الفيدرالي الأمريكي يتجه لشراء سندات خزينة‮.. ‬والمركزي الأوروبي يرفض خفض أسعار الفائدة

خالد بدر الدين:   مع تزايد حدة أزمة الاقتصاد العالمي يواجه صناع القرار في الدول الكبري ظروفاً وخيارات صعبة، ويعتزم بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي شراء سندات خزانة للحد من ارتفاع...

خالد بدر الدين:

مع تزايد حدة أزمة الاقتصاد العالمي يواجه صناع القرار في الدول الكبري ظروفاً وخيارات صعبة، ويعتزم بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي شراء سندات خزانة للحد من ارتفاع تكاليف القروض الحكومية والتي ترفع أيضا أسعار قروض القطاع الخاص، بينما يفكر البنك المركزي الأوروبي في خفض أسعار الفائدة إلي أقل من %2.


وذكرت صحيفة »فاينانشيال تايمز« ان سوق السندات تشير إلي تضخم العجز في ميزانية الحكومة الأمريكية، وتزيد من الضغوط علي إدارة الرئيس باراك أوباما وحيرة بنك الاحتياط الفيدرالي في تحديد التدابير التي يجب أن يتخذها لعلاج الأزمة المالية.

وارتفعت أسعار فائدة أو عوائد السندات لـ5 سنوات منذ 30 ديسمبر الماضي من %2.09 إلي %2 .95 خلال الأسبوع الأول من الشهر الحالي، وهو ما يضيف اعباء جديدة علي الإدارة الأمريكية الجديدة التي تحاول تدبير 800 مليار دولار لانقاذ الاقتصاد بالاضافة إلي مئات المليارات الأخري لانقاذ البنوك والمؤسسات المالية.

ويقول إد يارديني رئيس شركة يارديني وشركاه للبحوث الاقتصادية: إن روبرت روبين مستشار الرئيس الاسبق بيل كلينتون حذر من أن تزايد الانفاق الحكومي سوف يؤدي إلي ارتفاع كبير في أسعار الفائدة طويلة الأجل وهو ما يزيد من أعباء الديون الحكومية.

ومن الغريب أن لا أحد في فريق باراك أوباما قد حذره من أن القبضة الخفية لسوق السندات ستكون أقوي من القبضة المرئية التي تهمين بها الحكومة الأمريكية علي الأسواق المالية، ولكن خبراء الاقتصاد لا يرون أي تشابه بين عصر كلينتون الذي كانت فيه المدخرات تبحث عن سندات الحكومة الخالية من المخاطر وكان هناك طلب متزايد من القطاع الخاص علي الأموال في حين أن عوائد السندات الحكومية - حاليا - مازالت متدنية للغاية من ناحية عوائدها القياسية خلال تاريخها ومع ذلك فإن المستثمرين الذي يتجنبون المخاطر مازالت شهيتهم محدودة تجاه الاقبال علي ديون الحكومة.


وارتفاع أسعار سندات الحكومة لا يعكس - فقط - المخاوف من أن الحكومة الأمريكية سوف تصدر ديوناً اضافية قدرها 2000 مليار دولار هذا العام، وانما تشير - أيضا - إلي انعدام الثقة في نظام الحكومة بغض النظر عن تزايد انفاقها.


وتتزايد مخاوف المستثمرين من ضعف شهية الأجانب لشراء السندات الحكومية بسبب الانخفاض المتواصل في فوائض الحساب الجاري في العديد من الاقتصادات الناشئة لدرجة أنه ليس من المنطق أن يتحدي تيم جيثنر وزير الخزانة الأمريكية الجديد الصين ويتهمها بالتلاعب في عملتها.


ويبدو أن الضغوط التي تواجه سوق السندات من المحتمل أن تعزز مكانة فريق باراك أوباما الذي يطالب بسرعة ابتكار الخطط لخفض الانفاق علي الأجل الطويل في مجال الرعاية الصحية لإعادة الثقة في الأسواق.


ويؤدي دعم عوائد سندات الخزينة إلي زيادة أسعار الفائدة علي قروض القطاع الخاص، وهو ما يؤدي إلي مشاكل خطيرة لبنك الاحتياط الفيدرالي، كما حدث مع تكاليف القروض المستخدمة في انقاذ عملاقي الرهن العقاري فاني ماي وفريدي ماك الواقعين الآن تحت السيطرة الحكومية والتي ارتفعت بصورة حادة مما جعلت أسعار الرهن العقاري ترتفع %5 إلي %5.38 حالياً.


وأعلن بنك الاحتياط الفيدرالي أواخر يناير أن يتجه إلي شراء سندات خزانة - فقط - إذا أدي ذلك إلي خفض تكاليف قروض القطاع الخاص وإن كان هذا الإعلان قد أثار حيرة معظم المتعاملين في الأسواق المالية وأن كانت الحاجة إلي شراء سندات الخزانة اليوم أقوي مما كانت في الأسابيع الماضية.


وانخفاض عائد السندات 10 سنوات لا يشكل مشكلة في حد ذاتها، ولكن علي بنك الاحتياط الفيدرالي أن يتراجع بأسعار الرهن العقاري مباشرة بالتعجيل بشراء الأوراق المالية المتدنية بحوزة فاني وفريدي.


