شهدت السينما المصرية في السنوات الاخيرة انتشار ظاهرة مشاركة أكثر من مؤلف في كتابة عمل سينمائي واحد، المبرر الذي يقدمه ممارسو هذه الطريقة في التأليف هو أنهم يحاولون الاستفادة من مميزات العمل الجماعي وما يؤدي اليه من »تلاقح أفكار« وتنشيط للابداع، لكن البعض أكد أن الاعتبارات التجارية والانتاجية هي الدافع الحقيقي وراء تنامي هذه الظاهرة، نظرا للسرعة الشديدة التي تتم بها صياغة السيناريو بهذه الطريقة.
في البداية قال السينارست نادر صلاح الدين ان اشتراك أكثر من مؤلف هي طريقة من طرق الكتابة المعروفة منذ بدايات السينما الأولي، لكنها تحتاج الي اشخاص متوافقين ذهنياً وفكرياً ولديهم استعداد للاتفاق - في النهاية - علي صياغة واحدة، لأن أي عمل فني يجب أن يعبر في النهاية عن وجهة نظر موحدة، بالاضافة الي أهمية ادراك الكتاب لمعني مصطلح »ورشة السيناريو« ونظامها وطرق تنفيذها.
واشار صلاح الدين إلي ان العمل الفردي هو الأكثر انتشارا لأنه اثبت مكانه في السوق وحقق نجاحا عن العمل الجماعي خاصة في الوطن العربي، موضحا ان الأعمال الجماعية الناجحة قليلة للغاية، ولعل أشهرها هو فيلم »الناصر صلاح الدين« والذي كان نتاج ابداع مجموعة من المؤلفين الكبار، فهو قصة محمد عبد الجواد ونجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي.
ويوضح صلاح الدين ان اشتراك المؤلفين او عدمه لا يعتبر سبباً لنجاح او فشل الفيلم، ضارباً المثل بنجاح فيلم»ورقة شفرة« تأليف أحمد فهمي وهشام ماجد في التجربة الاولي لهما، وفي المقابل نجد ان أفلام »حبيبي نائماً« و»شيكامارا« و»شبه منحرف« لكل من وليد النبوي وسامح سر الختم ووليد يوسف لم تلق نفس النجاح
وأقر صلاح الدين أنه اكتشف ان الكتابة الفردية أفضل بكثير من الجماعية وذلك بعد خوضه لتجربة الاشتراك في ورشة كتابة، فالورشة تتطلب جلسات ممتدة ونقاشات مطولة للوصول لقصة وأحداث يتفق عليها الفريق وترضي جميع الاطراف، مما يهدر وقتاً وجهداً كبيراً، وفي النهاية لا يخرج العمل بالجودة المطلوبة، مؤكداً ان ورش السيناريو تحتاج الي شخصية قائدة ومسيطرة وقادرة علي تنظيم وجمع المؤلفين ليعملوا علي السيناريو بصورة صحيحة، مشيرا الي أن هناك طرقا اخري للمشاركة الجماعية مثل تقسيم مراحل العمل علي المشاركين في التأليف كأن يقوم أحدهم بتأليف القصة ثم يقوم آخر بكتابة السيناريو وبينما يكتب الحوار شخص ثالث .
ومن جانبه قال الفنان شريف منير ان الأفلام الناتجة عن تكاتف عدة مؤلفين تتميز بالجودة، أما عن ندرة الأفلام التي تكتب بطريقة التأليف الجماعي فقد ارجعها منير الي أن كل شيء يكون صعبا في البداية ويحتاج الي اجتهاد وتركيز ليحقق نجاحاً، ومع الوقت سيستفيد المؤلف من اخطائه السابقة فيتفاداها .
واشار منير الي ان تجربة التأليف الثلاثي لسامح سر الختم ووليد يوسف ومحمد نبوي في تقديم أكثر من فيلم معاً تعد تجربة ناجحة وأثبتت قدرتهم علي التوافق والابداع المشترك .
