أترك مؤقتاً القضايا المتعلقة بأزمات الديمقراطيات الغربية لأتناول قضايا متعلقة بشخص وبحكم الرئيس الفرنسى السابق فاليرى جيسكار ديستان الذى توفاه الله الأسبوع الماضى. المفارقة الأولى أن أغلب أبناء جيلى- من مواليد النصف الثانى للخمسينات من القرن الماضى- من الطبقات الوسطى والميسورة الفرنسية، وربما الفرانكوفونية تأثروا بشدة وتلقوا الخبر وكأنه ضربة قوية وجهت إلى قلوبهم، رغم الود المفقود بينهم وبين الفقيد. لم يحبه إلا القليلون، وحزن الكثيرون عليه.
حل المفارقة سهل نسبيا. مع موته نودع شبابنا. مع موته طفت ذكريات المراهقة والشباب على السطح وظهورها المفاجئ بعد سبات طويل أثار حنيناً إلى فترة ومرحلة عمرية لن تعود. مع وداعه نودع ونستحضر فترة من حياتنا لندفنها مجدداً.
أول انتخابات رئاسية تابعتها هى تلك التى توجته رئيسًا. بعدها بسنتين أو ثلاث، وبناء على نصيحة مدرس للغة الفرنسية بدأت أقرأ بانتظام الجريدة الأسبوعية الساخرة “البط المقيد” ولعبت دوراً فى تثقيفى وفى إطلاعى على شئون فرنسا. ميزتها أنها لا تترك أحداً دون أن توجه له سهاما لاذعة، ومن ثم تستطيع أن تتعرف من خلال قراءتها أهم ما قاله الفاعلون والإعلام دون أن تضطر إلى قراءة كل الصحف والمجلات. بالمناسبة أغلبها كان متاحاً فى المركز الثقافى الفرنسى مع استثناءات هامة، منها “البط المقيد”.
وطبعاً كان الرئيس جيسكار ديستان صيدًا سهلاً، نطقه للفرنسية كان مضحكاً، غروره وتعاليه كانا استفزازا يلهم رسامى الكاريكاتير، كان الصحفيون بارعين فى تأليف أحاديث صحفية وهمية للرئيس، يقتطفون بعض تصريحات سابقة للرئيس ويخرجونها عن سياقها ويضيفون إليها بعض الجمل لم يقلها ولكنها تعكس طريقة تفكيره، ويكون المنتج النهائى قمة التهريج. وكانت الرسومات الكاريكاتورية موفقة، أذكر منها رسماً عنوانه “بريجنيف حصل على جائزة لينين للأدب”، رسم فيها الزعيم السوفييتى بطريقة فيها تحقير وتسفيه، وهو يقول للقراء “ كما ترون أثبت اليوم أنه من الممكن أن يكون المرء أديبًا عظيماً دون أن يكون معارضاً”.
تذكرت عدداً للجريدة صدر بعد استقالة رئيس الوزراء، وكان أيامها جاك شيراك. عقب عليها الرئيس ديستان قائلاً ما معناه “خير ما فعل، أخيراً سنستطيع الإنجاز”، وهى جملة سخرت منها الجريدة كثيراً. تذكرت هذا لأن المعلقين أجمعوا على تقسيم فترة حكم جيسكار إلى مرحلتين… السنوات مع شيراك رئيساً للوزارة كلها إنجازات، والسنوات بعدها كلها إخفاقات، وهذا الكلام غير دقيق.
على العموم لا يقصدون بهذا أن شيراكا كان سبب الإنجازات وإن لعب دوراً محورياً فى بعضها، بل يقولون إن خروج شيراك من الحكم تسبب فى فتنة بصفوف اليمين، وأصبح الرئيس يحكم دون أغلبية حقيقية فى البرلمان، وأنه اضطر إلى التعامل مع جبهتين، جبهة المعارضة اليسارية تحت قيادة ميتران، وجبهة يمينية يقودها شيراك الساعى إلى كرسى الرئاسة وإلى إزاحة جيسكار عن الحكم. بين الرجلين كراهية شخصية لم تهدأ قط، وتعود إلى اختلاف فى الطباع وإلى اختلافات سياسية وفكرية جذرية.
أتأمل شخصيات بعض رؤساء فرنسا وأنا فى حيرة. من ناحية الوضع الاجتماعى والسلوك الشخصى والمعتقدات الدينية كان جيسكار منتميا إلى نبلاء وأعيان اليمين بل مجسداً لهم، ومسيحيا تقليديا، لكن سياساته الاجتماعية كانت تقدمية ليبرالية، وأحياناً يسارية، سهل من إجراءات الطلاق وأباح الإجهاض ووسع من حقوق المهاجرين سامحاً لهم بجلب أسرهم إلى فرنسا، أما ميتران فإنه يمينى الثقافة والأهواء والخلفية، يتكلم اللاتينية ولا يتكلم الإنجليزية، ولكنه يمين يكره الرأسمالية كرهاً دفعه إلى اليسار. لا أعرف إن كان مؤمناً ولكنه كان كاثوليكى الثقافة. أما شيراك فميوله الشعبوية مع ميل إلى اليسار معروفة رغم أنه ترأس حزبا يمينيا. هذه التناقضات أوصلتهم إلى كرسى الرئاسة.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية