محمد حسين
بينما تتسارع الجهود الحكومية لانتشال السوق من حالة كساد فرضت نفسها علي مختلف القطاعات الاقتصادية بالدولة عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي الموجه للقطاعات الخدمية، اتجهت البنوك نحو تنويع قنواتها الائتمانية بما يتلاءم مع الأوضاع الراهنة للسوق.
وفي حين يطالب البعض بتحفيز البنوك علي منح الائتمان الموجه للقطاعات الإنتاجية، تقف بعض البنوك التي اعتادت منح القروض الاستهلاكية موقف الحائر بين الاستمرار في هذا النشاط أو تقليصه بما يتناسب مع الظروف الراهنة، تلك الأوضاع التي تزامنت مع الركود الملحوظ في حركة البيع والشراء بأسواق السلع الاستهلاكية علي الرغم من العروض الترويجية التي تقدمها المحال التجارية بمناسبة »الأوكازيون« السنوي لمختلف السلع المعمرة ومنتجات الملابس الجاهزة، وهو ما يبرز أهمية التوسع في القروض الاستهلاكية وليست الشخصية علي اعتبار وجود فارق بين القرض الشخصي المتمثل في سيولة نقدية يحصل عليها العميل بفوائد مرتفعة، والقرض الاستهلاكي الذي تقدمه البنوك بالتعاون مع عدد من المحال التجارية التي تتعاقد معها بهدف منح تسهيلات علي شراء المنتجات التي تقدمها تلك المحال.
الفكرة ليست مبتكرة مثلما يقول محمد مدبولي الرئيس الأسبق لمجلس إدارة البنك الأهلي سوسيتيه جنرال مشيرا إلي أن البنك المركزي كان قد اتخذ قرارا منذ 9 سنوات تقريبا بإتاحة تمويل لبنوك القطاع بقيمة 8.1 مليار جنيه وبسعر عائد قدره %4 فقط لمدة سنة قابلة للتجديد لسنة أخري علي أن تقوم البنوك بمنح تسهيلات ائتمانية لموظفي الدولة والعاملين بالقطاعات الأخري بعائد %6 دون تحصيل أي عمولات إضافية وبشرط أن يتم تصريف تلك التسهيلات لشراء سلع ومنتجات وطنية.
وأشار مدبولي إلي أن السوق المحلية حاليا تعاني من عدة مشكلات بعضها يتعلق بضعف الطلب علي مختلف المنتجات الاستهلاكية داخل المحال التجارية علي الرغم من التخفيضات التي تتزامن مع نهاية الموسم الشتوي، والبعض الآخر من تلك المشكلات يتعلق بتخوف البنوك من التوسع في الإقراض الاستهلاكي بالشكل الذي اعتادت عليه، واوضح أن تلك البنوك بإمكانها التوجه نحو القطاع الحكومي وموظفيه لإقراضهم بضمان رواتبهم وبالتعاقد مع عدد من السلاسل التجارية العاملة في السوق.
أضاف مدبولي أن »المركزي« عندما اتخذ القرار المذكور لم تكن هناك أزمة عالمية كتلك التي تمر بها الأسواق في الوقت الراهن، بل كانت السوق تعاني من ركود في حركة بيع وشراء المنتجات الاستهلاكية المعمرة ولم تكن البنوك التجارية قد توسعت في الإقراض الاستهلاكي بالشكل الذي شهدته منذ عامين، إلا أن قرار »المركزي« لم يستمر طويلا حينها حتي قام بسحب التسهيلات الائتمانية التي منحها للبنوك نتيجة ضعف الإقبال عليها، إلي جانب مطالب عدد كبير من عملاء البنوك في ذات الوقت بأن يتم صرف جزء من تلك التسهيلات في شكل نقدي وهو ما رفضه البنك المركزي في ذاك الوقت.
هشام حمدي مدير عام بنك الإسكندرية-سان باولو أشار بدوره الي أن الفترة الراهنة هي الأنسب من حيث إعادة دراسة المشروع القديم الذي تبناه البنك المركزي منذ حوالي 9 سنوات ولم يتم تطبيقه نظرا لعدم وضوح قرار البنك المركزي في ذات الوقت، وأشار إلي أن جميع القرارات والضوابط التي تخرج عن الإدارة الحالية للبنك المركزي تأتي مستوفاة من جميع البنود والتفاصيل مما يجعل البنوك لا تجد صعوبة في توفيق أوضاعها بما يتناسب مع تلك الضوابط.
وأضاف حمدي أن بنك الإسكندرية-سان باولو علي سبيل المثال رأي أهمية التوجه نحو منح تسهيلات ائتمانية لموظفي الدولة في شكل قروض شخصية تعتبر الأقل تكلفة من حيث الفائدة المقررة عليها في السوق التي لا تتجاوز %7.2، وارجع ذلك لتميز القطاع الوظيفي الحكومي بالاستقرار من حيث عقود العمل وثبات الراتب مما يجعل التعثر في هذا القطاع أمرا مستبعدا إلي جانب أن القروض التي تخرج بهذا الشكل تكون صغيرة لا تتجاوز قيمة 12 أو 14 شهرا من راتب الموظف.
الدكتور محمود حسين مدير عام بنك الاستثمار العربي ذهب إلي ماهو أبعد من ذلك، قائلا إن القطاع الوظيفي الحكومي ليس بإمكانه فقط امتصاص جزء كبير من السيولة التي كانت تخصصها البنوك للإقراض الاستهلاكي، بل بإمكانه أن يحدث حالة أخري من الرواج في القطاع العقاري، وأشار إلي تجربة »المكسيك« التي تعمل علي منح القروض العقارية لموظفي الدولة من خلال قاعدة معلوماتية ضخمة تحتوي علي كل البيانات والمعلومات الخاصة بالجدارة الائتمانية لهؤلاء الموظفين ومتاحة لمختلف البنوك التي تمنح تمويلا عقاريا للموظفين.
كان البنك المركزي قد أقدم منذ 9 سنوات علي مشروع »إقراض موظفي الحكومة« من خلال اتاحة سيولة نقدية للبنوك تقدر بـ8.1 مليار جنيه علي أربع شرائح، وهو القرار الذي علي أساسه تم تمويل مشروع »حاسب لكل بيت« حينها، وعلي الرغم من نجاح المشروع داخل عدد محدود من البنوك التي أقدمت علي التعاقد مع شركات ومحال تجارية، فإنه فشل قبل منح »المركزي« للشريحة الثانية من السيولة التي وفرها لهذا المشروع بعدما لاحظ البنك المركزي أن المستخدم الفعلي للشريحة الأولي التي منحها للبنوك في ذاك الوقت والمقدرة بـ 400 مليون جنيه لم يتجاوز نصف هذا المبلغ.