‮»‬العمالة المؤقتة والأجنبية‮« ‬قنبلة موقوتة داخل المجتمعات الأوروبية

  أيمن عزام:   لم يلتفت أحد طيلة 15 عاماً لوجود عمال ايطاليين داخل أحد معامل تكرير البترول في بريطانيا المعروف عنها انفتاحها علي الاستثمارات والعمالة الاجنبية، لكنه في ظل...


أيمن عزام:

لم يلتفت أحد طيلة 15 عاماً لوجود عمال ايطاليين داخل أحد معامل تكرير البترول في بريطانيا المعروف عنها انفتاحها علي الاستثمارات والعمالة الاجنبية، لكنه في ظل الركود الحالي الذي تشهده البلاد أصبح هؤلاء العمال أنفسهم سبباً لاندلاع احتجاجات عارمة خلال الشهر الماضي قادها2000 عامل في محطات توليد الطاقة ومعامل التكرير في طول بريطانيا وعرضها للمطالبة بطرد العمال الأجانب.


وذكرت صحيفة »وول ستريت جورنال« أن الاحتجاجات تكشف عن حالة الانزعاج المفاجئة التي انتابت العمال والمحللين في كثير من دول العالم المتقدم التي رفعت شعارات التحرر الاقتصادي من وجود العمال الأجانب في ظل الركود الحالي الذي يضرب الاقتصاد العالمي.

وزادت أوضاع المهاجرين سوءا بسبب ادخال نظام »العقود المؤقتة« في كثير من الدول الأوروبية واتجاه الشركات لتسريح أعداد كبيرة منهم في ظل الركود الحالي، خصوصا أن معظمهم يعمل بعقود مؤقتة، فيما يفضل أصحاب العمل في أوروبا الابقاء علي العمالة الدائمة وتسريح المؤقتة لأن ذلك يعفيهم من سداد تعويضات ضخمة مستحقة لأصحاب العقود الدائمة حال الاستغناء عنهم.

وترصد الصحيفة حال التحول التي تمر بها المجتمعات الاوروبية مع تزايد الفجوة بين عمالة دائمة تتمع بكل المزايا وأخري مؤقتة محرومة من أبسط حقوقها، مما ينذر بزيادة التوتر بينهما.


وحاولت الدول الاوروبية الغربية خلال السنوات القليلة الماضية الاستفادة من العمالة الرخيصة لمواجهة تصاعد المنافسة مع الدول الاخري، فأجرت تعديلات في قوانينها تتيح ابرام عقود عمل محددة المدة، وأدي هذا لتوفير ملايين من الوظائف الجديدة، لكن الركود الحالي أجبر الشركات علي تسريح أعداد كبيرة من العمالة في صفوف هذه الفئة التي تضم المهاجرين والشباب.


وانخفض عدد العمالة المؤقتة في اسبانيا خلال الربع الأخير من عام 2008، فيما زادت العمالة الدائمة بنسبة %0.8، وفي فرنسا هبط اجمالي التوظيف بنسبة %0.7 خلال الربع الثالث مقارنة بالعام السابق، لكن العمالة المؤقتة هبطت بنسبة %21.2.


وفي بريطانيا أصبح وجود العمالة الاجنبية غير مرغوب فيه وزاد الغضب الشعبي بسبب تردد انباء حول بيع حصة كبيرة في هيئة البريد البريطانية لشركات اجنبية هولندية ودنماركية. وأجري مؤخرا مسح كشف أن الخوف من المهاجرين أصبح يحتل المرتبة الثالثة في قائمة اهتمامات البريطانيين بعد الاقتصاد والجريمة.


وتضع هذه الاحتجاجات »جوردون براون« رئيس الوزراء البريطاني في موقف حرج خاصة أنه عبر في أكثر من مناسبة عن معارضته للحمائية، والقي مؤخرا خطابا أمام الكونجرس الأمريكي أثار قلق العالم بسبب ادراجه بنداً يشترط شراء المنتجات الأمريكية في خطة تحفيز اقتصادي بقيمة 787 مليار دولار، حيث اعتبر براون أن التزام العالم بحمائية لا تحمي أحدا ستقوده لا محالة للقاع.


وبلغت البطالة في بريطانيا %6.3 خلال الربع الأخير من عام 2008، بينما بلغت %4.7 خلال فترة الانتعاش الاقتصادي في عام 2005، وأظهرت التوقعات التي أصدرتها مؤسسة HIS ارتفاع البطالة بنسبة %10.5 في أوائل عام 2011.


ويقول ديرك هوشلتر المتحدث باسم شركة روبرت بوش الالمانية لصناعة اجزاء السيارات إن أصحاب العمل هم أكبر المستفيدين من التعديلات التي أجريت للسماح بتوظيف العمالة المؤقتة لأنهم يستطيعون التخلص منها بسهولة في حالة تباطؤ الطلب وأنهم يميلون لذلك لتشغيل أعداد كبيرة منها في أوقات الانتعاش الاقتصادي.


لكن بعض الاقتصاديين يعتقدون أن تصاعد موجة الغضب في صفوف العدد الهائل من العمالة المؤقتة التي فقدت وظائفها بسبب الركود قد يجبر الحكومات الأوروبية للتراجع عن التعديلات القانونية.


