هل اعتمد‮ »‬المركزي‮« ‬سياسة الفائدة المنخفضة؟

محمد كمال الدين:   منذ استبيان أثر الأزمة المالية العالمية علي أداء الاقتصاد المحلي تسلطت غالبية أضواء جميع الأوساط الاقتصادية نحو القرارات التي تتخذها لجنة السياسة النقدية بالبنك المركز

محمد كمال الدين:

منذ استبيان أثر الأزمة المالية العالمية علي أداء الاقتصاد المحلي تسلطت غالبية أضواء جميع الأوساط الاقتصادية نحو القرارات التي تتخذها لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي والخاصة بتحديد أسعار الفائدة علي الودائع والقروض داخل السوق بالأسبوع الأخير من كل شهر، وللمرة الثانية علي التوالي تتخذ اللجنة قرارها بخفض سعر الإيداع والإقراض في إشارة اعتبرها البعض دليلا علي اتخاذ »المركزي« سبيله لمواجهة تداعيات الأزمة الحالية من أسهل الطرق، من خلال »الفائدة المنخفضة" علي غرار معظم البنوك المركزية التابعة لأسواق أخري.


ويري البعض أن السوق المحلية عليها أن تستفيد من الأزمة المالية لتصبح فعليا جزءا من الاقتصاد العالمي الحر حتي تنتهي الأزمة كمثيلتها التي عصفت بالنظام المالي العالمي خلال القرن الماضي، موضحين أن أسعار الفائدة داخل السوق عليها أن تكون أكثر مرونة مع واقع الاقتصاد المحلي علي اعتبار أنه طالما استمر الضعف في توظيف ما هو متاح فعليا من نقد بما يضعف الطلب علي الجنيه، فعلي تكلفة الحصول علي الأموال أن تنخفض بدورها حتي يحدث رواجا في كل شيء وتدور عجلة الإنتاج، إلا أن الاسئلة الأبرز هي من يضمن لـ»المركزي« أن يتم استغلال التكلفة المنخفضة للحصول علي الأموال تفيد هيكل الإنتاج، ومن يضمن ألا تتوجه الأموال الخارجة من البنوك نحو استثمارات غير انتاجية تخلق طلبا علي بعض السلع غير الإنتاجية وتؤدي إلي تضخيم أسعارها كما حدث بقطاع العقارات في الفترة من 2007 إلي 2008.

الدكتور كمال سرور الخبير المصرفي والعضو المنتدب السابق لبنك مصر الدولي انتقد اعتماد مسئولي السياسة النقدية بالدولة علي قرارات خفض الفائدة لمواجهة تداعيات الأزمة المالية، حيث اتخذ بقراره سلوك أسهل الطرق لإخراج السوق من حالة الركود من خلال اتباع سياسة أسعار الفائدة المنخفضة.

مشيرا إلي أحدث تقارير صندوق النقد الدولي والذي ينتقد اتباع البنوك المركزية حول العالم سياسة تخفيض متوسط أسعار الفائدة لمواجهة تداعيات الأزمة، وأضاف سرور ان »المركزي« استخدم اسهل أدواته للمناورة أمام حالة الركود التي تعيشها السوق حاليا وهي سعر »الكوريدور« دون النظر إلي الأسباب الحقيقية التي أدت لارتفاع الأسعار، كما رأيناها خلال العام الماضي وتحليل هياكل الأسعار وبالأخص أسعار العقارات التي تضاعفت خلال العامين الماضيين.

واوضح سرور أن مسئولي الاقتصاد المحلي إذا أرادوا فعليا ألا يكونوا مجرد تابعين لاقتصادات الخارج، فعليهم أن يتخلوا عن التركيز علي تقلبات المتوسط العام للأسعار أو التضخم داخل السوق دون النظر إلي مكونات هذا التضخم وأسبابه ولأي سبب نشأ، مشككا في أن تكون الارتفاعات التي لحقت بمعدلات التضخم خلال العام الماضي حتي وصلت إلي نحو %24 في سبتمبر نتيجة دخول نقود جديدة داخل السوق أدت إلي زيادة الطلب وارتفاع الأسعار، واضاف سرور: حتي لو افترضنا أن المتسبب في معدلات التضخم المتفاقمة خلال العامين الماضيين، هو دخول أموال جديدة السوق، فإن معظم تلك الأموال ذهبت إلي شراء الأصول بهدف التربح من وراء تعظيم قيم تلك الأصول، محذرا من أن التسرع في خفض الفائدة قد يؤدي إلي مزيد من اتجاه حائزي النقد نحو شراء الأصول بهدف تراكم الثروة وخشيةً مما هو قادم من تبعات أزمة الركود التي تعاني منها السوق حاليا.

