مع تراجع الاستثمارات‮.. ‬زيادة العاطلين‮.. ‬وانتشار الإجراءات الحمائية

خالد بدر الدين: توقعت المؤسسة العالمية لوكالات الدعاية الاستثمارية انكماش الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة %15-12 هذا العام. وكانت قد تراجعت بنسبة %21 لتصل إلي 1.4 تريليون دولار عام2008.

خالد بدر الدين:

توقعت المؤسسة العالمية لوكالات الدعاية الاستثمارية انكماش الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة %15-12 هذا العام.
وكانت قد تراجعت بنسبة %21 لتصل إلي 1.4 تريليون دولار عام2008. ويؤكد البنك الدولي انخفاض صافي الديون الخاصة والتدفقات الاستثمارية إلي البلاد النامية من تريليون دولار عام 2007 إلي 530 مليار دولار فقط عام 2009 بما يعادل %7.7 إلي %3 من الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلاد.


وذكرت مجلة ايكونوميست أن مؤسسة التمويل الدولية تتوقع مزيداً من الانخفاض في تدفق الاستثمارات علي البلاد النامية وستسترد البنوك العالمية من دول الأسواق الناشئة المزيد من مدفوعات الديوان هذا العام أكثر مما ستضخه من قروض جديدة في هذه الأسواق. كما أن أسواق السندات في دول الأسواق الناشئة تراجعت في الربع الأخير من العام الماضي لتصل إلي أقل من 5 مليارات دولار وكانت قد بلغت 50 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2008.

ويبدو أن الأزمة الاقتصادية الحالية جعلت مشاكل التجارة في دول الاسواق الناشئة تتفاقم مع تزايد انكماش تدفقات الاستثمارات بين الدول. والتي كانت من اقوي دعائم انتشار العولمة وبدأ الحديث يتطرق لـ»انهيار العولمة«.

وإذا كان أعداد الرأسمالية يشعرون بالسعادة بسبب انهيار العولمة مثل الاقتصادي الفليبيني والدن بيللو الذي يزعم بأنه أول من ابتكر هذا المصطلح في كتابه »انهيار العولمة أفكار للاقتصاد العالمي الجديد« فإن جوردون براون رئيس وزراء بريطانيا يؤكد أن نتائج انهيار العولمة ستكون وخيمة علي العالم كله.

ولكن هل انتهت فعلاً العولمة؟

من المؤكد أن اقتصادات العالم تنكمش بسرعة كما أن سرعة وحجم الركود الحالي يزيد من الشكوك حول امكانية تحقيق التكامل بين أسواق العالم، لا سيما أن صندوق النقد الدولي كان قد توقع في نهاية العام الماضي نمو الاقتصاد العالمي بحوالي %2.2 فقط في عام 2009 وهي نسبة تقل عن نصف ما بلغته في عام 2007، ولكن يؤكد الآن أن نمو العام الحالي لن يزيد علي %0.5 وهو أدني مستوي يشهده العام منذ 60 سنة.

ورغم أن أحداً لم يعلن أن العولمة ستقضي علي الدورات الاقتصادية بحلوها ومرها أو ستحقق نمواً مستديماً فإنه من المؤكد أن العولمة فشلت في تحقيق العديد من المزايا للبلاد الفقيرة كما أعلنت في بدايتها وإن كانت البلاد الفقيرة مازالت تنمو بمعدل أسرع من نمو البلاد الغنية مثلما كانت من قبل. واتسعت الفجوة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للأسواق الناشئة والدول الغنية من لا شيء تقريباً عام 1991 إلي حوالي %5 في عام 2007 و%5.3 عام 2008 وربما بنفس النسبة هذا العام.

