صورة - ارشيفية
التليفون المحمول.. شاشات البلازما.. أجهزة الكمبيوتر .. الثورة المعلوماتية التي أفرزت الانترنت.. وغيرها من المستحدثات التكنولوجية التي باتت من أساسيات حياتنا بدأت مؤخراً في غزو دار أبوالفنون »المسرح«، لنجد أن عروضه علي الأخص الغربية منها - أصبحت تزخر بهذه المستحدثات التكنولوجية .
فما الذي قدمته هذه التقنيات الجديدة لعالم المسرح؟ وهل يمكن ان يغني هذا التقدم عن المتعة المسرحية الحية، كأن نري الجمهور قد آثر البقاء في منزله وابتكار مسرحية بالكامل عبر الإنترنت - أو ما يسمي المسرح الافتراضي الذي قدمت بعض تجاربه بالفعل؟ أم أن المسرح سيظل محافظا علي رونق وبهاء التفاعل الحي مع الجمهور؟
تباينت الاراء في الإجابة عن هذه التساؤلات، فالجانب العربي ظهر عليه القلق من طرح مثل هذه الأفكار لأننا لم نزل نحاول الوصول بمسرحنا العربي لما وصل إليه الغرب منذ سنوات عديدة، أما المسرحيون الغربيون فاتفقوا في الرأي أن المسرح يمكنه استيعات كل التكنولوجيا والمستحدثات ويطوعها ليظل متجدداً، أما الأمر الوحيد الذي اتفق عليه الطرفان فهو أن المسرح باق طالما هناك بشر يسيرون علي الأرض فهو الحياة مهما بلغت بساطة تقنياته حتي لو لم يقدم نفس إبهار الفنون الأخري .
فقد أكدت المخرجة الاردنية مجد القصص أن المسرح قائم في الاساس علي التفاعل المباشر بين المتفرج والممثل وهو ما لا يمكن تواجده في أي فن آخر، حتي المسرح الافتراضي لم يغن عن المسرح التقليدي بدليل ان المسارح الاوروبية مازالت تضيء أنوارها كل ليل لتستقبل آلاف المشاهدين لمسرحياتهم .
وعن المسرح العربي وكيفية مواجهته ثورة التجديد قالت »القصص«: لسنا في خوف مما يحدث، فثقافتنا مختلفة، وعشقنا للمسرح جاء ليشبع داخلنا احتياج لن تغني عنه أي تكنولوجيا، مؤكدة أن متعة المسرح في العالم ستجعل الفنانين المسرحيين قادرين علي تقديم الجديد دائما، مما يجعل المتفرج يجد المتعة في كل مرة وهو ما لا يجده بطريقة مباشرة في أي فن آخر واضافت لم تقف وسائل التكنولوجيا يوما عائقا أمام المبدع المسرحي وإن كانت أظهرت قلقاً بسيطاً، مما يمكن ان يحدث من زخم تكنولوجي وتغيير يمكن ان يحدثه ذلك في تفكير وخيال المتلقي ليصبح كسولا وغير مهتم بالمسرح فحينها سيصاب المبدع بالاحباط لأن جمهوره سيهجره في هذه الحالة، موضحا انها تشير في حديثها هذا الي المسرح العربي وليس الاوروبي، مما جعلها تؤكد ضرورة الاهتمام بالصورة المسرحية السينوغرافية في عروضنا العربية ليجد المتفرج متعة لا يراها في السينما أو في المسرح الافتراضي .