ويقول »جيلس موك« الاقتصادي في بنك أوف أمريكا إن التحرر يصبح أفضل سياسة اقتصادية يمكن اتباعها عندما ترتفع معدلات النمو في ظل الانتعاش لكنها تصبح منبوذة في ظل الركود.


ولا تحصل العمالة المؤقتة عادة علي أي تعويضات في حالة البطالة لأنها لا تستمر في الوظائف لفترة زمنية كافية. ويترتب علي ذلك تزايد الفجوة بين العمالة المؤقتة والدائمة مما ينذر بتزايد التوتر في كثير من البلدان الأوروبية.


وتظاهر العام الماضي آلاف من الشباب في اليونان وفرنسا وايطاليا للاحتجاج علي تزايد معدلات البطالة، وعلي نظام التشغيل غير المناسب والذين وصفوه بـ»المتحيز« لصالح أصحاب العمل.


ولم تتأثر أوروبا وحدها من تسريح العمالة المؤقتة، فقد هبطت الوظائف المؤقتة بنسبة %24.7 في شهر فبراير مقارنة بالعام السابق، وبنسبة هبوط سنوية تبلغ %3 في جميع الوظائف، واتجهت اليابان مثلما فعلت أوروبا لتوظيف العمالة المؤقتة خلال السنوات القليلة الماضية واتجاهها حاليا للتخلص من الكثير منهم.


وامتد التسريح ليشمل العمالة الدائمة في أوروبا وهو ما ساعد علي رفع نسبة البطالة إلي %8.2 في شهر يناير.


ويتجه حاليا أصحاب العمل لتسريح العمالة بوتيرة أسرع مقارنة بركود عام 2001 بسبب تزايد أعداد العمالة المؤقتة، وخلال الركود الذي شهده عام 2001 ظلت معدلات البطالة متدنية نسبياً في ظل تباطؤ النمو، لكنه في الركود الحالي ارتفعت البطالة بشدة.


ويعد الاتجاه لإبرام عقود عمل محدودة المدة ظاهرة جديدة في أوروبا، فلم تكن هناك حاجة إليها خلال فترة الستينيات والسبعينيات عندما وصلت البطالة لنسبة %3.


لكنه بعد أزمة البترول في السبعينيات التي أدت لرفع معدلات البطالة في العالم زادت معدلات البطالة في أوروبا لأكثر من %10 في الثمانينيات، نظرا لأن المزايا التي تحصل عليها العمالة الدائمة جعلت أصحاب العمل أكثر ترددا في تشغيل عمالة تندرج تحت هذه الفئة، بينما توقفت معدلات البطالة عند %10.8 في مطلع الثمانينيات في الولايات المتحدة التي يتم فيها إبرام عقود عمل مؤقتة في نطاق واسع.


وبدأت دول غرب أوروبا الواحدة تلو الأخري تجري تعديلات في تشريعاتها من شأنها السماح بإبرام عقود عمل مؤقتة، فأقرت ايطاليا هذه التشريعات عام 1997 وتبعتها اليونان عام 2001.


لكن اقرار هذه التشريعات واجه معارضة كبيرة في بعض الدول، ففي ايطاليا تعرض للقتل مسئول حكومي لإشرافه علي اجراء تعديلات تسمح بابرام عقود عمل مؤقتة علي يد جماعة يسارية متطرفة، لكن ذلك لم يحل دون إقرار هذه التعديلات بعد حادثة القتل بعامين. وبسبب احتجاجات طلابية اندلعت عام 2006 في فرنسا وجد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك نفسه مجبرا علي تغيير بنود خطة تتوسع في ابرام عقود عمل مؤقتة لعمال تحت سن 26 عاماً.


وبعد أن أقرت المانيا قوانين عمل تتيح ابرام عقود عمل مؤقتة زادت شركة بي أم دبليو من أعداد هذه الفئة لأكثر من 7000 عامل أي ما يقرب من %10 من قوة العمل المحلية. وزادت هذه النسبة لتبلغ %17 من قوة العمل في عام 2007 في بلدان أخري في دول الاتحاد الأوروبي.


واستفاد من هذه القوانين الشباب والمهاجرون، فقد ابرم شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما ثلث عقود العمل المؤقتة محددة المدة في عام 2007 علي الرغم من أن هذه الفئة العمرية تشكل %10 من إجمالي قوة العمل في الاتحاد الأوروبي. ويشكل الاجانب في المانيا نسبة %14 من العمالة المؤقتة في النصف الأول من العام الماضي، أي ضعف إجمالي عدد الأجانب الذين يدفعون تأمينات اجتماعية.

وأغرت القوانين الجديدة الشركات ودفعت لتشغيل أعداد أكبر من العمالة المؤقتة وساعدت هذه القوانين علي خفض البطالة في منطقة اليورو لنسبة %7.2 التي تعد أقل نسبة يتم تسجيلها منذ 25 عاماً.

وإقرار القوانين الجديدة جري المحافظة علي نظيرتها التي تفرض قيوداً علي تسريح العمالة الدائمة، فقد أبقت ايطاليا مثلا علي قانون 1970 الذي يزيد من صعوبة طرد عامل بعقد دائم حتي لو ضبط متلبساً بالسرقة.