نتج عن عدم التطوير والفكر المستورد

محمد ماهر: ازمة الليبرالية في الواقع المصري كثيرة ومتعددة، الا ان الخطاب الليبرالي يعتبر من اهم اركان الاشكاليات التي تؤثر علي رواج وشيوع الافكار الليبرالية، نظراً لان انتشار اي افكار...

محمد ماهر:

ازمة الليبرالية في الواقع المصري كثيرة ومتعددة، الا ان الخطاب الليبرالي يعتبر من اهم اركان الاشكاليات التي تؤثر علي رواج وشيوع الافكار الليبرالية، نظراً لان انتشار اي افكار يعتمد في الاساس علي قوة الخطاب المتبع، ومدي ما يقدمه من حجج وبراهين قوية يمكن ان تلقي قبولاً واقتناعاً من الشارع السياسي، ارجع الخبراء ازمة الليبرالية في مصر الي ما يعتري خطابها من خلط في المفاهيم، وعدم رسوخ الافكار لدي أنصارها، فضلا عن عدم وجود تصورات بعينها تجاه ازمات محددة يمكن ان تقدم للعامة علي انها رؤي ليبرالية مما ساهم في غموض الموقف الليبرالي.


يري دكتور عبد المنعم سعيد، رئيس مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ان المشاكل التي تعتري الخطاب الليبرالي المصري اثرت سلباً علي وضع الليبرالية، ومازال هذا الخطاب يعيش ازمة عدم النفاذ لعقول الاشخاص، بالاضافة الي انه ليست لديه قدرة علي التواصل المؤثر مع الشارع السياسي، واوضح »سعيد« ان التراث المصري لم يعرف قيماً ليبرالية حيث تقتصر اغلب فترات التاريخ المصري علي الارث الديني والسلطوي مما جعل الاطراف المناهضة لليبرالية يصورونها علي انها تمثل قيماً دخيلة غربية.

وشدد سعيد علي ان تبني افكار ليبرالية علي المستوي الاقتصادي فحسب كما تفعل الحكومة ساهم في تشويش الفكر الليبرالي مضيفاً ان بعض القوي اليسارية والاسلامية تبنت هي الاخري مجموعة من القيم الليبرالية علي المستوي السياسي مثل تداول السلطة، خاصة مع عدم وضوح رؤي ليبرالية تفند هذه المزاعم الماركسية والاسلامية.

في السياق نفسه أكد صامويل تادروس، المحلل السياسي، أن الخطاب الليبرالي المصري توقف عند ثورة 1919 وتجاهل التطور في الفكر الليبرالي علي مستوي العالم لأنه انفصل عن التجربة العالمية الليبرالية بعد ان كان مشاركاً بها بقوة وتاثير كبير.

واوضح »تادروس« ان التراث الليبرالي المصري في الفترة بين 1919 حتي 1952 قبيل اعتلاء الضباط الاحرار لسدة الحكم اتسم بالزخم النسبي وغزارة الانتاج في الأدبيات الفكرية الليبرالية العميقة أيضاً، لافتا الي انه لا يوجد حاليا أي انتاج لأدبيات ليبرالية ذات قيمة كما كان يحدث في السابق.

وارجع »تادروس« ازمة الخطاب الليبرالي الحالي الي اختلاط المفاهيم لدي كثير من الليبراليين، حيث تداعب الليبراليون المصريون احلام العودة لنموذج الدولة المصرية إبان حكم محمد علي رغم ان هذه الفترة تحفل بملاحظات كثيرة علي المستوي النظري الليبرالي.

واشار »صامويل« الي ان فكرة بناء الدولة الحديثة وفق التصور الليبرالي ينبغي ان ترتكز علي ان الدولة الحديثة مشروع المواطن المصري في الاساس وليس مشروعاً قومياً للدولة كما يشاع بين اوساط الليبراليين وغيرهم.

