ارتبطت الازمة المالية العالمية التي اجتاحت العالم مؤخراً بالاستثمار العقاري.. وهو الأمر الذي أثار مخاوف عدة ألقت بظلالها علي حركة البيع والشراء العقاري ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما اتجهت لباقي دول العالم بما فيها دول العالم النامي رغم اختلاف الأسباب حتي امتدت المخاوف علي أصول الثروة العقارية في المنطقة العربية.. فهل يصبح الاستثمار في المجال العقاري استثماراً غير آمن ومحفوفاً بالمخاطر؟؟
للاجابة عن هذه التساؤلات فإنه تجدر بنا العودة لبداية الأزمة ورصد تأثيراتها:
1- نقول ان الازمة بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية بازدهار شراء وبيع العقارات ووسط خضم هذا الازدهار ظهرت الممارسات الخاطئة والتي تتمثل في عدم توافر الرقابة المالية من قبل البنك المركزي علي الجهات ذات الصلة بالتمويل العقاري سواء في البنوك المالية العقارية أو خبراء التقييم أو الاستعلام علي المشترين وانحصرت الأزمة في تقدير العقار بأعلي من قيمته الحقيقية بثلاثة أو أربعة أضعاف من قيمته الحقيقية، كما منحت البنوك للمشترين قروضاً بنسبة تمويل تخطت %105 من قيمة العقار والمغالاة في تقييمه أصلاً، علاوة علي عدم توافر دراسة ائتمانية للمشتري تحدد مدي قدرته علي سداد الدين، مما أدي إلي قيام البنوك بسحب هذه العقارات من المشترين ومن الأمور التي أدت إلي تفاقم المشكلة اعادة تمويل هذا العقار لمتعثر آخر وثالث ورابع حتي وصلت القيمة السوقية للعقار أثناء الازمة إلي نحو %20 من القيمة السوقية لقيمة التمويل التي كانت تمنح قبل الازمة..
2- ومن هنا بدأ المخزون العقاري لدي البنوك الممولة في الزيادة وفي نفس الوقت انخفض الدخل السنوي للفرد مما أدي إلي اتجاه المستهلكين للبحث عن وحدة سكنية بايجار أقل والعودة إلي منازلهم الأصلية وأصبحت العقارات خاوية دون مستأجرين ودون مستثمرين وأخيراً، انهارت البنوك الممولة وانتقلت هذه الانهيارات إلي أوروبا في لندن ثم بروكسل...
وقد سادت المخاوف لدي البعض من جراء التوسع في التمويل العقاري خوفاً من تكرار هذه الازمات الا انه يمكن القول بأن هذه المخاوف لا أساس لها، حيث إن الظروف لدينا مختلفة إذ إن التمويل العقاري لدينا في عامه الخامس، والرقابة من قبل الهيئة العامة لشئون التمويل العقاري رقابة صارمة علي شركات التمويل وخبراء التقييم حيث يتم تمويل المشتري بنسبة لا تزيد علي %80 من قيمة العقار وبعد دراسة ائتمانية قوية علي المشتري بحيث لا يزيد القسط السنوي علي ربع الدخل السنوي للمشتري، وكذلك بعد رقابة علمية دقيقة علي تقدير العقار من قبل خبراء التقييم.
وبالتالي لم ولن يحدث أبداً أي خلل في التقدير للعقار ولا خلل في التمويل وبالتالي فالتمويل العقاري آمن إلي أقصي درجة.
وأيضا تعتبر الرقابة علي تصرفات البنوك للتمويل العقاري من قبل البنك المركزي رقابة علمية وعملية، حيث إن نسبة التمويل البنكي للعقارات لا تزيد علي %5 من محفظة أي بنك.
وبالنظر إلي تأثر أسواقنا العقارية بالأزمة نجد أن الازمة انتقلت إليها بشكل غير مباشر، خاصة أن كثيراً من الازدهار العقاري الذي تحقق في دول الخليج مؤخراً قد تم دون دراسات تسويقية، تحدد حجم الطلب ونوعية الشريحة المستهدفة، وكان هناك خلل في تمويل بعض البنوك للشركات العقارية ولبعض المشترين، كما ان الشائعات كان لها دور كبير في انهيار البورصات العالمية وفقدان المستثمرين في البورصة الذين هم أنفسهم مستثمرون في العقار.