لكن الممثل المغربي »محمد الميخي« أعرب عن قلقه من هذه الظاهرة بناء علي تجربة شخصية له مع التكنولوجيا كان لها أثر سلبي عليه فقد تم رفض عرضه المسرحي في الدورة الحالية من مهرجان المسرح التجريبي لوجود مشكلة تقنية في نسخة السي دي الخاصة بالعرض، فبدلا من أن يشارك العرض بالمسابقة الرسمية قدم علي هامش المهرجان مشيرا الي ان من أهم مساوئ الاعتماد علي التكنولوجيا من وجهة نظره هو أن تتحول المسرحية من الاعتماد في الاساس علي الرؤية والمشاهدة الحية الي الاعتماد علي مشاهد تسجيلية تعرض علي شاشات مما يفقد العرض المسرحي هويته غير أنه أكد - برغم ذلك - ان المسرح أبوالفنون ولن تفقده التكنولوجيا رونقه مهما حدث، فما زال بامكان أي مجموعة شباب من عشاق المسرح التمتع ببعض الابتكار والتفكير بطرق مغايرة للسائد - وبأقل التكاليف المادية - أن يقدموا عرضا ممتعا مليئاً بالصور المرئية يعبرون به عن وجهة نظرهم، مؤكدا ان الطاقة الابداعية التي يخرجها المسرح منهم اثناء التدريبات والبروفاات لا يمكن لأي فن آخر اخراجها منهم. واعتبر الميخي المسرح الافتراضي للكسلاء وليس للمتلقين النشطاء وهم كثر علي مستوي العالم، مشيرا الي وجه آخر من أوجه التكنولوجيا يراه أضر بالمسرح، وهو تكرار رنات المحمول اثناء العروض مما يؤدي لخروج الممثل من حالة الاندماج .
أما الناقد البرازيلي »هيلفر رومنين« فقد أكد أن المبدع المسرحي لا يجد صعوبة في تطويع كل وسائل التكنولوجيا ليخدم بها مسرحه، ضاربا العديد من الأمثلة علي ذلك »فبريخت« استخدام شاشات السينما الكبيرة لعرض احداثه الواقعية ليستطيع كسر الايهام، و»بكساتور« ابتكر المسرح الوثائقي من ثورة الانترنت التي تجعل الاحداث التاريخية تتدافع إليك دون بحث عنها وصنع بها أمتع المسرحيات، بالاضافة الي مدارس مسرحية أخري عديدة استطاعت تطويع التكنولوجيا لخدمة العمل المسرح وليس العكس .
واوضح »هيلفر« ان مشاهد المسرح له ذوق خاص، ويبحث عن هذا الفن بالتحديد دائما فالسينما كما يراها الناقد البرازيلي »ابن مجهول النسب شديد الذكاء«، أما المسرح فهو الأب الحقيقي لكل الفنون، أما الانترنت فهو مجرد شبكة كبيرة لتبادل المعلومات ولا يمثل مسرحه الافتراضي خطرا علي المسرح الحقيقي .
من جانبه تذكر د. شريف بوخزين الناقد الليبي عن تطويع التكنولوجيا في خدمة المسرح تجربة مسرحية »شوكولا« السورية التي نالت جائزة افضل عرض مسرحي في الدوري 18 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي فلم يكن مع هؤلاء الشباب سوي فكرة مختلفة، وشاشة سينما كبيرة، وكاميرا ديجيتال حديثة، وستة فنانين، »خمسة ممثلين رجال ومخرجة«.. ومع ذلك قدموا عرضاً يجمع بين البساطة والمتعة والإثارة وحفر لنفسه مكانا في ذاكرة الحضور بتطويع بعض منتجات التكنولوجيا داخل المسرحية .
رغم ذلك لم يستطع د. بوخزين أن يخفي قلقه من عدم قدرة المسرح العربي للحاق بالركب الاوروبي السريع، مؤكداً ابتعاد العروض العربية عن القدرة علي تطويع التكنولوجيا اسوة بما يحدث في العروض الاوروبية .
»المقارنة غير منصفة« كان هذا ذلك التعليق الذي رد به المخرج الجزائري حيدر بن حسين علي مدي قدرة المسرح العربي علي مجاراة الغربيين في تطويع التكنولوجيا مسرحيا مؤكدا ان لكل شعب طريقته في استخدام التقنيات الحديثة حيث لا يقتصر ذلك علي الدول الغربية فقط فهناك ايضا تجارب رائعة لدول آسيوية وأفريقية تستحق الاهتمام .
واوضح حسين ان المهم هو قدرة المسرح علي لمس القضايا التي تهم الجمهور، فمهما كانت درجة الإبهار التكنولوجي فإن استمتاع المتفرج به سيكون لحظيا .