ومن جانبه أعرب الناقد نادر عدلي عن اقتناعه بجدوي أسلوب الكتابة الجماعية موضحا أن هذه الطريقة تتبع بكثرة في هوليوود، فنجد أن السيناريو الواحد تشترك فيه مجموعة من المؤلفين كل منهم متخصص في جزء أو ناحية ما من السيناريو، فالبعض متخصص في اضفاء الطابع الكوميدي علي السيناريو وآخرون يعطونه مسحة الأكشن ..وهكذا، أما في الوطن العربي فمازالت السيناريوهات التي كتبت بهذه الطريقة نادرة للغاية، كما انها تتم بطريقة عشوائية لا تتوفر فيها مقومات ومهارات وحرفية فن التأليف الجماعي.
وعاب عدلي علي الأفلام المصرية التي كتبت بطريقة الورشة الجماعية ان اغلبها مقتبس عن أفلام أجنبية، مما يجعلنا نتساءل عن مبرر لمشاركة أكثر من كاتب في تأليفها، فمعظمها لا يحتاج لجهد وتفكير أكثر من مؤلف، فما بالك بثلاثة مؤلفين ! فلا يوجد عمل من بينها كانت له خصوصية أو رونق فني لافت للانتباه يبرر اشتراك أكثر من مؤلف في كتابته، كما لم يحقق أي منها نجاحا نقديا أو جماهيريا يذكر، مما يهدد بجعل ظاهرة الكتابة الجماعية - في حال انتشارها - تنحو منحي سلبياً ما لم يتم تنظيمها ووضع منهج محدد لها .
وأعتبر عدلي فيلم »ورقة شفرة« حالة مختلفة نظرا لمشاركة مجموعة من الشباب في كتابته واعتمادهم في السيناريو علي افلام شبابية امريكية، معربا عن تفائله بهم في حالة اجتهادهم لتقديم نوع مختلف من السينما.
وأكد عدلي أن اشتراك مؤلفين من اجيال مختلفة في نفس ورشة الكتابة يعد أمرا غير مطروق، متسائلا : وهل يحتاج الكاتب الكبير وحيد حامد الي كتاب آخرين ليساندوه في الكتابة؟! لكن اذا اقام هذا الكاتب الكبير ورشة سيناريو فستكون فرصة للشباب ليستفيدوا من خبراته.
ويري عدلي أنه كثيرا ما يكون سبب اشتراك أكثر من مؤلف في عمل فني واحد راجع لرغبتهم في الانتهاء منه بسرعة، فيتكاتفون للانتهاء منه في وقت قصير بهدف الربح وتحقيق عائد مادي سريع، فيكون الناتج سلبياً علي الفيلم لخروجه بلا قيمة و" سريع الطبخ«.
علي الجانب الآخر، يري الناقد محمود قاسم انه يجب أن تتواجد جميع أشكال الكتابة السينمائية، سواء من خلال السينارست الواحد أو من خلال ورشة عمل تضم مجموعة من الكتاب، وهو ما يحدث - علي سبيل المثال - مع سامح سر الختم ووليد سيف ومحمد نبوي الذين اشتركوا معاً في افلام كثيرة مثل »حبيبي نائماً« و»شيكامارا« ..الخ
وينصح قاسم هؤلاء المؤلفين بالاعتناء بالقيمة الفنية المقدمة لكي تلاقي إقبالاً ونجاحاً علي المستوي الفني والجماهيري والنقدي ايضا، والاستفادة بما قاموا بدراسته عن الدراما وفن السيناريو وعدم الانسياق للغة السوق، لأن العبرة في الختام بقيمة الفيلم الذي يحمل اسمهم. محذرا اياهم من أن العمل الجماعي قد يظلم السينارست الجيد، لأن فشل الفيلم ستوزع مسئوليته علي المؤلفين المشاركين، دون تحديد لمن هو المسئول الحقيقي عن كتابة سيناريو ضعيف.