفتت كثيراً بعد تجربة العمل المشترك مع التجمع في اطار التحالف الاشتراكي .
و لكن يبدو أن تصور حسين عبد الرازق لرؤية الأوساط اليسارية لحزب التجمع يشوبها كثير من "التفاؤل" ، فها هو يحيي فكري ، الناشط بمركز الدراسات الاشتراكية ، يؤكد أن التجمع قد أصبح اليوم "حزب خالي الوفاض ومكان لا يرتاده أحد" بل أن فكري يذهب إلي حد القول بأن اليسار قد أصبح - في مجمله - خارج التجمع - اللهم الا نفر محدود ، و يري فكري أن هذه نتيجة طبيعية للدور الذي لعبه دكتور رفعت السعيد رئيس الحزب و أمينه العام السابق ، في تفريغ التجمع من الدور الذي لعبه منذ أواخر السبعينات و حتي منتصف الثمانينات كحزب جماهيري عريض يضم عشرات الآلاف من المعارضين ليتحول اليوم لكائن سياسي تابع و مكمل للشكل الديمقراطي ، و هو الأمر الذي أدي الي انفضاض جماهيره عنه بل وعن جريدته "الأهالي" التي كانت حتي منتصف الثمانينات توزع حوالي 150 ألف نسخة !!
و يري فكري أن موقف التجمع من الاخوان يعبر خير تعبير عن افتقاد الحزب للبوصلة السياسية السليمة ، فاذا كان التجمع في معاداته للاخوان يتذرع بأنه يدافع عن العقلانية و التنوير فإنه بذلك يكون قد نسي -أو تناسي- الطبيعة الاجتماعية لهذه الجماهير التي تؤيد الاخوان و الحركات الاسلامية لأنها تعاني من الفقر و الاضطهاد، وليس أمامها بديل سياسي آخر و يري فكري أن موقف "التجمع" هذا يحوله الي حزب معاد للجماهير !! فالمفترض أن يفرق الحزب ما بين الأفكار والواقع الاجتماعي وأن يحاول أن يفهم الطبيعة الاجتماعية للحركة السياسية للجماهير وأن لا يتحالف مع الدولة ضدها !! ( وهو الموقف الذي يتبناه الاشتراكيون الثوريون الذين قاموا بالفعل _ و بخلاف قوي اليسار الأخري - بأنشطة سياسية مشتركة بالتنسيق مع الاخوان !!)
و يؤكد يحيي فكري كذلك عدم تفاؤله حيال محاولات اصلاح الحزب التي يبذلها من أسماهم «بالمناضلين الشرفاء» كالأستاذ عبد الغفار شكر ، ووفقاً له فإن الرهان علي اصلاح "التجمع" هو رهان خاسر بسبب الدور الذي لعبته قيادة التجمع علي مدي عشرين عاما ، و يؤكد فكري أن الحل يكمن في بناء حزب جديد لليسار يستطيع أن يملأ الفراغ السياسي ، و يضرب مثالاً علي ذلك بما اسماه " مشروع اتحاد اليسار "الذي تتبناه مجموعة من اليساريين من مختلف المشارب ( و هو غير " التحالف الاشتراكي " القائم بالفعل و الذي يعتبر اطاراً للتنسيق بين 7 أحزاب و منظمات سياسية و مجموعة من الشخصيات العامة المنتمية لليسار)
و من جانب آخر ، يري الدكتور سامر محروس ، الباحث و عضو المجموعة الداعية لانشاء للحزب الديمقراطي الاجتماعي ( اليسار الديمقراطي ) أن المتأمل لمسيرة التجمع لابد و أن يلاحظ انقسامها لمرحلتين :
> الأولي استمرت حتي منتصف الثمانينات و كان للحزب و لجريدته فيها تواجد قوي ومؤثر.
< أما المرحلة الثانية و الممتدة حتي الآن فقد تراجع اداؤه فيها تراجعاً ملحوظاً ، فخلال هذه المرحلة فشل "التجمع" في تحقيق العديد من الأهداف ، حيث فشل في أن يصبح حزبا لليسار في مصر، أو أن يجمع في اطاره -أو حتي حوله- قوي اليسار ، كما فشل في أن يصبح حزبا جماهيريا، فتحول الي حزب صغير و معزول و الأهم من ذلك كله أن حزب التجمع قد فشل في أن يفعل شيئاً يعتد به علي طريق تغيير الوضع في مصر .