ولفت صامويل الي الخلط في الواقع السياسي المصري بين فكرة القومية _ أو الوطنية - المصرية من جهة والافكار الليبرالية من جهة أخري كما هو ظاهر في حزبي »مصر الأم« »مصر الليبرالي« »تحت التأسيس« مؤكدا ان القومية المصرية ليست لها علاقة من قريب او بعيد بالطرح الليبرالي الا ان الخلط بينهما ليعمق مشاكل الخطاب الليبرالي أيضاً.

علي الجانب التحليلي أوضح الكاتب، عمرو برجيسي، أن ازمات الخطاب الليبرالي بمصر تكمن في وجود خطابين أحدهما للاحزاب السياسية الليبرالية والآخر للمثقفين الليبراليين وكلاهما بمعزل عن الاخر، حيث يعيش خطاب المثقفين حالة انفصال عن الواقع السياسي، ويتم الخوض في قضايا نظرية الا ان خطاب الاحزاب الليبرالية يتسم بالبرجماتية ويتم تجاوز النظرية احيانا من اجل الشعبية كما حدث مع حزب الوفد الذي ناهض بيع بنك القاهرة لاسباب لا تتعلق بالليبرالية.

واشار برجيسي الي ان الخطاب الليبرالي المصري غير مؤسس علي مبادئ وليس علي مستوي العمق الفلسفي للنظرية الليبرالية، لافتا الي ان اختزال القيم الليبرالية في بعض المفاهيم كالتسامح وحقوق الاقليات وبعض النقاط التطبيقية الاخري يحول الليبرالية لفكرة هشة يمكن العصف بها امام افكار اخري اكثر سطحية تناهض الليبرالية، وشدد برجيسي علي ان الليبراليين في مصر لا يقدمون اطروحات تتسم بالعملية ازاء مشكلات تقع في دائرة اهتمام رجل الشارع العادي، مدللا علي ذلك بعدم تحدث اي من الليبراليين عن مشكلة »رغيف الخبز« اللهم من بعض الاراء التي ذهبت لالغاء الدعم دون تقديم تصور شامل وموضوعي.

ولفت برجيسي الي ان الليبراليين المصريين غالبا ما يلقون باللوم علي الشعب الذي ينتخب المرشحين ليس وفق برامجهم وافكارهم وانما علي اساس المصالح المباشرة التي يمكن ان يحصلوا عليها.

يفعل الليبراليون ذلك ليبرروا عدم تحقيقهم نجاحات كبيرة خلال الآونة الاخيرة، مؤكدا ان هذا لا يقتصر علي الوضع السياسي في مصر بل يمتد ليشمل انحاء متفرقة من العالم، ومع ذلك نجد أن الخطاب الليبرالي في هذه الدول يؤقلم نفسه لمخاطبة مصالح الافراد وهوما لا يحدث عندنا.

وفي الاتجاه نفسه ذهب حمدي حسن، امين الاعلام للكتلة البرلمانية لجماعة الاخوان المسلمين مؤكدا انخراط الخطاب الليبرالي في مصر بمشاكل وقضايا لا تهم عموم الناس، لافتا الي ان الاهتمام بقضايا لا تمس الواقع اليومي للمواطن المصري من شانه ان يضعف اي خطاب.

من جهته، اكد الدكتور عبد الرحمن خير، عضو المكتب السياسي بحزب التجمع، ان ازمات الخطاب الليبرالي تعود الي مشاكل في النظرية الليبرالية في الاساس، لافتا الي ان الخطاب الليبرالي يغازل النزعه الفردية للاشخاص في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع المصري من هاجس الفردية التي بدأت تتفشي في المجتمع.

واوضح خير ان الخطاب الليبرالي يستغرق في وعود آجلة ورؤي مستقبلية لا تقدم حلولاً تتسم بالآنية والقدرة علي تنفيذها حالاً، الامر الذي يفقد الليبرالية بريقها خاصة فهي تتحدث عن نبؤات وآمال.

واشار خير الي ان الخطاب الليبرالي يحاول احيانا كثيرة صبغ المعلومات حتي يقدمها للناس في قالب ليبرالي مرتبط في النهاية بامور دعائية تفقد الخطاب الليبرالي مصداقيته وموضوعيته.