والعولمة تعني التكامل في حركة السلع والاستثمارات والعمالة بين دول العالم. ولكن ما يحدث الآن هو شلل نصفي في هذه الحركة. فانهارت التجارة العالمية بعد أن ارتفعت بنسبة %20 في النصف الأول من العام الماضي بفضل ارتفاع أسعار السلع، وانخفاض قيمة الدولار إلا أنها تراجعت بنسبة %23 مع نهاية العام الماضي وهي ضعف نسبة الانخفاض الذي شهدته أمريكا في نهاية سبتمبر 2001 بسبب هجمات »11 سبتمبر«.

وكان انكماش التجارة واضحاً في الدول التي فتحت أسواقها علي مصراعيها للأسواق العالمية لا سيما نمور شرق آسيا مثل سنغافورة التي تمثل صادراتها %186 من ناتجها المحلي الاجمالي حيث انخفض اقتصادها بمعدل سنوي %17 في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2008 وكذلك تايوان التي تساهم صادراتها بنسبة %60 من ناتجها المحلي الاجمالي ومن المتوقع تراجع اقتصادها هذا العام بنسبة %11.

ومن المتوقع أيضاً انكماش اقتصاد الدول الغنية بنسبة %2 هذا العام ولكن كبري الدول المصدرة لسلع رأس المال والسيارات والمنتجات الالكترونية مثل ألمانيا واليابان فسوف تنكمش بأكثر من ذلك، ففي الربع الأخير من العام الماضي انكمش اقتصاد كل منهما بنسبة %8 لألمانيا و%13 في اليابان وهو أسوأ معدل منذ عام 1974.

وتعاني أيضا الدول الصغيرة التي انتشعت عقب العولمة بفضل صناعة السياحة حيث تؤكد منظمة السياحة العالمية انخفاض عدد السياح في العالم بنسبة %1 في النصف الثاني من عام 2008 بالمقارنة مع ارتفاع أكثر من %5 سنوياً طوال الأعوام الأربعة التي سبقت العام الماضي.

ففي منطقة البحر الكاريبي مثلاً سيقل عدد السياح هذا الموسم بنسبة %33 كما أن الفنادق في بعض الجزر نصفها خالية وتم الغاء العديد من الرحلات المتجهة لهذه المنطقة وظهر عجز واضح في ميزانيات هذه الدول الصغيرة التي تعتمد بدرجة كبيرة علي السياحة.

ولم تتأثر كبري الأسواق الناشئة مثل الهند التي تمثل صادراتها %15 من الناتج المحلي الاجمالي وتتوقع الحكومة نمو اقتصادها هذا العام بنسبة %5 وهي نسبة لا بأس بها في ظل الركود الحاد الذي ضرب معظم دول العالم.

أما البرازيل التي انهار اقتصادها بسبب الانخفاض الشديد في أسعار السلع وانكماش صادراتها فمن المتوقع أن يبلغ نموها هذا العام حوالي %1.5 وكذلك الصين التي تراجع نموها إلي %6.8 في العام الماضي سينخفض أكثر من ذلك خلال العام الحالي أيضاً بعد انكماش صادراتها بنسبة %18.

وإذا كانت هذه الدول الثلاث تحظي بأسواق محلية ضخمة ونظم بنكية مستقرة نسبياً لم يتم تحريرها حتي الآن فإن الفجوة بين النمور الآسيوية، الخالية من الأنياب، ودول بيك »هي دول بريك ولكن بدون روسيا التي لها حالة خاصة بسبب البترول« تثير المزيد من الأسئلة بخصوص العولمة، ومدي استفادتها منها، مثل اعتماد أي دولة أكثر من اللازم علي التجارة فقط؟ وإلي أي مدي يمكن لدولة أن تحرر بنوكها؟

وهل يمكن الاستفادة من ميزات الرخاء بتوفير الوسائل اللازمة لامتصاص صدمات الركود؟

وكما حدث مع انهيار العولمة التجارية فقد تدهورت أيضا العولمة المالية مثل دول شرق اوروبا وروسيا، والتي تعرضت بنوكها المحلية لصدمات قوية بسبب عدم وجود سياسات تأمينية ضد فترات الركود واعتمادها الشديد علي القروض الاجنبية كما ان البنوك الاجنبية تدفقت عليها بأعداد كبيرة وقت الازدهار ثم انسحبت منها فجأة عندما اشتد الركود العالمي، ولكن دول شرق آسيا لم تتأثر كثيراً لأن معظم هذه الدول لها قروض في الخارج سيتم سدادها.

