»الحرية لغزة«

  »إنها خطوة صغيرة بالنسبة للبشرية، لكنها خطوة كبري لفلسطين«، ذلك حين وصل 44 من المتضامنين الدوليين من 14 دولة أجنبية إلي غزة علي متن مركبين 23 اغسطس الحالي.. بهدف...


»إنها خطوة صغيرة بالنسبة للبشرية، لكنها خطوة كبري لفلسطين«، ذلك حين وصل 44 من المتضامنين الدوليين من 14 دولة أجنبية إلي غزة علي متن مركبين 23 اغسطس الحالي.. بهدف كسر الحصار عن 1.5 مليون نسمة.. حالت إسرائيل منذ يونيو 2007 دون نقل السلع والأفراد، وليجول النشطاء الدوليون بشوارعها ويختلطوا بأهلها، عازمين بعد انقضاء عشرة أيام.. هي فترة بقائهم، علي العودة غير مرة الي ان ينتهي الحصار تماما، وقد تناول شعب غزة ليلة وصول النشطاء الدوليين.. عشاءهم من اسماك مياههم الاقليمية التي خرج اليها الصيادون بزوارقهم لأول مرة من الحصار - حيث كان الصيد وفيرا بعد طول منع لأكثر من عام.

وحسنا، أن تداركت جامعة الدول العربية.. من بعد أن سايرت أعضاءها صمتهم المطبق علي حصار قطاع غزة، حيث اشادت »بالخطوة الجريئة التي قام بها ناشطون دوليون ــ ليس من بينهم عربي واحد ــ لكسر الحصار عن قطاع غزة«، ذلك من بعد ان ظلت المفوضيات والإدارات التي استحدثتها »أمانة الجامعة« منذ 2001 عن حقوق الانسان والمجتمع المدني.. إلخ، من دون ان تنبس ببنت شفه.. أو تحض علي فك الحصار.. إلا من شعارات برعت في التباهي ببريقها الخالي من قوة التنفيذ.

في خط مواز، فيما اشادت انظمة عربية رسمية -عن حق- بإفراج إسرائيل عن أسري فلسطينيين 24 اغسطس.. »وبإعادتهم إلي احضان اسرهم« -علي حد تعبير أحد وزراء الخارجية العرب- مضيفا.. »أن لملف الاسري أولوية بالنسبة لدولته.. في إطار سعيها المستمر لإنهاء جميع مظاهر المعاناة الانسانية للفلسطينيين«، وليغيب عن الدبلوماسي العربي الكبير.. أن مايحدث لشعب قطاع غزة علي مدي خمسة عشر شهرا قابلة للامتداد.. يدخل ضمن المعاناة الانسانية للفلسطينيين، التي لم تطرف للانظمة العربية جفناً بالنسبة للجوعي والعطشي والمرضي جراء الحصار الإسرائيلي.. الا من تصريحات باردة ومحايدة ونظرية الي الحد الذي يدعو إسرائيل، ربما لغسل الأيدي سريعا من المسألة الفلسطينية، إلي تكرار مثل هذا الحصار او ما شابهه.. كلما عنّ لها ذلك.

إن خطوة الناشطين الغربيين -من بينهم شقيقة زوجة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير- مفوض اللجنة الرباعية الدولية، ليست كسرا للحصار، وإنما هي خطوة علي طريق إنهائه.. اذ تقع مسئولية ذلك.. علي الشعوب العربية.. بصرف النظر عن موقف حكوماتها، إذ إن الحصار الذي تسبب في مقتل قرابة مائتي شخص لنقص الادوية والغذاء بمثابة إهدار للقانون الدولي بحسب النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن كسر الحصار ليس جرما، إنما يكون كذلك حين الامتناع عن كسره، الذي لا يعني بالضرورة تدفق الفلسطينين عبر الحدود إلي الدولة المجاورة، إنما يعني تحركات من قبل مؤسسات المجتمع المدني نحو انقاذ شعب مجاور من »الموت البطيء« عبر امداده بقوافل انسانية تحمل اليه الغذاء والدواء.. والأمل في »الحرية« وهي مهمة المصريين في المقام الاول، وبلا مواربة.

إن نكوص مصر عن القيام بمسئوليتها الانسانية والسياسية تجاه شعب شقيق تتولي مسئوليته منذ 1948، سوف يكون حال ساءت الامور في قطاع غزة الي أبعد مما هي عليه الآن، بمثابة اعدام للدور المصري في مجالها الحيوي التقليدي، ومن ثم يؤدي الي المزيد من الانصياع التلقائي أمام الاقوي، وسوف يكرس من ازمة الثقة علي الصعيدين المحلي المصري والعربي، وإلي خلق رأي عام مضطرب ومتناحر، لن يفيده الاستقواء بالأجنبي.. او الهرولة نحو التطبيع غير المتكافئ مع إسرائيل.

إن حصار قطاع غزة، المتاخم لمصر.. إن عالجته بما يجب ان يكون عليه مباشرة مسئوليتها، ربما يكون بمثابة منعطف تاريخي.. يحفزها الي استعادة الوعي المفقود منذ عقود، وإلي استشراف مستقبل افضل.. قد ينتشلها من وهدة ما هي عليه من ازمات علي مختلف الاصعدة.