من تراب الطريق (739)

من تراب الطريق (739)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:40 ص, الأحد, 24 نوفمبر 19

يبدو أن أحدًا لا يحاول جديًّا العودة إلى العقل فى هذا العالم المتخبط، لأن الناس أبناء زمانهم، عشقوا الكبر جميعًا، أيًا ما كان آحادهم غنيًا أو فقيرًا عالمًا أو جاهلاً فى نظر نفسه ونظر من هم معه.. شابًا أو شيخًا..لا ينظر أولاً إلاّ إلى نفسه هو قبل كل كائن، قريبًا كان أو بعيدًا فى دنياه.. هذه الدنيا التى يبدأ وينتهى منها حتما لا يتعداها إلى غيرها قط سواء كلف عملا بأجر لغيره أو قام به لنفسه أو لمن هم فى حكم نفسه.. ونادر النادر جدًّا- إلى اليوم- مـن ينصرف فعلا وحتمًا لخدمـة حاجـة الغير فقـط، يعرفـه أو لا يعرفه، فهذه من بقايا ماضٍ انتهى أجله من زمن، وهى قد تتقاطر الآن هنا وهناك، ورغم أن مؤديها جاد فى أدائها، لكنها لا تبالى بها غالبية الخلق الآن وأبدًا إلى أن يشاء الله تعالى!

فالبشر الآن وإلى الغد القريب غارقون فى أنانيتهم وفى غرورهم وفى استخفافهم وفى كبريائهم، فأنانية البشر قد باتت عامة، بينما كانت الأنانية فى الماضى خاصة بالسادة الملوك أو الأمراء أو النبلاء أو كبار الأثرياء أو قدامى الأغنياء فى الأسر. أما العامة فلم تكن حينئذ تعرف الأنانية لاحتياجها الدائم للتعاون أو المساعدة العامة التى لا ينقطع إمدادها من بعضهم لبعض ما عاشوا، ولحياتهم الغاصة إذ ذاك بالمتاعب وكثرة الإنجاب والإيمان بصورة للدين معظمها مصطلحات وراثية غير ثابتة أو غير راجحة أو غير معقولة، لكنها بطول الاعتقاد قد باتت حتمية لا تناقش ولا تقاوم فى تلك الأزمنة التى لم يعد يبالى بها الناس أو معظمهم، فى تلك الأيام التى اضطربت فيها المفاهيم وغابت المثل وغربت القيم.. وساد الحسد الأنانى بين الطبقات وبين الأتباع والمتبوعين والخدم والمخدومين.. يثور كل منهم أو يحسد غيره على مقدرته، ويثور على نفسه دائمًا حين يذكر إتباعه وضرورة امتثاله لسيده أو رئيسه، ويحتقر فى ذات الوقت من يدنو للتقرب منه، وربما تحقق خروج البشر من هذه الشرنقة إذا تحقق نجاح البشرية فى امتزاجها الواضح الجاد بالشمس وكواكبها وأقمارها وتوابعها ومع الكون العظيم الذى عرف البشر الآن غير قليل عنه فى حدودهم، ولكن لم يعرفوا بعد حتى اليوم وحتى الغد القريب كيف يتخلصون من تمسكهم غير المقبول وغير المعقول بهذه الأرض تمسكًا يرفضون أن يكون لهم فيها شريك أو شركاء، يقاسمهم ويقاسمونهم حقًا وصدقًا.. مقاسمةً بريئةً من المزاعم والادعاءات واحتمالات الكذب والتكذيب!

ويوجد على أرضنا اليوم أكثر بكثير عن ذى قبل، عديد من البشر وأقل من الحيوان والنبات لسرعة النقص المتزايد فيهمـا. من سنـوات يزداد سعـى الدول علنًـا وخفـاءً لا للإصلاح والنماء ولكن فى تقديم وتفضيل آلات وأدوات الدمار والخراب، خاصة الشامل منها، بالغًا ما بلغ من القيمة البشرية المرجوة والمعبأة.. فعالم الأرض اليوم عالم قلق متوجس متخبط برغم ما لا حصر له من الحركات والسكنات والاتفاقات والدعوات والمؤتمرات والاجتماعات والبيانات والاعتراضات، ورغم ملء الأرض نهارًا وليلاً بالأخبار، صباحا ومساء، فى الأرض والهواء والجو للقريب والبعيد، فإن هذا العالم لا يزال قلقًا بعمق وانتشار لا أول له ولا آخر.. وربما فارق القلق إلى الشؤم واليأس العامين اللذين شملا فعلا الدول الكبيرة قبل المتوسطة والصغيرة.. وبات همها الكبير الهائل، همًّا أسـود حالكًا ليس من اليسير علاجه.. إذ حار هؤلاء وأولاء الآن فى فهم ما لم يعودوا يفهمونه أو يظنون أنهم كانوا يفهمونه ويقتادونه إلى ما يريدون بأمان وثقة.. فقد اختل على الجميع بلا تمييز صدق التوجه والثقة من أعوام باتت غير قليلة.. يحاول بعضنا ـ وهم غير كثيرين ـ أن يجدوا طريقًا أكثر وضوحًا ونورًا للتخلص اليوم أولاً من ثقل الانطفاء وقصور الرؤية والاكتفـاء بوجـود هذا اليوم أو ذاك فقط أو الاستسلام للهلع واليأس بالكلية !!

فهل فى إمكان البشرية أن تخرج من وهدة ما صارت إليه ـ إلى نور جديد ؟!

[email protected]

www. ragai2009.com