و بالرغم من التوافق بين محروس و فكري حول التدهور الذي أصاب أداء التجمع خلال العشرين عاماً الماضية الا أنه يخالف فكري الرأي فيما يتعلق بتحديد أسباب هذا التدهور.. فمحروس يري أن تصوير الأمر و كأن المشكلة تكمن فقط في قيادات التجمع يعتبر تبسيطاً مخلاً للمسألة ، فجزء من المشكلة له علاقة -في رأيه- بضعف الأحزاب عموماً ، و جزء آخر له علاقة بأسباب تخص الأحزاب الرسمية بالذات ؛ فالشرعية كما تعطيك مقرات و تراخيص اصدار صحف فانها تفرض عليك أعباء و قيوداً، فالدور المسموح به للأحزاب الرسمية في الأنظمة شبه السلطوية - كما هو الحال في مصر _ ليس هو محاولة الوصول للسلطة و لكن أن تعارض فقط ، و حتي هذه المعارضة تقتصر علي حرية الصراخ.. أما حرية الحركة فمحدودة للغاية.
و يضيف محروس أن هناك أسباباً أخري وراء تدهور أداء التجمع تتعلق بضعف اليسار عامة بعوامل دولية و اقليمية و محلية ، أما العوامل الدولية، تتمثل في فشل النموذج ، وهذا الفشل تجسد حتي قبل انهيارالاتحاد السوفيتي و معسكره و ذلك عندما فقد هذا النموذج القدرة علي الالهام ، وهناك أيضاً أسباب اقليمية تتمحور حول اسرائيل و البترول : فوجود اسرائيل ادي الي تأجيج الصراع الديني ، في حين غزي البترول حالة ريعية في المنطقة ، كما وقام بتغذية التيار الاسلامي ، وأدي الي سحب العمالة من مصر و تعزيز الحل الفردي، فأصبح المواطن يتصور أنه يمكن له أن يغير وضعه الطبقي من خلال السفر الي الخليج لعام أو عامين. وكل ذلك أدي -في رأي محروس- الي حدوث حالة سيولة أو فوضي طبقية ، و هو ما أثر سلبيا علي أداء اليسار، الذي يرتكز في عمله أساسا علي الطبقات و تمثيل المصالح.
و من ناحية أخري هناك الدور الذي لعبته الدولة الناصرية في "كسر" اليسار المصري ، ليس فقط عن طريق الملاحقات و الاعتقالات، ولكن _ و هذا هو الأهم _ عن طريق تأميمها للصراع الاجتماعي و تخريبها لمؤسسات المجتمع و سيطرتها علي النقابات ، و هكذا أممت الدولة ملعب المصالح الذي يجيد اليسار اللعب فيه و لم تبق مفتوحاً أمامها سوي ملعب مزيف هو "ملعب الهوية"، الذي وفر فرصة نمو هائلة للتيار الاسلامي .
وينتقد محروس - هو الآخر - موقف "التجمع" من جماعة الاخوان المسلمين و يصفه بالموقف "العصابي" الذي يصاب فيه الطرف الأضعف بهاجس الطرف الأقوي، وإن كان يؤكد أن "التجمع" دافع دائماً عن حقوق الاخوان كبشر ، و لكن ليس بالقوة و الحماس المطلوبين . لكن انتقاد محروس لأسلوب تعامل التجمع مع الاخوان لم يمنعه من انتقاد أسلوب تعامل الاشتراكيين الثوريين معهم ، فهو يري أن الموقفين وجهان لعملة واحدة ، فهيستريا تنادي التعامل مع الاخوان لا يصح أن يتم معادلتها بالدخول في تحالف مباشر معهم مثلما حدث في " التحالف الوطني من أجل الاصلاح و التغيير "الذي ضم "الجماعة" مع "الاشتراكيين الثوريين"!
غير أن محروس يعود ليؤكد ان "التجمع" قد لعب أدواراً ايجابية لا يمكن أن تنسي لعل من أهمها اهتمامه بالعمل الثقافي، فالتجمع هو الحزب الوحيد الذي يصدر مجلة تهتم بالثقافة وهي مجلة أدب و نقد ، و يضاف إلي ذلك مساهمته في تخفيف حدة الاحتقان الطائفي (وان كان يتحفظ علي العلاقة الوثيقة بين قيادة التجمع و قيادة الكنيسة الأرثوذكسية).