من تراب الطريق ( 717 )

من تراب الطريق ( 717 )
رجائى عطية

رجائى عطية

6:28 ص, الثلاثاء, 22 أكتوبر 19

اعتدنا صغارًا وكبارًا، أن نرحب بكل جديد يطرأ نفرح به كفرح طفل بملابسه الجديدة.. وربما لأننا دون أن نفكر نتوقع من الجديد أن يجدد حياتنا، ويحيى ما لعله مات أو ابتعد من أحلامنا..

ولا يحول دون ذلك أن يكون الفرد منا راضيًا بحاله، فهو دائمًا لا يكف عن ترقب الجديد.. ينتظره أملاً ورجاءً، وقد ينتظره خوفًا وتوجسًا فى عالم صيرورته دائمة لا تكف عن تغير وتبدل الأحوال، فى دنيا مليئة على الدوام بالاحتمالات.

ونحن بعامة لا نترقب غير المتوقع.. ولكن ذلك لا يمنعنا من الفرح والابتهاج والسرور بمفاجأته المفرحة، أو من أن نغضب ونحزن وننقبض مما لا نشتهيه أو لا تحمد عقباه..

وقع الجديد على المجاميع لا يختلف كثيرًا عن وقعه على الأفراد.. ومع ذلك يختلف فى رد فعله.. فقد تتصاعد انفعالات واحتجاجات المجاميع المشتركة فى الرأى أو المصلحة أو الغرض أو المذهب أو السلوك، وتأخذ أشكالاً لا تطابق ردة فعل الفرد إن كان الجديد مقصورًا عليه لا يتعداه إلى سواه.

والآدميون فى الماضى والحاضر، وسيظلون فى المستقبل، لا يكفون عن انتظار أو توقع الجديد.. ما قد يشرح ويبهج، وما قد يغضِب ويحزِن.. وهم قليلاً ما يتذكرون قول الحكيم العزيز : «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (الحديد 23).. ولذلك يتأرجحون دائمًا بين التطلع والقلق عند تفكيرهم فى الجديد الذى لا ينقطع ما دامت صيرورة الحياة..

حياة الآدمى فى أعماقها تأبى الركود، فالحياة دائمًا طارئٌ قادم.. يجىء من أجل مستقبل فى طور التشكيل ولم يتشكل بعد..

وحياة كلٍ منا تذكره من لحظة الميلاد بأنه موجود وحى، وجوده باق ما دام حيًّا..

ومعظم الناس يحذرون الموت حذرًا يمنعهم من التأمل فيه، كمن قال القرآن الحكيم فيه : «يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ» (البقرة 19).. بل وينسون أن كل نفس ذائقة الموت.. ولا يلتفتون إلى قول الله عز وجل : «كلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (العنكبوت 57).

ما نفهمه فى حدودنا ناقص دائمًا، وغير دقيق ومتقلب ويختلف مع اختلاف الأزمنة والأمكنة والأجيال، ومع تباين الظروف والعادات والعقول..

فهم الحىّ لموت الميت مشكل منذ بداية البدايات.. لم يحله الآدميون بعد ولن يحلوه، رغم تكرار استقبالهم للموت كما يستقبلون الحياة، لا يعرفون إلاّ التصرف فى موتاهم بحكم العادة على مقتضى عرف الجيل والزمان والمكان السائد.. أكلاً أو دفنًا أو حرقًا أو تكديسًا فى حفر اليابسة أو إلقاءً فى أنهـار أو بحار، أو تبعًا لسنن الدين الحنيف الذى أرشدهم إلى كيفية دفن جثامين موتاهم ! !!

ونحن بعامة كأحياء نحب الحياة ونتعلق بها تعلقًا بالغًا لأنها فى نظرنا القصير ـ الأساس الأوحد لوجود كل منا فى دنياه !.. وهذا التعلق البالغ الضريـر يملّك كـل منا ذاته وروحه وجسمه تمليكًا ربما لا تقــره سنن الكون العظيم، ويحذر منه القرآن المجيد واصفًا هذه الحياة بأنهــا متاع الغــرور « كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ» (آل عمران185).. «وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» (العنكبوت64).. يقول سبحانه وتعالى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ» (فاطر5).. لكننا جميعا نتمسك بالحياة تمسكًا ضريرًا ويتمسك بها كل آدمى حىّ ـ صغيرًا أو كبيرًا ــ دون أن يعرف حقيقة ما هو فيه وما هو سر مجيئه وما هى خطوات مصيره، بل دون أن يعرف حقيقة أى جزء فيه، ودون أن يعرف حقيقة ما يحس ويشعر وينسى ويتذكر ويريد ويرفض ويعلم ويجهل ويحتاج ويستثنى ويقترب ويبتعد، ودون أن يعرف لماذا جاء إلى هذه الدنيا ولماذا ومتى يذهب !

كل هذه الأسئلة ما زالت مطروحة لم يحر الآدمى جوابًا شافيًا عليها، برغم تقريرات وتأكيدات ما يعيده ويكرره أحياؤنا ومن سبقونا.. ربما لانصرافنا فى الغالب إلى الحياة فى دنيانا انصرافًا كليًا.. فلم نعد نبالى بترديد ما نتلوه ونكرره كالببغاوات من آيات وبراهين القرآن المجيد.. نرددها بألسنتنا دون أن نعيها ودون أن نتأمل فيها بإمعان اكتفاءً بما اعتدنا الانتساب إليه انتسابًا معظمه شكلى.. وبتنا نعتبره من لوازم الوقار والاعتبار الباقية !

[email protected]

www. ragai2009.com