وتساءل العضو المنتدب السابق لبنك مصر الدولي عن مردود قرارات خفض الفائدة علي أرض الواقع في الوقت الذي سارعت فيه البنوك إلي خفض الفائدة علي ودائعها حتي تحقق أكبر عوائد ممكنة، بينما لا يمثل مؤشر »الكوريدور« التابع للبنك المركزي إلزاما علي بنوك القطاع لخفض أسعار الفائدة لديها، متوقعا أن يقوم البنك المركزي أواخر شهر أبريل بإجراء خفض جديد علي أسعار الفائدة.

أما الدكتور محمد جوهر الخبير المصرفي المدير العام السابق لبنك الدلتا، فيشير إلي أن البنك المركزي يراعي دائما عمل توازن بين متطلبات النمو وحساباته الخاصة بمعدلات التضخم حتي يصل إلي مستويات الفائدة العادلة، التي لا تتعارض مع خطط الحكومة للنمو وطموحات الأفراد نحو أسعار أقل لاحتياجاتهم من سلع وخدمات.

مشيرا الي أنه علي الرغم من خفض البنك المركزي اسعار الفائدة للشهر الثاني علي التوالي، فإن جميع المؤشرات تؤكد أن هذا الانخفاض عادل مقارنة بمعدلات التضخم وأسعار الفائدة علي العملات الأجنبية، ويوضح جوهر أن أسعار الفائدة الحقيقية داخل البنوك في الأساس تتراوح بين 8 و%10 علي الودائع بما يعني أن الخفض الجديد لسعر الخصم لا يعني بأي حال من الأحوال إضرارا بمصالح صغار المودعين.

واضاف أن المنظومة المصرفية حاليا بما فيها من بنوك أجنبية وخاصة اتفقت علي ضرورة مساندة الاقتصاد الحقيقي خلال المرحلة الراهنة، وهو ما يفرض علي البنوك مسئولية ضمان توجيه ما يخرج منها من قروض أو ما يسمي بالتوجيه النوعي للتمويل نحو مشروعات إنتاجية، تحدث رواجا فعليا داخل السوق ويصبح معها خفض أسعار العائد علي الإيداع والإقراض أمرا مجديا بالفعل.

ويذكّر مدير إدارة المخاطر باحد البنوك أنه منذ نحو 3 سنوات كان متوسط أسعار الفائدة داخل السوق يتراوح بين %9 علي الودائع و %11.5 علي الإقراض في وقت كانت فيه معدلات التضخم نحو %5، بينما نسب الفائدة علي الدولار حوالي %6، والآن يقوم البنك المركزي بخفض الفائدة علي الجنيه، حتي يحدث طلب حقيقي علي العملة المحلية في وقت تتدني فيه الفائدة علي العملات الأجنبية، متسائلا عن التوقيت الذي من المفترض أن يتخذ فيه »المركزي« قراره بخفض أسعار الفائدة إذا لم يتخذها في الوقت الحالي.

وتابع مدير إدارة المخاطر أن »المركزي« يراعي عددا من الاعتبارات عند خفض أسعار الفائدة داخل السوق من بينها حجم الدين الداخلي لدي الحكومة، مضيفا أن الحكومة بصدد التوسع في الإنفاق بما يخدم معدلات النمو وهو ما يعني حاجتها إلي تشجيع من جانب الجهاز المصرفي المقرض الأول لها من خلال خفض الفائدة علي مديونياتها.

موضحا أن عملاء البنوك عليهم أن يصبحوا أكثر وعيا بمتغيرات المؤشرات الاقتصادية من حولهم، دون حاجة للذعر من أن يفقدوا ثقتهم بالجهاز المصرفي وهو ما لم يحدث حسب قوله، باعتبار انه أثبت قدرته علي الحفاظ علي أموال المدخرين للدرجة التي وصل فيها الأمر إلي ان بعض الشركات بدأت تستفيد من مزايا الادخار بالقطاع المصرفي، وهو ما اضطر البنك المركزي لاحقا باتخاذ ضوابط بهذا الشأن.

وأضاف مدير ادارة المخاطر أن معدلات توظيف السيولة حاليا داخل الجهاز المصرفي والتي تدور في معدل %54 لا يكون من المنطقي معها وجود فوائد مرتفعة علي الأموال، طالما كانت معظم السيولة داخل السوق محتجزة لا يتم استثمارها بشكل يساعد علي مزيد من الإنتاج، متوقعا أن يستمر البنك المركزي في إجراء مزيد من الخفض بأسعار الفائدة كلما انحصرت معدلات التضخم داخل السوق.

وكان البنك المركزي قد ألمح إلي استمرار إجراء خفض علي نسب الفائدة لديه علي الودائع والقروض تماشيا مع انحصار المخاطر التضخمية المتوقع أن تصل إلي حدود %10 مع حلول منتصف العام الحالي