كما أن العديد من كبري الأسواق الناشئة الآسيوية لديها احتياطي أجنبي ضخم ومتراكم ساعدها علي خفض ديونها الخارجية، ولكن دول شرق أوروبا ليس لديها مثل هذا الاحتياطي الأجنبي وتعاني ديوناً خارجية وعجزاً في حسابها الجاري طوال العقد الماضي مما جعل انعدام العوملة يزيد من تفاقم المشاكل في هذه الدول.

وهناك مشاعر متضاربة بخصوص تحرير الأسواق المالية لأن الاستثمارات الاجنبية المباشرة لها وضع مختلف لأنها توفر عادة مصانع جديدة وفرص عمل كثيرة وتكنولوجيا حديثة كما أن هذه الاستثمارات تساعد علي نقل المهارات والتقنيات من الدول الغنية إلي الفقيرة.

وتراجعت هذه الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحوالي الثلث في المتوسط وبحوالي النصف أو أكثر في بريطانيا وايطاليا وألمانيا بسبب الأزمة الحالية. كما تسللت هذه الاستثمارت من فنلندا وايرلندا وإن كانت تدفقات الاسثتمارات الأجنبية التي تدخل الدول النامية كانت لا تزال تنمو في العام الماضي %4 فقط بعد أن كانت %21 عام 2007.

وبالنسبة للعمالة التي تعد ثالث دعائم العولمة فإن منظمة العمل الدولية تتوقع أن يرتفع عدد العاطلين في العالم هذا العام إلي 230 مليون شخص بعد أن كان 190 مليوناً عام 2008 نتيجة الركود وانهيار العولمة التي أدت إلي انهيار التجارة بسبب تسريح العاملين في شركات التصدير وتراجع الاستثمارات التي لم تعد توفر فرص عمل جديدة وتوقفت عن الخطط التوسعية.

والاقتصادات التي كانت تستوعب أعداداً كبيرة من العمالة الأجنبية لن تحتاج إليها الآن مع تزايد الركود وسيظل ملايين الآسيويين الذين كانوا يعملون في دول الخليج أو الشباب الأفريقي الذي كان يتدفق علي امريكا اللاتينية أو سكان وسط آسيا الذين كانوا يتجهون إلي روسيا، كل هؤلاء سيظلون في بلادهم لعدم وجود فرص عمل مع تزايد اغلاق المصانع وتوقف المشاريع في العديد من الدول التي كانت تستفيد منهم.

وفي الاستفتاء الذي أجراه الاتحاد الأوروبي في الصيف الماضي عقب ظهور الركود الحاد كان ثلثا سكان الاتحاد يرون العولمة مفيدة فقط للشركات الكبري وليس للمواطنين كما أن %78 من الأمريكيين في عام 2002 كانوا يؤكدون أن العولمة التجارية تساعدهم ولكن هذه النسبة تراجعت إلي %59 عام 2007 ثم أكد عدد كبير من الأمريكيين لأول مرة في يوليو الماضي أن العولمة تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد الأمريكي كما أن %62 من مواطني 20 دولة يرون أنهم ليس لديهم ثقة في الشركات العالمية.

وإذا كانت هناك بوادر علي الحمائية التجارية مثل الهند التي رفعت تعريفة استيراد الحديد، والاتحاد الأوروبي الذي أعاد دعم صادراته من منتجات الألبان، وروسيا التي رفعت رسوم استيراد السيارات فإن الولايات المتحدة الأمريكية تمنح حوافز لشراء المنتجات الأمريكية وتقول حكومة المكسيك إنها ستخفض رسوم آلاف المنتجات المستوردة بحلول عام 2012.