ومن المنتظر أن يعلن فريق أوباما عن خطط جديدة منتصف الشهر الحالي حول إنقاذ سوق الرهن العقاري والتوسع في مجالات التعاون بين بنك الاحتياط ووزارة الخزانة لتمويل أسواق التوريق الخالية من السيولة المالية مثل أسواق تمويل العقارات التجارية والمرهونات العقارية الضخمة وسندات البلدية.


ويؤكد بيتر هوبر الخبيرالاقتصادي في قسم الاوراق المالية في ديوتش بنك أنه بمجرد وصول عوائد سندات الخزينة إلي أكثرمن%3 يمكن لبنك الاحتياط الفيدرالي أن يشتريها وإن كان ذلك سوف يعتمد أيضا علي ما يحدث في تكاليف قروض القطاع الخاص.


ويشعر بعض المسئولين في بنك الاحتياط الفيدرالي بالقلق من تزايد مخاوف المستثمرين بسبب قيام البنك بشراء سندات الخزينة ولاسيما المستثمرين الاجانب لأن التمويه علي المؤشرات السعرية قد يضعف من نفوذ اعضاء الادارة الامريكية الذين يحاولون وضع السياسات التي تستهدف تحسين التمويل الحكومي طويل الأجل.


ومن ناحية أخري أكد جان كلود تريشيه رئيس البنك الأوروبي المركزي علي بقاء أسعار فائدة منطقة اليورو بلا تغيير حتي ينتهي مجلس محافظي البنك من إعادة تعديل استراتيجيته وسط الظروف الراهنة التي تتغير بسرعة هائلة لدرجة أنه خفض أسعار الفائدة من %4.25 منذ بداية أكتوبر الماضي إلي %2 - وهو يشير إلي إمكانية خفض هذه الأسعار مرة أخري كخيار متاح في المستقبل أمام البنك.


ويؤكد جوليان كاللو الخبير الاقتصادي الاوروبي في بنك »باركليز« إن مجلس محافظي البنك الأوروبي المركزي يجد صعوبة كبيرة في الوصول إلي إجماع بشأن تحديد ادني مستوي يمكن أن تصل إليه أسعار الفائدة في منطقة اليورو، مثل بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي وبنك أوف انجلاند لتقترب من الصفر أم لا.


ورغم تحذير جان كلود تريشيه من مخاطر الوقوع في »مصيدة السيولة التي تصبح فيها السياسة النقدية بلا أي فعالية فإن هناك خلافات واضحة بين أعضاء مجلس المحافظين حول الاعتقاد بأن قرارات البنك لن تكون فعالة بمجرد أن تصل أسعار الفائدة إلي الصفر وسوف يصبح صناع القرارات عاجزين عن اتخاذ أي تدابير للخروج من الأزمة الراهنة كما يقول اثاناسيوس اورفانيدس محافظ البنك المركزي القبرصي والذي يلقي احتراما واضحا من محافظي البنوك المركزية الاوروبية لأنه كان يعمل في السابق خبيرا اقتصاديا ومستشارا في بنك الاحتياط الفيدرالي الامريكي.


ورفض جان كلود تريشيه الدخول في مجادلات مع اثاناسيوس خلال الاجتماع الذي عقده مؤخرا والذي وصف ما دار فيه بالعمق والتأني لأن بعض اعضاء المجلس كانوا يتوقعون اجراء المزيد من خفض اسعار الفائدة، وأكد فقط ان سياسة اسعار الفائدة القريبة من الصفر تحوي عدة عيوب يجب تفاديها ولكنه لم يحددها.


وتجنب بيان رئيس البنك الاوروبي المركزي بعد المواجهة مع اثاناسيوس الذي يتميز بمهارات واضحة في تبرير السياسة التي ينادي بها وكذلك إمكانية خفض اسعار الفائدة حتي تصل إلي الصفر عند الضرورة في المستقبل وذلك إذا تزايدت المخاطر التي تواجه دول اليورو بحيث تدخل في مرحلة انكماش مع انهيار عام ومستمر في الاسعار مما يزيد من حدة الازمة الاقتصادية في أوروبا.


ولكن إن لم يحدث الانكماش كما يتوقع جان كلود تريشيه فإنه يمكن خفض أسعار الفائدة في منطقة اليورو بمقدار %0.5 مرة أخري في مارس المقبل علي أن تتوقف هذه الاسعار عند هذا الحد بعيدا عن الصفر.


وكان جان كلود تريشيه حريصا علي عدم تقليل الخيارات المتاحة أمامه عندما طرح أدوات السياسة غير القياسية المحتملة لإنقاذ الاقتصاد ومنها شراء سندات حكومية أو اتباع سياسة التوسع الكمي.


ويمكن تطبيق هذه الاجراءات دون خفض أسعارالفائدة إلي الصفر لأن التوسع في تدابير انتعاش السيولة في البنك الأوروبي المركزي والتي تسمح حاليا للبنوك بالحصول علي قروض بلا حدود بأسعار فائدة ثابتة يجب اعتبارهذه التدابير استثنائية تحدث في أوقات غير عادية.