وفي مصر حدث انهيار كبير في البورصة وتحققت خسائر للعديد من الشركات والافراد وأدت الشائعات إلي انتقال هذا التأثير إلي العقارات وفي نفس الوقت انخفض سعر الطن لحديد التسليح من 7500 جنيه للطن إلي 3600 جنيه للطن، مما أعطي مؤشراً الي انخفاض تكلفة تشييد وتشطيب الوحدة السكنية وأدي إلي عزوف كثير من المشترين عن شراء العقارات، أملا في انخفاض الأسعار، إلا ان شركات الاستثمار العقاري لم تمتثل لاتجاهات التخفيض، وأصر المستثمرون العقاريون علي عدم خفض الأسعار، فتوقفت بذلك حركة البيع والشراء منذ سبتمبر 2008 وحتي الآن، ونتوقع أن يستمر التوقف حتي منتصف عام 2009.
وانتقل هذا التوقف عن البيع والشراء إلي الدول الشقيقة كالمغرب العربي والسودان والأردن ولبنان.
وحتي يمكن تقييم الأوضاع الحالية فإن ما يحدث اليوم لا يعتبر انهياراً بالمعني الصحيح، وإنما هي حالة سكون وتوقف عن البيع والشراء وحالة ترقب خلال عام 2009 ونتوقع انخفاضاً في أسعار الوحدات العقارية يصل إلي نسبة %10 فقط.
أما عن توقعاتنا للفترة الزمنية التي يمكن ان يستغرقها هذا الركود فيمكن القول بأن حالة الركود النسبي للعقارات لن تستمر أكثر من ثلاث سنوات حتي نهاية 2011 ثم يبدأ العقار في الصعود النسبي مرة أخري.
وما يدفعنا إلي هذه التوقعات عوامل عديدة نراها ماثلة أمامنا علي النحو التالي:
أولاً: يرتبط العقار دائماً بالسكان حيث يحتاج الانسان في أي مكان لمسكن آمن ولا يستطيع تأجيل هذه الحاجة أو الاستغناء عنها.
ثانياً: حجم الطلب علي العقار في مصر يتراوح ما بين 300 ألف وحدة و400 ألف وحدة عقارية سنوياً.
ثالثاً: حجم المعروض للعقار في مصر سنوياً لا يزيد علي 100 ألف وحدة عقارية سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص.
رابعاً: تظل الفجوة التسويقية سالبة وفي حاجة ماسة من 200 ألف وحدة إلي 300 ألف وحدة.
خامساً: وجود حجم طلب متراكم منذ السنوات العشرين السابقة لوحدات عقارية قدرت بحوالي من 3 إلي 4 ملايين وحدة، ولو قلنا إن الحاجة للسكن لدي الإنسان في سن الزواج بغرض تكوين أسرة مكونة من فردين »ذكر وانثي« في منزل جديد، فإن عدد الراغبين في الزواج وفي سن الزواج ما بين »22 سنة و35 سنة« يمثلون نسبة %20 من قوي العمل المصري، والتي تبلغ 30 مليون نسبة، فإن هذه النسبة تبلغ 6 ملايين وحدة لراغبي الزواج »ذكر واثني« أي 3 ملايين وحدة عقارية لكل زوجين خلال خمس سنوات سابقة متراكمة.
سادساً: أن نسبة القادرين علي الزواج والذين يروجون وينعشون سوق العقارات تقدر بـ%20 للمتوسط وفوق المتوسط، بينما تنقسم شرائح الشعب المصري إلي %75 لمحدودي الدخل و%5 للأغنياء وباقي النسبة »%20« للمتوسط وفوق المتوسط.
سابعاً: من خلال متابعتنا لسوق العقارات خلال أعوام 2006، 2007، 2008 يتبين ان انتعاش التمويل العقاري قد قام بتمويل الشريحة المتوسطة وفوق المتوسطة بصورة كبيرة وذات حاجة وطلب مستمر.
ومن هنا نستطيع أن نؤكد ان الاستثمار في مجال العقار سيظل مزدهراً إلي الأبد مهما تعرض للركود في بعض الفترات، فإن حركة الركود والانتعاش لها دورة زمنية قدرها 7-5 سنوات.
ولن يحدث انهيار أبد الدهر للعقار في الوطن العربي للأسباب السابقة.